غيمة طائفية في سماء المفوضية أعاقت تعاملاتها المستقبلية – فريد ايار

(الزمان) تنفرد بنشر فصول من أول كتاب يكشف إنتخابات الزمن الصعب (4)

غيمة طائفية في سماء المفوضية أعاقت تعاملاتها المستقبلية – فريد ايار

فـإنَّ الهند ستكون مشغولة بالأنتخابات في الداخل ولن يكون هناك وقت كافٍ وظروف ملائمة لتلقي اعضاء الهيئة الدورس المطلوبة. وهكذا اوحت كارينا بان الهند غير صالحة فجاء الاعتذار من قبل اعضاء المجلس على الهند ايضاً.

          بعد ان ابعدت بيريللي الهند ووصل رفض مجلس المفوضين الى ثلاث من اربع دعوات طرحت كارينا الخيار الرابع المفروض حتماً لأن المجلس لو رفض هذا العرض ايضاً فسوف لن تكون هناك زيارة الى الخارج بررتها الأمم المتحد ،كما اسلفت ، بأنها لأبعاد اعضاء مجلس المفوضين (المهمين جداً لتحقيق الاهداف) عن الواقع العراقي وقتذاك وهو وقت تمّ فيه، ولو صورياً، نقل السلطة من سلطة الأئتلاف المؤقتة الى سلطة عراقية.

          قالت بيريللي في معرض اشادتها بالعرض ان الدعوة جاءت من الحكومة الفيدرالية المكسيكية ومؤسستها الأنتخابية التي مضي على تأسيسها ما يقارب من 15 عاماً، ولأن المكسيك بعيدة كونها من دول امريكا الجنوبية وليس لديها أي عداء للعراق، ولقناعة الأمم المتحدة بأنها الدولة المناسبة (لا ندري لماذا اضاعت بيريللي كل هذا الوقت لتطرح البدائل في حين ان قناعة الأمم المتحدة هي المكسيك) للتدريب فقد وافق اعضاء مجلس المفوضية على قناعات الأمم المتحدة واختاروا المكسيك.

          يدلل هذا الأسلوب والطريق الملتوى المملوء بالتلاعب بالألفاظ واخفاء المعلومات من قبل الفريق الدولي انه لم يكن صادقاً ومباشراً مع المجلس، وقد تكرر هذا الأسلوب والطريقة الألتوائية ومحاولة التضليل في الكثير من الأمور التي حصلت اثناء عملنا وهذا ما سنكشفه في الصفحات القادمة.

          بعد وضع الأختام والحصول على سمات الدخول الى المكسيك خلال يومين من ذلك الاجتماع الاخير قصدنا هذا البلد المضياف الجميل وكانت جميع الأمور مهيأة قبل شهر من ذلك اليوم لأستقبال اعضاء مجلس المفوضية العليا المستقلة للأنتخابات.

          كانت توقعات الامم المتحدة تشير بأنَّ المنطقة الخضراء التي تشمل فندق الرشيد حيث يسكن جميع اعضاء مجلس المفوضين ستتعرض للقصف الشديد في ذلك اليوم وبالرغم من ان السلطات الأمريكية المهيمنة على تلك المنطقة افردت لنا غرفاً في الطابق الثاني الواطئ من الفندق حيث احتمال تعرضه للقصف قليلة نوعاً ما لأن القذائف والصواريخ التي يتعرض لها الفندق كانت تطال الطوابق العليا منه، فانها رأت، هكذا قيل لنا، ان ينتقل جميع اعضاء المجلس الى خارج العراق لحين الأنتهاء من عملية تسليم السلطة في التاريخ المحدد.

والمفيد هنا ان نذكر ان المجلس الجديد للمفوضية والذي اختاره مجلس النواب بعد انتهاء ولاية المجلس الاولى غادر الى استراليا وتدرب فيها دون ان يقال بان استراليا تشترك في قوات التحالف الى ما شابه ذلك من ادعاءات ساذجة.

