فؤاد مطر يكشف غواية الإنقلابات في (عسكر سوريا وأحزابها)

602

فؤاد مطر يكشف غواية الإنقلابات في (عسكر سوريا وأحزابها)

احمد عبد المجيد

لا اقوم بزيارة بيروت، عادة، الا ويفاجئني الكاتب الكبير فؤاد مطر باصدار جديد .

ويوم وافاني الى فندق (كولدن توليب) تحادثنا، في الاحوال والآمال، واخرج من  اضبارة ورقية يحملها نسخة من كتابه الجديد (عسكر سوريا واحزابها- غواية الانقلابات والتقلبات والولاءات الحنظلية ودراميديا الثعلبة وجنون العظمة لجنرالات البلاغ رقم1).

ولفت مطر ، نظري الى انه سيهديني النسخة الاولى من الكتاب، لان المطبعة لم تنته من استكمال بقية النسخ. وشرع بكتابة اهداء، كثير التميز وينطوي على محبة عميقة لشخصي المتواضع،

وهو ما حرك في داخلي، فضولي الصحفي فاستأذنته بالتقاط صورة له وهو يوقع هذه النسخة.

وكالعادة أيضاً فان مؤلفات الاستاذ مطر، دائما ما تنطوي على جديد ، وهذه المرة جاء جديده من الماضي أو التاريخ القريب – البعيد، لبلد ينزف ويصارع ويتحدى التقسيم. وكأن المؤلف اراد القول ان مآل (غواية الانقلابات والتقلبات والولاءات الحنظلية)، كثيرا ما تفضي الى واقع مر جداً.

فالعسكر المسكونون بجنون العظمة والمشغولون بالغوايات، لا يكترثون للنتائج ولا تأخذهم الابعاد والاثار، الى أبعد من انوفهم، مع استثناءات ليس محلها سوريا .

ويقدم المؤلف اجابات واضحة عن تفاصيل مغمورة لاول انقلاب سوري قام به الزعيم حسني الزعيم ثم سامي الحناوي ثم اديب الشيشكلي، وكل هؤلاء استلهموا العملية من الانقلاب الاول وما تلاه من جنوح الجنرالات والضباط، الاقل رتبة نحو انتزاع السلطة من سلاطين السياسة والزعامات الحزبية التقليدية.

وعند قراءتي عنوان الكتاب اشدت بالفكرة، من منطلق احاطتي بظروف سوريا الراهنة، وخمّنت ان المؤلف وضع في اعتباره الرغبة في وضع صفحات ساخنة من تاريخ سوريا امام ابصار الشباب السوري، كجيل خبر الحاضر، ولم يدرك اوجاع الماضي. وفور شروعي بقراءة المقدمة وجدت ان المؤلف اوضح اهداف اصدار الكتاب، مثلما نوه كاتب التقديم رياض نجيب الريس، وهو صديق بارز لمطر، الى اهمية خطوة من هذا النوع تولاها مطر، وعده الكتاب الذي يشكل الاصدار الثالث والثلاثين في سلسلة مؤلفات الاستاذ فؤاد، منذ كتابه (رؤساء لبنان من شارل حلو الى شارل دباس – ذكريات ووقائع وطرائف وصور)، محطة صغيرة من محطات التاريخ السوري الحديث، ومحطة لم توثق كما يجب، بالرغم من ان ارشيف العالم قد فتح امام المؤرخين والباحثين.

حوادث الامة

وأتفق كلياً مع الريس، الذي قال ان (ما قام به فؤاد مطر، علامة مميزة لموضوع كان سبباً اساسياً في ما وصل اليه العالم العربي اليوم واستمرت تداعياته عبر اكثر من نصف قرن على حوادث هذه الامة) .

وهو تقويم لا تشترك به سوريا حسب، بل جميع البلدان التي دأب عساكرها على الانقلاب، على اوضاع حكوماتهم وانظمتهم ورفاقهم بداعي التغيير نحو الافضل، فاذا بالامور تخرج عن السيطرة وتنحدر الاوضاع من سئ الى اسوأ.

