غواية النص ولعبة إستكشاف الذات

487

رواية بحر أزرق قمر أبيض للكاتب حسن البحّار

 

غواية النص ولعبة إستكشاف الذات

 

عقيل هاشم

 

(النص الفائز بجائزة أدب الرحلات للعام2014)

 

أدب الرحلات: جنس أدبي يعنى بالكتابة القصصية  التسجيلية يعتمد الوصف والذي تتميز موضوعاتها عن الرحلات في سرد الأحداث والقدرة على جذب المتلقي. وتبتعد عن الأسلوب الخيالي وتقترب من الواقع إن كانت في البر أو البحر ..الخ.

 

((لعل فعل الزمن المضمر يكتبه الإنسان المحكوم بأزمنته (وليس بزمنه) تعتقه من ذلك الكتابة وحدها حتى في ربطه بين ماضيه وحاضره في لحظتها الهشة- أو التي تبدو كذلك- فلا هو يبلغ السماء ولا يحط على الأرض.))

 

تمهيد: هذا النص عبارة عن نص  سير ذاتي يكشف رحلة اكتشاف هي لحظة معرفة الذات وتعريتها ومحاورتها. النص ليس مجرد سرد لأحداث وقعت بالفعل بل هو محاولة لفهم هذه الأحداث وترتيب التفاصيل في نسق يكشف طبيعة الذات الكاتبة. الكتابة في حد ذاتها هي تعرف الذات على الذات من خلال الرؤية المعيارية التي تنتقي أحداثا متنوعة من تجارب المؤلف ذاته, هي رؤية ذاتية تسعي إلى الانفتاح على وعي الآخر والالتحام به, السيرة الذاتية لا تعني أن يقوم شخص بكتابة حياته بتسلسل زمني منطقي بقدر قيامه بكتابة:اته. فالذات في الأصل متشرذمة، متفتتة ومفككة تحمل في طياتها مساحات صمت وشروحا. وهذه المشاكل الوجودية  يتم اكتشافها والتعبير عنها بكتابة سيرة ذاتية، والسيرة الذاتية الأدبية تأخذ – منطقيا – شكلا روائيا بمعنى حدث كذا ثم كذا. ولكن أثناء تبلور هذا الشكل الروائي يكون الكاتب على وعي تام بالتفتت الداخلي للذات والذي ينعكس في السلوك الخارجي. وبذلك تتحول كتابة السيرة إلى وسيلة لإضفاء التماسك واكتساب هوية محددة للذات. أي أن الذات ليست متوحدة وساكنة طوال الوقت بل هي متفتتة، متعددة ولا زمنية..

 

قدمت للرواية ..ا.د.تيماء العلوي(المغرب) …((هذه الرحلة (بحر ازرق ,قمر ابيض )الحالمة المثيرة التي تبحر بنا من عالم الواقع إلى عالم الخيال .ومن عالم البحر إلى عالم الأدب.لايريد الكاتب فيها أن يكون مثقفا سكونيا بل أراد أن يكون دائم الترحال والتنقل والتحولات باحثا في نجوى  هذا العالم عن السمو,قد تكون الرحلة استكشافية وقد تكون تجارية وقد تكون علمية وقد تكون للنزهة ويمكن ان تكون واقعية وقد يعتريها الخيال ..))

 

المؤلف:..(في تلك الحقبة من حياتي وقبل ان يحدث أي شيء ماكنت لأعرف معنى الإحساس بالوقت ولا التوحد في البعد ,كنت بالكاد أغفو مع وسادة أيامي استيقظ كسولا ناعس العينين ,على شباكي تتزاحم ألوان الصباح ,يسرقني الوقت واسرقه ,لاتسكنني الرهبة عند الرغبة الجامحة في الحاجة إلى القفز..)ص15

 

هكذا افتتح الكاتب روايته، وهكذا جازف بمغامرته ليجعلنا نشاركه همومه. لكنه لم يخطئ لأنه لم يسقط من يديه الحبل السري الذي يربط الكتابة بالحياة ويربط الحياة بجمال الطبيعة  عبر الأزمنة الإنسانية المتواصلة..