جانب امني

          وهكذا جرى الربط بين الجانب الأمني لاعضاء المجلس والجانب التدريبي حيث تم اتخاذ كافة الأجراءات اللازمة للأنتقال الى المكسيك كما تحدثنا في الصفحات السابقة وبدء دورة تدريبية على شؤون الأنتخابات اعتبارا من يوم 12/ حزيران –يونيو /2004 بالأنتقال اولاً الى عمان بطائرة ضخمة مستأجرة لحساب الأمم المتحدة طارت بنا بطريقة لولبية لتفادي الصواريخ التي كانت تطلق على الطائرات من المناطق الغربية من العراق وبعد حوالي الساعتين وصلنا العاصمة الأردنية عمان التي اصبحت الملاذ الأول والوحيد للعراقيين الذين يرغبون بالسفر، وبعد ليلة انتقلنا الى باريس في رحلة استمرت خمس ساعات ومن العاصمة الأوربية الجميلة انتقلنا وبواسطة طائرة فرنسية ضخمة وفي رحلة استمرت حوالي (15) ساعة الى نيو مكسيكو محطتنا الاخيرة.

          كانت المنظمة المكسيكية للأنتخابات قد اعدت كل شيء، وهي منظمة متطورة حقاً ومعظم كادرها له علاقة بوحدة المساعدات الأنتخابية في الأمم المتحدة والتي تسيطر عليها، كما قيل لي هناك “مجموعة اللاتينو” بمعنى ان معظم افراد هذه الوحدة هم من دول امريكا اللاتينية واغلب الظن انه حتى السفر واختيار المكسيك لأقامة الدورة التدريبية كان بسبب وقوعها ضمن مجموعة اللاتينو وقريبة من دول بعض من رافقونا الذين غادرونا الى بلدانهم لزيارتها بعد انتهاء فترة الدورة ثم العودة إلى العراق. بدأت الدورة التدريبية في الحادي والعشرين من حزيران – يونيو 2004  أي في بداية الاسبوع المكسيكي واستمرت ثلاثة عشر يوماً القيت خلالها محاضرات قيمة حول التجربة الأنتخابية في العديد من البلدان التي مرت بظروف مشابهة للعراق، كما جرت مناقشات عديدة حول الأنظمة الأنتخابية المفروض اعتمادها في بلدان تتحول الى الديمقراطية كالعراق وقدمت لنا تجارب دول عديدة كموريشيوز والسلطة الفلسطينية إذ كان الدكتور علي الجرباوي المسؤول في المنظمة الأنتخابية الفلسطينية في ذلك الوقت والأستاذ الجامعي لاحقاً بارعاً في تفسير الوقائع الأنتخابية في فلسطين وكذلك في اليمن وتيمور الشرقية وافغانستان.

          في اليوم الأخير الذي صادف الخامس من تموز – يوليو 2004 اختتمت الجلسة بالموافقة العامة على نصوص تتعلق بقواعد السلوك   ليعمل وفقها اعضاء المجلس وتتضمن 13 بنداً تعهدياً وكما يلي:

–         تطبيق كل ما ينص عليه القانون بشأن الأنتخابات وقد وظفت كل قدراتي من اجل ذلك.

–         صيانة سرية المعلومات المؤتمنة لدي بحكم الوظيفة التي اشغلها.

–         عدم ارتكاب كل ما قد يسيء الى سمعة الهيئة الأنتخابية او نزاهة العملية الأنتخابية بأي شكل.

–         الألتزام في عملي بمبادئ الأحترام والمساواة وعدم التمييز بين أي من الناخبين المسجلين والمصوتين والكيانات السياسية والمراقبين والمرشحين والأعلاميين واي مشارك اخر في العملية الأنتخابية.

–         التزام الحياد في نشاطاتي الخاصة لتفادي ما قد يوحي بالأنحياز او يؤدي الى تضارب المصالح.

–         الامتناع عن ابداء اية وجهة نظر شخصية لها علاقة بالأنتخابات قد يترتب عليها انحياز سياسي.

–         تجنب أي علاقة قد تؤدي الى تصادم في المصالح الأنتخابية او تفهم على انها نزاعات.

–         الامتناع عن قبول اية هدية او مساعدة من أي شخص او كيان سياسي له علاقة بالأنتخابات.

–         رفض أي تدخل غير لائق او تقبل توجيهات بما يخص واجباتي من أي جهة ما عدا مسؤولي الرسمي.

 _   التعهد بتقديم تقرير الى مسؤولي المباشر في المفوضية عن اية محاولة تدخل في عملي.

–         التقيد بجميع انظمة وتعليمات المفوضية الصادرة بموجب القوانين العراقية النافذة.

