غير المستحَب قولاً.. والمبغوض فعلاً –  فؤاد مطر

491

غير المستحَب قولاً.. والمبغوض فعلاً –  فؤاد مطر

ما زال الناس بأكثرية عربية- إقليمية- دولية غير مُسقطين إحتمال وقوع إحدى الضربتيْن المرجأتين: ضربة يأمر بها الرئيس ترمب وتكون في مستوى تهديداته… إلا إذا كان مسلسل العقوبات حقق الغرض، وضربة من جانب النظام الإيراني قد يتردد في توجيهها من أحد أذرعته التي يبتكر صيغ المذهبية وليس الوطنية أو المجتمعية كتسمية لها أحياناً بالأسماء وأحياناً برموز رايات هذه الأذرع المستنفَرة حيث هي في لبنان وسوريا والعراق وغزة واليمن ومعها “الفاطميون” في أفغانستان” و”الزينبيون” في باكستان.

وهذه تنتظر تبلُّغ كلمة السر لتنشط بغية تنفيذ ثأر لم يبلغ مداه رداً على إغتيال اللواء قاسم سليماني الذي أبكى رحيله المرشد علي خامنئي وتضمنت بعض مراثي روافد حرسه الثوري عبارات تجاوزت ما هو غير المستحب قولاً، وغير المسؤول… بل والمبغوض فعلاً.

ما نقصده بغير المستحَب كانت تلك العبارة التي أوردها الأمين العام ?”حزب الله” السيد حسن نصرالله في مرثاته التهديدية في سياق خطاب مبثوث عبْر بعض الفضائيات يوم الأحد 5 يناير/كانون الثاني 2020 وهي “لا يوجد أي شخص في موازاة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وإن حذاء قاسم سليماني يساوي رأس ترمب وكل القيادة الأميركية…”

ليته إكتفى بالنصف المتأني من العبارة ولم يضرم مشاعره هذا التصغير لمقامات ذات شأن على المستوى الدولي الذي لم يسبقه أحد غيره في هذا التخاطب بمن في ذلك زعيم كوريا الشمالية الذي بقي التعامل العرضلاتي (بمعنى عرض العضلات) بينه وبين الإدارة الأميركية ضمن الحدود والتهديدات الواخزة ثم وصْف ترمب للزعيم الحفيد إنه “بدين”. وحتى هذا التوصيف لم يكن من المستحبات في قاموس التخاطب بين الزعامات عموماً.

ومع أن حدة العبارة النصرالية رداً على طرف ليست جديدة على الأسلوب الذي يتميز به عموماً كلام السيد حسن في مناسبات عاشورائية أو تأبينية، إلاّ أن العبارة التي يقرن بها حذاء سليماني برأس ترمب وسائر رؤوس القيادة الأميركية كانت من النوع البالغ الخشونة والفجاجة وغير المستحَب وخصوصاً أنه أتى من رمز مثلث الصفات دينية وسياسية وحربية.

ولو أن الأمر إقتصر على إثنتيْن منها بحيث لا يشمل صفته الدينية عباءة وعمامة وثقافة، لكان ربما يبدو كلامه، وتحديداً العبارة غير المستحبة التي صدرت عنه بكثير من الحماسة، من نوع التوصيفات والعبارات الشتائمية التي يتبادلها أهل السياسة ويبرع فيها هؤلاء على “تويتراتهم” أو في مناسبة يحمل الإكتظاظ الجماهيري المعبأ صاحب الخطاب على خروج غير متأن على الأصول. وكثيراً ما حدث ذلك خصوصاً عندما لا تكون الخُطب مكتوبة وفي هذه الحال تغلُب المشاعر والتهليل الجماهيري على التأني.

وتختزن الذاكرة الكثير لزعامات وقيادات بعضها بثورية السيد حسن وأصحاب قامات ذات شأن كبير، فبنتيجة العثرات حدث نزوع نحو الرد بما هو أشد قساوة من الكلام وكان من الممكن تفاديه لو أن العقل غلب المنطق وبقي التخاطب دون خط الإهانة كالتي أوردها نصرالله في تأبينيته لمرجعيته الثورية جاعلاً حذاء قاسم سليماني أكثر أهمية من رأس ترمب وسائر كبار القوم في إدارته بجناحيْها السياسي وروافده والعسكري وتنوعاته.

قد يفترض مفترضون أن هذه النبرة الإهانية ستمر وأن ترمب سينظر إليها بروح رياضية ويعتبرها مثل بعض تغريداته التي أحدثت جراحاً معنوية لدى البعض من بني العم سام بجناحهم الديمقراطي، وهي تغريدات لو صدرت قولاً في خطاب جماهيري أو من على منبر في منتدى أو مناسبة وطنية لكانت بدت أكثر “سلاطة” من كونها وردت في كلمات عبْر “تويتر”، ولما كان لها سوى رد الفعل الذي يصدر عن هازئين. لكن الأمر مختلف هنا.

فما يحدث بين سياسيي البلد الواحد لا يستوقف المُساء إليهم مثل الذي يأتي من طرف خارجي وخصوصاً في صيغة توصيفات كتلك التي صدرت عن نصرالله وتندرج كما إحراق العَلَم الأميركي في مناسبات إحتجاجية خارجية ضمن غير المستحب قولاً والمبغوض فعلاً.