 

1-العتبة النصية :

 

يتشكل عنوان الرواية من مركب اسمين معرفين بدلالتهما اللونية والسيمائية. وكان لهذا المركب بحكم علاقة الإضافة أن يحيل على شيء معلوم الدلالة بشكل محدد لولا فجوة التركيب البلاغي التي ولدها الانزياح اللغوي الناتج عن الجمع بين شيئين مختلفي الطبيعة المكانية لكل منهما ولكنهما يشتركان بإبعاد نفسية ، مما سيغلف العنوان ببعد دلالي يجعله ملائم لأن يكون مفتاحا لفهم الرواية. إن علاقة التضمن المتبادل ما بين العنوان ونص الرواية يهيء لنا أفقا لفهم تلازم مفردتي(البحر/القمر) ودلالتهما اللونية ,ربما هي دلالة الرحلة والمخاطر أمام الرومانسية والقصاص ..كما جاء في الاساطيراليونانية  ليلة اكتمال القمر..ما يمتلكه النص  من معطيات على مستوى القوة الدلالية والتداولية للنص.جعل المؤلف أن يتعكز أساسا على عتبة العنوان الى جانب تناول بعض عناصر المحفل الحكائي (المسرود، السارد، الشخصيات)، إلا إن ما أبغي لفت النظر بدءا إليه يتلخص في التركيز على دراسة نص الرواية،وإعطاء الأولوية للتحليل النصي يعني بالنتيجة إمكانية استثماره سيمائيا وقد عبر الكاتب “حسن البحار” عن انتقال ذات المؤلف  إلى وضعية القارئ العليم لنصه، ربما تعكس رغبته في تجنب التدخل المباشر في الجهد التأويلي للقارئ- مهما كان نوعه- بعدم اختيار الأسلوب التقريري إلا إنها تظل معطى من معطيات التأويل المحلي يؤشر على أشياء شتى منها التأكيد من الناحية النوعية على أدبية النص الذي يتهيأ القارئ لمواجهته..

 

(في الصباح كان الجو باردا شبه غائم ..وأنا اعرف مايفعل هذا الجو في هكذا مدن تقع على البحر فالغيوم تأتي فجأة تحجب الشمس وتمطر بغته ..بالفعل لم تمض حوالي الساعة تقريبا حتى أنزلت السماء من غيومها السوداء جيشا عرمرما من الأمطار ..).ص61

 

2- التناظر السردي:

 

تقوم بنية السرد على الربط بين محكيات البحر والموانئ، اختار السارد عرضها بأسلوب التناوب  بحيث يقدم جزءا من المحكي، ثم يوقفه لعرض جزء آخرعن علاقاته العاطفية مع البطلة (ريتا). وهذا ما يطلق عليه تودروف بالتفتيت المؤقت للإحداث الذي يتم به زخرفة نظامها التتابعي. ويجمع المتن الحكائي بين ثلاثة خيوط سردية. يمثل كل واحد منها مسار شخصية من شخصياتها الرئيسية(البطل /ريتا/البحر).والذي يبدأ بدورة تبدأ ولاتنتهي من لحظة تغربه  من مدينته المهمشة إلى عوالم الأحلام  إلى أن يقع في أسر البحر  ويرحل إلى الضفة الأخرى من البحر إلى البحث عن الحبيبة الأسطورية حيث جمال جغرافية الأمكنة والنساء, وهذه المحكيات الرئيسة قائمة على الاسترجاع، ماضيه من تجربة عاشرها ايام الصبا  ذاكرة مؤلمة قد عنف لحظتها والتي دفعته الى التفكير بالابتعاد عن عالم الناس والذهاب الى أي مكان ليجرب حريته ونزواته وفي لحظة من استرجاعه لهذا الماضي ستظهر صور متناوبة ومقارنة لما يجري له في الحاضر…

 

(دخلت بلا أمري في حالة بين الصحو والتيهان …بدا رحيق الحب مرا على شفتي التي كانت في اشتياق للأرض والشجر ولوجهها الشاحب عند وجهي من ريتا الاسم الذي طالما بحثت عنه في قواميس الأسماء ,تلك علمتني كيف اضحك وأنا أتسلق التلة مثل الأطفال أكركر ,ارسم القمر الأبيض أمام أعين الناظرين ..)..ص81