عدم الأرتباط بأية علاقة انتماء او تعاون او انحياز مع أي كيان سياسي خلال فترة عملي في المفوضية

لم تكن زيارة المكسيك والتي استمرت قرابة الثلاثة اسابيع مخصصة فقط للدورة التدريبية بل كان على مجلس المفوضين ان ينظم الكثير من امور المفوضية وهو هناك، وان يتخذ بعض الأجراءات للعمل والتنفيذ فور العودة الى العراق، ففترة ستة اشهر تقريباً لأجراء اول انتخابات ديمقراطية في تاريخ العراق السياسي وتأسيس المفوضية بكوادرها وهيئاتها واعداد سجل للناخبين في ظل ظروف امنية قاسية  لم يعرف العراق مثيل لها من قبل كانت قصيرة جداً، لذا وجب عليه، بادئ ذي بدء، اتخاذ بعض القرارات التي تمكن المجلس من ادارة عجلة العمل فور الوصول إلى بغداد.

اجتمع مجلس المفوضين في اول جلسة له على عجل ترأسناها على اساس “اكبر الاعضاء سناً” وكان ذلك في 24/ حزيران –يونيو عام 2004 حيث بحث موضوع ايداع مبلغ مقداره (250) مليون دولار في البنك المركزي العراقي ليكون بتصرف المفوضية كما تقرر ان تتم عملية الأيداع بتوقيعي والسيد عادل اللامي مدير الأدارة الأنتخابية والسيد كارلوس فلانزويللا العضو الدولي. اما تنظيم الامور الحسابية بحقوق السحب والأيداع الخاص بالمبلغ فقد إرتئي ان تبحث لاحقاً.

          ادرجت اسماء المفوضين في المحضر الاول دون توقيعهم وكتب بشكل بدائي وكان ذلك دليلاً اولياً واضحاً، سيظهر في الكثير من المحاضر، على عدم القدرة والمعرفة والحاجة الماسة لتحصين الأدارة الأنتخابية بأشخاص لهم المام كامل بالشؤون الادارية وباللغة العربية وقواعدها الأساسية  وفعلا انعكس هذا الأمر في وقت لاحق على الكثير من اعمال ليس فقط الأدارة الانتخابية بل وايضاً مجلس المفوضين حيث صدرت الكثير من القرارات بشكل ناقص وغير واضح بسبب ان الكثير من الخيارات الخاصة بتعيين الموظفين كانت غير صحيحة وجيء بالكثير من الأشخاص الذين لا قدرة لهم لأنجاز عملهم بشكل صحيح.

وفي 25 حزيران – يونيو 2004 عقد الأجتماع الثاني برئاستنا ايضاً وكان لدينا جدول اعمال من سبع نقاط ولكن ثلاث نقاط كانت الابرز وهي :

–         اعتماد التسمية العربية Independent High Electoral Commission

للجهاز الذي نحن اعضاء فيه  .

–  تسمية وترجمة مصطلح Chief Electro Officer وهو امر يتعلق بالأدارة الأنتخابية .

– انتخاب رئيس لمجلس المفوضين ونائبه  والناطق الأعلامي .

تم الاتفاق بالنسبة للنقطة الاولى على اسم (الهيئة الأنتخابية العليا المستقلة في العراق) ، ثم تم تغيير كلمة “الهيئة” ب  “المفوضية” لاحقاً .

بالنسبة للنقطة الثانية فقد اثار السيد عادل اللامي مدير الأدارة الأنتخابية نقاشات طويلة فطلب من اعضاء المجلس ان يسمى رئيس الأدارة الأنتخابية ما دفع الأعضاء الى التصويت فلم يفز مقترحه ، ثم اتفق ان يطلق عليه اسم “الأمين العام” الا انه لم يطبقه  مما يعني منذ البداية ان قرارات المجلس غير ملزمة له ويمكن عدم تطبيقها وكان ذلك الأمر اول اشارة الى ان مجلس المفوضين غير قادر على عقوبة أي مفوض لا يطبق او يلتزم بقراراته وهذا ما جعل تنفيذ القرارات عند الأدارة الأنتخابية لاحقا تأخذ الشكل الأستنسابي فقط وحصول صدام مستمر بين المجلس الذي يصدر القرارات والأدارة الأنتخابية التي تنفذها .

النقطة الثالثة كانت تتعلق بأنتخاب رئيس مجلس المفوضين حيث قدمت اقتراحا بأن يكون الدكتور عبد الحسين الهنداوي رئيسا للمجلس وحصل مقترحي على الاجماع ، ثم رشحت السيد صفوت رشيد صدقي لنيابة الرئاسة الا انه اعتذر عن ذلك فرشحت السيدة حمدية الحسيني نفسها ولما لم يكن احد يرغب بهذا المنصب حصلت عليه بالتزكية.