بل إن الإهانة الكلامية وكذلك إحراق العَلَم يندرجان عموماً تحت بند الإهانة الوطنية المتمثلة برئيس البلاد وعَلَم الوطن، ويتسبب كل منهما بنوع من الإنفعال القابل للإنفجار وإتخاذ خطوة ولو بعد حين تصل إلى الدرجة الأعلى في سُلَّم الإنتقام. وهنا نستحضر من باب التأكيد على ذلك تلك الإهانة المماثلة من حيث المضمون وليس من حيث الشكل، التي صدرت عن الرئيس صدَّام حسين في حق الرئيس الأسبق جورج بوش الأب، ذلك أن الرئيس الراحل إعداماً شنقاً بفعل عراقي- أميركي مشترَك، رأى في لحظة معاناة من الحصار المفروض عليه توجيه لكمة فنية إلى الرئيس الأميركي كون أي لكمة عدا ذلك ليست متيسرة أو إنه لا يريدها مكتفياً بالرمزية التي جاءت عبارة عن إعداد رسم سيراميكي- موزاييكي لوجه الرئيس بوش ووضْع هذا العمل الفني الذي طالما يبرع فنانون عراقيون تشكيليون وخزَّافون ومثَّالون في إنجاز مثل هذا العمل بأتقن نتيجة، على عتبة باب الدخول إلى بهو “فندق الرشيد” الأكثر شهرة بين فنادق العاصمة العراقية والذي يحل فيه المسؤولون العرب والأجانب عند زيارتهم العراق.

هذه الفكرة غير المستحبة من حيث المبدأ وخارج فضاء أصول التخاطب والخصومة بين الحكام، كان الغرض منها أن يدوس كل من يدخل “فندق الرشيد” مسؤولاً كان أو مواطناً عادياً أو صحافياً أجنبياً على الرسم السيراميكي الموزاييكي، ولا مفر من ذلك لأن المدخل رئيسي وأن المدخل الآخر الخالي من هذا الرسم جانبي وهو لمن يريد الذهاب إلى حمام السباحة أو مزاولة رياضة “لعبة التنس” والتمشي في حديقة الفندق.

إنقضى عهد بوش الأب وبقي الرسم السيراميكي الإستفزازي على حاله وفي مكانه “الإستراتيجي”.

 لا الرئيس صدَّام يزيله ولا رئيسا أميركا بعد بوش الأب يطلبان الإزالة كي لا يبقى الدوس عليه.. وأحياناً أكثر من مرة في اليوم الواحد.  ففي عهد الرئيس بيل كلينتون لم تتم إزالة هذا “العمل الفني المقيت”. كما بقي بعدما إنتهت الولاية الرئاسية وحل بوش الإبن محل كلينتون ومن دون الإزالة تلك. وخلال العهود الرئاسية الثلاثة تكاثر زوار العراق وعشرات المراسلين الأميركان والأجانب الذين إزدادت رحلاتهم إلى بغداد بسبب أجواء الأزمة المرشحة إلى حرب، وهذه حدثت لاحقاً بعد الغزوة الصدَّامية للكويت ومفاعيل هذا العمل المكروه.

ورغم المشاعر الناشئة في نفس كل من هؤلاء فإنه كان يدخل الفندق دائساً الرسم ويخرج دائساً. ومن هؤلاء أحمد بن بيللا وهانزبليكس رئيس فريق المفتشين الدوليين وعمرو موسى كأمين عام للجامعة العربية وعصمت عبد المجيد الأمين العام السابق للجامعة وعلي عثمان طه النائب الأول للرئيس (المعزول) عمر البشير ورمزي كلارك وزير العدل الأميركي السابق ومحمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

 شخصياً كنت واحداً من زوار بغداد والإقامة في الفندق إياه. وحيث أن علاقة على درجة من التميز ربطتني بالرئيس صدَّام بفعل حوارات على مراحل معه ولم يتبرم من أسئلة طرحتْها عليه، فإنني في أحد اللقاءات لاحظتُ في رده على سؤالي في شأن هذا الرسم المهين رغبة منه لإزالة هذه “الندبة” لكنه على ما إستتنتجتُ من رده على سؤال من جانبي في هذا الشأن كان يتوقع طلباً بالإزالة من إدارة الرئيس كلينتون ثم من إدارة الرئيس بوش الإبن. لكن الأول “الديمقراطي” كان على ما يبدو شامتاً بسلفه جورج بوش الأب “الجمهوري” وغير معترض ضمناً على ما فعله سيراميكياً به صدَّام حسين، وأن “الجمهوري” جورج بوش الإبن لم يقم بواجب إزالة الندبة لأنه في صدد إنجاز النصف المتبقي من الضربة الماحقة للنظام الصدَّامي بعدما أنجز والده النصف الأول… إنما ليس واضحاً عما إذا كان فعل ذلك ثأراً لكرامة الوالد أو لأنه متطلع إلى أن يقال عنه إنه الإبن “الشبل” من ذاك الأب “الأسد”. وما حدث وما زال للعراق وفي طول بلاد الرافديْن وعرضها وكذلك في ديار الأمتيْن يعكس حقيقة أن إنعدام الرأي والتشاور يتسبب في عدم ترْك اللسان يطْلق للمخيلة من أساليب الكيد ما هو مبغوض فعلاً مثل “إستعذاب” إحراق العَلَم الأميركي أو على نحو ما فعله صدَّام حسين مع السيراميكية البوشية قبل أربعة عقود وما هو غير مستحَب قولاً وعلى نحو عبارة نصرالله. وفي الحالتيْن يكون “المستهدَف” جمهورياً ويكون الحذاء إحدى مفردات عبارة التخاطب. معاذ الله من هكذا سلوك في أدبيات السياسة.

مشاركة