غياب هويتنا.. وصحن الكشري

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

المصريون‭ ‬يجيدون‭ ‬تسويق‭ ‬منتجاتهم‭ ‬عالمياً،‭ ‬وهنيئاً‭ ‬لهم‭ ‬هذا‭ ‬النجاح،‭ ‬وكما‭ ‬انّ‭ ‬بلادهم‭ ‬وجهة‭ ‬سياحية‭ ‬ذات‭ ‬شأن‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬نراهم‭ ‬اليوم‭ ‬يحسنون‭ ‬تسويق‭ ‬صحن‭ ‬شعبي‭ ‬من‭ ‬صحون‭ ‬موائدهم‭ ‬العادية‭ ‬البسيطة‭ ‬وهو‭ ‬الكشري‭ ‬ليلتحق‭ ‬بالقائمة‭ ‬الخاصة‭ ‬بالتراث‭ ‬الثقافي‭ ‬العالمي‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الامر‭ ‬مفهوماً‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬البشت§‭ ‬الخليجي‭ ‬الى‭ ‬القائمة‭ ‬العالمية‭ ‬لليونسكو‭ ‬بسبب‭ ‬المكانة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬لتلك‭ ‬البلدان،‭ ‬فإنّ‭ ‬المصريين‭ ‬وصلوا‭ ‬الى‭ ‬القائمة‭ ‬عبر‭ ‬عمق‭ ‬الموروث‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والغذائي‭ ‬لشعب‭ ‬ضارب‭ ‬في‭ ‬العراقة‭.‬

العراق،‭ ‬له‭ ‬حكاية‭ ‬تاريخية‭ ‬موازية‭ ‬ومتفوقة‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الزمن،‭ ‬لكنّها‭ ‬مهملة‭ ‬في‭ ‬المضمار‭ ‬الرسمي‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬شؤون‭ ‬الثقافة‭ ‬وربّما‭ ‬جهلهم‭ ‬وعدم‭ ‬اهتمامهم‭ ‬بالأساسيات‭ ‬الوطنية‭ ‬الثقافية‭ ‬واغراقهم‭ ‬في‭ ‬هامشيات‭ ‬يصب‭ ‬معظمها‭ ‬في‭ ‬محصلاتهم‭ ‬الشخصية‭.‬

العراق‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الثقافي‭ ‬والشعبي‭ ‬الكثير‭ ‬المؤهل‭ ‬ليكون‭ ‬محل‭ ‬التقدير‭ ‬العالمي‭ ‬لو‭ ‬تهيأ‭ ‬له‭ ‬مسؤولون‭ ‬يعرفون‭ ‬كيف‭ ‬يسوقون‭ ‬بروح‭ ‬التفاني‭ ‬الوطني‭ ‬ويجوبون‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الترويج‭ ‬للمنتج‭ ‬الثقافي‭ ‬والموروث‭ ‬الشعبي‭ ‬والمكاسب‭ ‬التاريخية‭ ‬المتراكمة،‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬يفعلون‭ ‬في‭ ‬ايفادات‭ ‬لا‭ ‬تعد‭ ‬ولا‭ ‬تحصى‭ ‬تثقل‭ ‬موازنة‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حصيلة‭ ‬تذكر‭. ‬

الذي‭ ‬يزيد‭ ‬الطين‭ ‬بلة”،‭ ‬هو‭ ‬انّ‭ ‬وزارة‭ ‬الثقافة‭ ‬مقترنة‭ ‬بالسياحة‭ ‬والاثار،‭ ‬وهما‭ ‬جانبان‭ ‬تخصصيان‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلالهما‭ ‬ان‭ ‬يبرز‭ ‬اسم‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬الافاق‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مشرق،‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬حقب‭ ‬الحرب‭ ‬والغياب،‭ ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬النتيجة‭ ‬هي‭ ‬تكريس‭ ‬الغياب‭.‬

صحن‭ ‬الكشري”،‭ ‬جرى‭ ‬تسويقه‭ ‬على‭ ‬أنه‭  ‬عنوان‭ ‬لهوية‭ ‬ومتصل‭ ‬بجذور‭ ‬تاريخية‭ ‬وعلامة‭ ‬لثقافة‭ ‬شعب،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نرى‭ ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬دعوات‭ ‬لفصل‭ ‬الهوية‭ ‬عن‭ ‬محيطها‭ ‬وتحوير‭ ‬نسب‭ ‬الجذور‭ ‬التاريخية‭ ‬بما‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬مجاري‭ ‬السياسيين‭ ‬وأهدافهم،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬جهل‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬الثقافة‭ ‬والسياحة‭ ‬بمقومات‭ ‬خدمة‭ ‬البلد‭.‬

‭ ‬بعد‭ ‬انطلاق‭ ‬المتحف‭ ‬المصري‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬سنوات‭ ‬الاعداد‭ ‬له‭ ‬مرئية‭ ‬من‭ ‬المعنيين‭ ‬بالثقافة‭ ‬والمتحالف،‭ ‬تساءل‭ ‬العراقيون‭ ‬بحرقة‭ ‬وألم،‭ ‬أين‭ ‬تذهب‭ ‬موازنات‭ ‬كاملة‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬نجاحات‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬استحداث‭ ‬المتحف‭ ‬العراقي‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬القطع‭ ‬الاصلية‭ ‬والمستنسخة‭ ‬والمحفوظة‭ ‬رقميا،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬انجاز‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬العراق‭ ‬عاليا‭ ‬ويجلب‭ ‬له‭ ‬المداخيل‭ ‬السياحية؟

‭ ‬ولعل‭ ‬الصرف‭ ‬السخي‭ ‬لو‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار‭ ‬لكان‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬صدى‭ ‬استثماري‭ ‬مع‭ ‬عائدات‭ ‬مالية‭ ‬تغني‭ ‬البلد‭.‬

الثقافة‭ ‬والسياحة‭ ‬والاثار‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬مسؤولية‭ ‬دولة‭ ‬كاملة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تترك‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬المحاصصة‭ ‬المتسخة‭.‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية

‭ ‬