طرح الدكتور عبد الحسين الهنداوي اسمي لمركز الناطق الأعلامي، فاعتذرت عن قبول المنصب. وهنا رشح السيد عز الدين المحمدي نفسه، الا ان اصرار السيدين عبد الحسين الهنداوي والعضو الكردي السيد صفوت رشيد صدقي على ترشيحي دفعني إلى سحب الأعتذار، وعندما لم يسحب السيد عز الدين ترشحه ، جرى التصويت اذ ايدني الدكتور عبد الحسين الهنداوي، السيد صفوت رشيد صدقي والآنسة سعاد الجبوري فيما صوت لصالح السيد المحمدي، السيدة حمدية الحسيني والسيد ابراهيم علي علي الذي ترك عمله في المفوضية بعد ان ذكر انه تلقى تهديدات ارهابية في الموصل ان لم يستقل من المفوضية.

          فزت بالأكثرية، وقد شعرت منذ ذلك اليوم ان هناك غيمة سوداء فوق سماء مجلس المفوضين ورغم صغرها فانها تحمل نفساً طائفياً من قبل بعض اعضاء المجلس في التعامل مع الأخرين مما سيشكل خطورة على اعماله المستقبلية .

        والحقيقة ان السيد عز الدين المحمدي، وهو زميل اعتز به ، لم يكن صحفياً او اعلامياً بالمعنى الدارج رغم انه عمل في مجلة للهلال الأحمر التي تصدر في كركوك وانه اقرب الى القانون منه الى الصحافة والأعلام ، في حين عملت في الصحافة ودرستها فترة تزيد عن الأربعة عقود ولكن من انتخبه لم يأخذ ذلك بنظر الأعتبار بل لعب الانتماء الديني دوره في هذا المجال.

جهدت لأبعاد  فكرة وجود تمييز ديني لدى البعض من المفوضين من ذهني، وقد نجحت في ذلك ريثا من الزمن، ولكن تلك الفكرة عادت بقوة وثبتت صحتها فيما بعد وسيتم توضيح ذلك عندما نصل الى الفصل المتعلق بالرموز الدينية ومحاولات تعديل نظام رقم (9) الخاص بالحملات الأنتخابية. وكيف اصبحت انا من الذين ينتمون الى 2% من الشعب العراقي ولا يحق لهم تقديم اي مقترح ولا سيما المتعلق باستعمال الرموز الدينية في الأنتخابات..

السلطات العسكرية الأمريكية

ونظام الكوكوس الأنتخـابي

          في احد اجتماعات مجلس المفوضين مع بعثة الامم المتحدة ابلغت كارينا بيريللي المجلس ان السلطات الأمريكية اتهمت المنظمة الدولية دوماً بالسعي لفوز رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر لأن الامم المتحدة اقترحت اجراء الأنتخابات وفقاً للنظام النسبي، وابدت خشيتها من ممارسة تلك السلطات ضغوطات على المجلس لأن القادة العسكريين الأمريكان ينظمون كلاًّ في منطقته عمليات انتخابات محلية على مستوى البلديات والمحافظات ويريدون تطوير ذلك لتشمل كافة مناطق العراق، علماً بأن لديهم مشكلة كبيرة وهي ان كل قائد عسكري يستعمل اسلوبه الخاص في المنطقة التي يشرف عليها في عملية تنظيم المجتمع التي يقومون بتطبيقها.

          خير مثال على هذه السياسة ما يقوم به الجنرال الامريكي الذي يقود فرقة المارينز التي تسيطر على مدينة الصدر بتطبيق نظام انتخابي يسمى “Caucus-Based Vote”وهو عبارة عن عقد اجتماع للأعضاء المحليين لحزب سياسي او لمجموعة من الناس لأنتخاب مندوبين الى مؤتمر او تسجيل الخيارات بالنسبة للمرشحين للوظائف العامة. كما تعني هذ الكلمة “اجتماع مغلق لأعضاء الحزب ضمن هيئة تشريعية لتقرير مسائل تتعلق بالسياسة او بالقيادة”.