 

3- السرد ألعجائبي:

 

 سارد الحكي  يتكلم بضمير المخاطب ، ليقدم حكايته والتي تقوم في بنيتها العميقة على علاقة بين شخصين  رئيسين (السارد/ريتا) فيتعزز بذلك نسق التحفيز القائم على التناظر بينما وتجربتهما المريرة بعد ذلك  التي يجليها الأثر الجسدي العنيف بالرغم من الصوت المركزي الذي يمارس وظيفة الفعل(البطل) من حيث هو شخصية من شخصيات الرواية أيضا ، كما يضطلع بوظيفة التصوير، باعتباره ساردا، سواء لما يتصل بمحكيه الذي عمل فيه على تأجيل لحظة سرد الحدث المؤثر في مساره ككل،بافتراضات يسعى بها إلى بناء الحقيقة، إذ حاول أن يطابق بين ما يوجد بين يديه من معطيات تضمها وثائق من الحقيقة انطلاقا من تجربته الخاصة تجعله في موقع القارئ الفعلي.. (في ذلك السكون الذي طل على حنيني,أودعت راسي خاشعا صادقا تحت المد السماوي ,انتظر مستلقيا على ظهري حتى صرت والموجة العالية وصلا لاعناقا ,رأيت الأفق خيمة ساكنة صافية بلونها الأزرق..)..ص105

 

رغم تنوع أنماط السرد، فإذا كان السرد الواقعي هو المهيمن على جل المحكيات، فقد تم توظيف السرد ألعجائبي عند تفسير حالات قابلة للتحليل النفسي ( الجنس). وهكذا فهو يؤول كل المواقف الفردية بوصفها ردود فعل تعويضية على مشاعر بالدونية عاشها في أيام الصبا ومن الطبيعي ان تتولد عنده حساسية خاصة تجاه المتسبب في توليد هذا النقص،وقد يفسر انعدام موضوعيته بكون مركب النقص يمتص الطاقات النفسية، ويحول توجيهها من الوعي، مما يولد سلوكات غير منضبطة; كالاضطراب في المواقف النفسية، التي تنشط فيها المحتويات الانفعالية،وتظل تتشكل الحواس في الرواية لعبة فنية، وهي بتناظرها تصبح مجازا، أكثر منها حقيقة. حواس خادعة، او هي بالأدق المدخل إلى الخدع للحصول على مايريده القبطان من غنائم ، والطريق إلى تحقيق الخديعة رغم تعلقه ببطلة الرواية (ريتا) الأمل المنشود. (الظنون تتراقص الليل وأنا وحيد استغيث من صراخ الأمنيات المتاججة في داخلي مثل فتى صغير في مكان ليس مكانه يجوع ويقاوم ويعطش ويقاوم ويريد ولا يقول مايريد..)..ص126

 

وأخيرا أقول: هذه رواية تؤكد لنا الوعي بفعل الكتابة وتجذبنا إلى سحره حتى نفتح به ثغرات كثيرة ملغزة، تسجل عناصر الرحلة و المعرفة والجمال وتفتح أمامنا حدود التجربة اللامتناهية. غربة النفس عن محطاتها، في زمن الكتابة (الكاتب وحده الغريب)، لأن الزمن لا يقبل بالسكون رغم انه مكون من حلقات، بينها محطات لكنها ليست للاستراحة (لاحظ إن فعل الكتابة هو الوحيد المتأمل والذي يقف والزمن مسترسلٌ) هل فعل الكتابة هو الفعل المعذب، الذي لا ينأى بصاحبه عن عذاب التجربة حتى يرجعه إليها في تجربة الخيال، وفي تجارب غيره – عبر الأزمنة- وليبقى فعل الكتابة هو الوحيد الذي تخلقه الرغبة ويثريه الخيال والوجدان ويسحبه الواقع إلى طياته المعقدة..

 

مشاركة