ولا يشذ العراق عن هذه النتيجة منذ 14 تموز 1958 وحتى اليوم، حيث مازال بعض الحالمين يتمنون وقوع انقلاب عسكري في بغداد يطيح بسياسيي المرحلة ويطرد الاحتلال ويحقق السيادة الناجزة، متناسين ان الاحتلال اذا خرج من الباب عاد سريعاً من الشباك.

كما لا تشذ عن هذه القاعدة مصر التي انقلب فيها عبد الناصر على نظيره اللواء محمد نجيب في قيادة ثورة يوليو 1952 ثم قام المشير عبد الفتاح السيسي بانقلابه على الرئيس المفترض، انتخابياً محمد مرسي، مثلما لا تشذ  الجزائر عن القاعدة التي انقلب فيها هواري بومدين على رفيقه في حركة التحرير الوطني احمد بن بلة، وما شهده اليمن من انقلاب عبد الله السلال على حكم الامام بدر، وما شهدته تونس من انقلاب (أبيض) ادى الى عزل زعيم الاستقلال الحبيب بورقيبة، وما شهده السودان من انقلابات توجها المشير جعفر النميري بمذبحة شملت قوى وطنية في طليعتها الشيوعيون.

كما لا تختلف كليا عن انقلاب العقيد معمر القذافي على حكم الملك ادريس السنوسي الذي فرط به الليبيون بعدما ضللهم المضللون، كما يرى زميلنا بكر عويضة.

والكتاب لا يقدم مادة تاريخية حسب، برغم اهميتها، بل يعرض صورة حية لاوضاع بلد، كان في يوم من الايام قبلة عربية ونموذجا في الادارة والتطور والعمران ومعقلاً للثورة العربية ضد الاحتلال الفرنسي. وتكمن اهميته ايضا في انه يعيد الذاكرة التاريخية الى يوم الاربعاء 30 آذار 1949 حيث دخل العالم العربي عصر الانقلابات العسكرية.

وبدأ عملية صياغة هواجس الحذر الشديد المتبادل بين العسكر والحكام والحكومات المدنية، اي دخول البلدان العربية، وهي في طور الصيرورة السيادية، حالة اللااستقرار وفقدان التوازن وهدر الفرص وضياع الاموال والاطاحة بمشاريع النمو والاعمار .

وبذلك ظلت بلدان الانقلابات العسكرية تراوح مكانها، عقوداً طويلة، برغم ما يبدو ظاهريا عنها انها تحقق نمواً او تطوراً.

اذ تقترن هذه الانقلابات بالخطابات الدعائية والدعوات الحماسية وتصفية الحسابات، اكثر من اقترانها بالعمل الفعال وتصاعد الاداء على وفق قـــــواعد استراتيجية، فضلا عن اصابة قياداتها بهستيريا الشكوك، والشروع بما يعـــرف (الثــــــورة تأكل ابناءها) وتنتهي الى انقلاب اخر.

ولا يدّخر فؤاد مطر جهداً في جمع مادته من كل البيادر، فلا يعتمد على الذاكرة حسب، بل يغني الحصاد عبر القنوات الحية الاخرى كالارشيف والمذاكرات والاتصالات والصور والمؤلفات، حتى ان القارئ يجد نفسه امام مكتبة، اتصالية تواصلية تخص موضوع الكــــــتاب ومحتواه .

وتلك صنعة مؤلف دؤوب لا تحول التحديات دون مثابرة يتصف بها وآمال يعلق عليها مشاريعه التأليفية.

ومـــــــــن هنا نجــــــــــده يخرج علينا، باستمرار، بمؤلفـــــــــات ذات عناوين صادمة ومضامـــــــــين تجمع بين التحليل والتوثــــــــــيق لحقب عربـــــــــية مبــــــــــهرة، عــــــــلى حد وصـــــــــف الريس، الذي يأســـــــــف لان (وطنه القلم والذاكرة، قـــــــــبل ان تبهت ألوانـــــــــها وتـــــــــزداد ثقوبــــــــها).

ولا آتي بجديد اذا قلت ان كتاب (عسكر سوريا واحزابها)، وثيقة حية تستحق الاطلاع والمطالعة بدقة لاستخلاص العبر منها واستمكان علامـــــات الدلالة في حوادثها بغية الافــــــــادة من التجربة بحيث لا تتكرر الاخطاء ولا ترتكب الخطايا ضد الشعوب والاوطان.

مشاركة