          وقالت بيريللي ان الأمم المتحدة كانت قد تقدمت مطلع عام 2004 باقتراحات ثابتة أرادت منها ضم جميع العراقيين الى العملية الأنتخابية ولا سيما في المرحلة الأنتقالية وعدم رفض أي قسم منهم، ولكن اليمين المتطرف في الولايات المتحدة قاد حملة ضد الأمم المتحدة متهماً اياها بشتى الأتهامات وهذا ما قاد كارينا بيريللي، كما صرحت هي في احدى جلسات مجلس المفوضين في نيو مكسيكو الى التهديد بالانسحاب مع فريقها من العملية السياسية والأنتخابية في العراق.

          في مقال بعنوان “الكفاح من اجل العراق” قال وارن هوك في الطابق الثلاثين من مبنى منظمة الأمم المتحدة الذي يطل على المنظر الدائم للأبراج المرتفعة في وسط مدينة مانهاتن تعمل في احد جوانبه خبيرة الأنتخابات كارينا بيريللي. ومن الجانب الآخر يوجد خليط من الرسوم البيانية “المخططة كيفما اتفق” مثبتة على لوحة الأعلانات حول عملية الانتخابات المشكلة بسرعة والتي جرى اقتراحها للعراق”.

         انها مهمة غير قياسية بدرجة كبيرة تقوم بها بعثة الأمم المتحدة الذاهبة إلى العراق والمصرة على منحها فترة عدة اشهر لأجراء عمليات مسح للظروف المحلية واظهار التصميم بانجاز المهمة. وهذا ما اكسب الأمم المتحدة شهرة دولية تؤكد انها الحكم الجدير بالثقة والموثوق به حول الأنتخابات.

وجاء في القاموس السياسي بمحرك (غوغل) ان كلمة Caucus عنت في السابق في الولايات المتحدة الامريكية المؤتمر الحزبي الذي يمثل واحداً من اهم مظاهر السياسة الامريكية ويبدو ان للكلمة اصلاً هندياً قد ترجع للكابتن جون سميث الذي اشار في كتابه “التاريخ العام لفرجينيا” الصادر عام 1624 وجاء فيه ان قبيلة شيكاهاماتيا يحكمها كهنة ومساعدوهم او رؤساء اطلق عليهم اسم كوكاواز… بعد انقضاء قرن واحد عندما اجتمع الرؤساء الناشطون والسياسيون الناشطون في بوسطن لاختيار مرشحيهم للمناصب العامة اطلقوا على اجتماعهم إسم “Caucus”. وتستعمل هذه الكلمة ايضاً في الولايات المتحدة للاشارة الى هيكليات تنظيمية للحزب في الكونغرس.

          ويقول هوك: “كانت ادارة بوش قد اخذت موضوع هذه الشهرة في اعتبارها عندما تخلصت من ترددها الطويل الامد في اشراك المنظمة العالمية في العراق فطلبت من الأمم المتحدة في منتصف كانون الثاني –يناير 2004 ان ترسل بعثة من الخبراء لانقاذ خطة سلطة الأئتلاف المؤقتة المحرجة بخصوص نقل السلطة السياسية الى العراقيين”.

          وتشير الواشنطن بوست وهي المقربة من الدوائر العليا في البيت الابيض انه وفي مقابلة مع السيدة بيريللي قالت انها لا تستطيع الخوض في تفاصيل الرحلة المقبلة. ولكن اخرين في منظمة الامم المتحدة قالوا بأنّهم شعروا بان الولايات المتحدة وشركاءها في الأئتلاف لا يملكون سوى فهم ضئيل للديناميكا السياسية في العراق وانهم اساءوا الحساب عندما وعدوا باجراء عملية تصويت تستند الى مؤتمرات حزبية “كوكوس سيستم” لوضع خطط نقل السلطة الى العراقيين بحلول 30 حزيران.

          وقال مسؤول كبير في الامم المتحدة قابل مؤخراً مسؤولين في ادارة بوش انه اخبرهم ان اعتقادهم بقدرة الأنتخابات السريعة ان تجلب الاستقرار الى دول ليس لها تاريخ حكم ديمقراطي كان “مبسطاً” واضاف: “نحن نعرف استناداً الى تجربتنا أنّه يجب تنفيذ مثل هذه الامور بصورة تدريجية ومن السذاجة الاعتقاد بخلاف ذلك”(1).

          وتستطرد الواشنطن بوست لتقول: “سوف يتوجب على البعثة التي ترأسها السيدة بيريللي ان تركز اهتمامها بدقة على ما اذا كان ممكناً تنظيم انتخابات مباشرة قبل 30 /حزيران –يونيو /2004 واذا لم يكن كذلك فما هي التعديلات الواجب ادخالها على عملية عقد مؤتمرات حزبية معقدة أثارت اعتراضات قوية من زعماء عراقيين مختلفين.

          وصورت الجريدة الامريكية بيريللي بأنها عالمة اجتماعية وسياسية من البراغواي في سن 46 عاماً ترأست وحدة المساعدات الأنتخابية بالأمم المتحدة منذ عام 1998 وكانت تملك خلفية نشاط سياسي نظراً لنموها في ظل حكم عسكري. ونقلت عنها القول: “اميل الى اساءة الظن بالمنظمات الكبيرة وعملي في الأمم المتحدة، جعلني اسيئ الظن اكثر بالمنظمات الكبيرة”(2).

اعتادت بيريللي وموظفوها على اداء النشاط في الخطوط الامامية. اخذتهم العمليات الأنتخابية الى تيمور الشرقية، ليبيريا، جمهورية افريقيا الوسطى، هايتي، افغانستان، شاطئ العاج وسيراليون.

ويصف هوك مجموعة بيريللي بأنهم متصلبون في آرائهم حول عملهم. ونقل عنها “توجد طرق عديدة لتحرير الناس من العبودية بدون ان نقول لهم انهم خاضعون لها ويشكل احد واجباتنا اكتشاف ذلك. علينا ان نحدد ما اذا كانت دولة ترغب فعلاً في الحصول على مساعدتنا او انها هنا تريدنا فقط للتوقيع الأعمى على عملية الأنتخاب التي تجري فيها”.

بناية المفوضية وقلعة صدام الحصينة

  كانت احدى مهمات الأمم المتحدة في بغداد، بعد ان شعرت ادارة الرئيس السابق جوج بوش بضرورة اشراك هذه المنظمة في عمليات انتقال السلطة السياسية في العراق، ان تقوم بايجاد مقر ملائم للهيئة الأنتخابية العراقية المستقلة والتي سميت فيما بعد بالمفوضية العليا المستقلة للانتخابات Independent Electoral Commussion of Iraq (IECI). انطلاقاً من ادراكها، ومن التجارب السابقة لها في الكثير من البلدان ان “المقر” الذي ستعمل فيه المفوضية وخبراء الأمم المتحدة يجب ان يكون مستقلاً ومحصنـاً طبقاً لقواعد السلامة الموضوعة لموظفي الأمم المتحدة والتي قويت بعد تفجير مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد ومقتل رئيس البعثة (سيرجيو دي ميليو) ما دفعها الى سحب بعثتها من بغداد في ذلك الوقت.

          ولأن سلطة الأئتلاف المؤقتة كانت قد اصدرت في حزيران 2003 امر برقم 9 نص على ان ادارة واستعمال الممتلكات العامة وبموجب القوانين واعراف الحرب ستكون تحت سلطة الأئتلاف Coalation Provisional Authority (CPA) ولها الصلاحية لأستعمال الممتلكات العامة نيابة عن الشعب العراقي ، لذا كان على بعثة الأمم المتحدة الاتصال بتلك الادارة المؤقتة للحصول على المقر.

ظ        وقع الخيار على العقار الموصوف “البناية ذات الثلاثة طوابق” ومساحتها بحدود 10 الاف متر مربع واضبارتها مرقمة (FM01213) لتصبح المقر الدائم للمفوضية العليا المستقلة للأنتخابات.

ظ        في كتاب اصدره الكابتن في بحرية الولايات المتحدة (المارينز) ستيفان دبليو. بارتليت المسؤول عن العقارات العامة في العراق وبتاريخ 26/ حزيران – يونيو /2004 اشار فيه الى انه تم منح حق استعمال البناية المذكورة من قبل المفوضية العليا المستقلة للأنتخابات وبناء على كتاب تسلمه من المنظمة المذكورة والمؤيد من قبل السيدة كارينا بيريللي رئيسة وحدة المساعدات الأنتخابية في الأمم المتحدة.

          جاء في الاتفاق المعقود بين الطرفين ان سلطة الأئتلاف المؤقتة غير مسؤولة عن الاحداث والمخاطر التي قد تحصل عن السكن او التصليح ذلك لان هذه البناية كانت هدفاً عسكرياً اثناء ظروف الحرب.

          ابلغت كارينا بيريللي مجلس المفوضين حصولها على البناية المذكورة في الوقت الذي كانت طواقم المفوضية تعمل من مكان ضيق جداً بقصر المؤتمرات الذي كان يعج بالدوائر والمؤسسات الاجنبية وغيرها التي لم نكن نعرف من هي وأي ريح أتت بها الى هذا البلد.

في اليوم التالي وقبل يوم السفر الى الديار المكسيكية، قمت مع بعض اعضاء مجلس المفوضين بزيارة مبنى المفوضية الجديد والمهلهل وكان معنا في هذه الزيارة السيد جاريت بلانك من منظمة ايفيس الأمريكية والمنقول للعمل في المفوضية بعد عمله في سلطة الأئتلاف المؤقتة التي ستسلم سلطاتها الى حكومة عراقية انتقالية برئاسة الدكتور اياد علاوي.

واعطى الانطباع الاول لمبنى المفوضية الجديد ولا سيما من الداخل ضرورة اجراء تغييرات على كل شيء (وهذا امر سهل) اما البناء الخارجي فلم يكن قديماً بل مبنياً من الطابوق الاصفر الجميل  ويحتاج فقط الى لمسات معمارية بسيطة ليصبح احد اجمل المقرات الحكومية في المنطقة.

الوان زاهية

 علمت فيما بعد ان هذه البناية شيدت اصلاً لتكون مقراً لجريدة “الثورة” الناطقة باسم حزب البعث العربي الأشتراكي، ولكن حسين كامل صهر الرئيس العراقي صدام حسين سيطر عليها وجعلها احدى دوائر الأنتاج الحربي… حيث يجد المرء في الطابق الأرضي صالة واسعة جداً عمد حسين كامل عندما كان مسؤولاً عن انتاج اسلحة الحرب العراقية لتكون متحفاً او معرضاً لتلك الأسلحة وقد وجدت شخصياً في أحد اركان تلك الصالة التي اصبحت فيما بعد “مركز العد والتدوين (الاصوات) Tally Center” بعض الكتب المطبوعة بالألوان الزاهية وعلى ورق فاخر وفيها صور للأسلحة العراقية (!!) والتي كانت عبارة عن مسدسات توكاريف الروسية او بيريتا الأيطالية وقد ابدلت الاسماء الأجنبية باسماء عربية (طارق مثلاً)، ورشاشات كلاشينكوف الروسية ولكن بأسم جديد.

          اثناء تجوالي مع الزملاء اعضاء المجلس وفتح ابواب المخازن الموصدة والمملوءة بكميات هائلة من الأثاث القديم جداً والمتعفن وقع نظري على اكياس عديدة مملوءة بكتب من نوع واحد وعند امعاني النظر فيها وجدت أنَّ الأكياس تحتوي على رواية الرئيس العراقي السابق صدام حسين الثانية المسماة القلعة الحصينة.. دفع حبي لتملك الكتب الى اخذ نسخة من هذه الرواية التي طبل لها الكثير من اجهزة الأعلام العراقية واسبغت عليها الصحف العراقية كما الاولى (زبيبة والملك) صفات العبقرية والفرادة.

          ورغم ان هذه الرواية التي جاءت بـ713 صفحة وطبعت بدار الحرية معروف كاتبها وهو صدام حسين الا ان المؤلف استبدله على الغلاف “برواية لكاتبها” بقصد التجهيل الذي كان هدفه المبالغة في الأيضاح.

          ولقيت هذه الرواية، التي كانت الاف النسخ منها متعفنة ومرمية في المخازن، وقت صدورها ما لقيته سابقتها، ففاضت المقالات والبحوث تتنافس على نشرها الصفحات الثقافية في صحف بغداد، فيما نشط اتحاد الأدباء في العاصمة والمحافظات في اقامة الندوات التي تسبغ العبقرية على “الكاتب النجيب” و”الأديب الغيور” عند عودتي الى المقر المؤقت للمفوضية في قصر المؤتمرات وانا احمل معي كتابين من الحقبة السابقة الأول حول اسلحة القتل والدمار واخر يتناول تفكير الرئيس السابق عام 2001  من خلال كتابه القلعة الحصينة، عقد مجلس المفوضين اجتماعاً تقييمياً سريعاً لبحث حالة هذه البناية الخربة وكيفية ترميمها لتكون صالحة للعمل.

مشاركة