غلو الشرف – لطيف دلو        

غلو الشرف – لطيف دلو

في الستينات من القرن المنصرف كنت اتابع بشغف إذاعة لندن باللغة العربية  بقدر مايسمح لي الوقت لما كانت تبث خلالها برامج ثقافية واجتماعية وعلمية واقتصادية وصحية شيقة منها قول على قول والسياسة بين السائل والمجيب ولكل سؤال جواب ومسلسلات قصصية ومن ابرز برامجها ندوة المستمعين بمشاركة عدة مذيعين يقرؤن رسائل المستمعين كانهم هم المتواجدين في صالة البث ومن اغرب ما سمعت من رسالة احد المستمعين من المغرب فهي من عجب العجاب ان تنتقل او تقطع حكاية الاف الكيلومترات من كوردستان لتصل الى المغرب او قاص او روائي يؤلف حكاية بنفس الفكرة روحا وقالبا وقلبا كما سمعتها في الخمسينيات من الحكواتيين المعمرين لدينا في ذلك الحين بفارق بسيط في اطالة الحكاية وليس في جوهرها وهي _

عن طريق الصدفة ترافق ثلاثة فطاحلة الحياة وهم المال والعلم والشرف في سفرة في قطار العمر وفي مقصورة واحدة الى مدينة الرشد فقضوا ليلة سفرهم في سوالف وحكايات وروايات ما اروعها في الحياة البشرية وعند وصول القطار الى مشارف المدينة ارادوا ان يعرف كل منهم عنوان الاخر ليلتقوا ثانية اعتزازا بصداقتهم المليئة بالعز والفخر ، فاشار المال من خلال نافذة القطار الى بناية تعلوا المدينة جميعها وقال انا اسكن في اعالى تلك البناية فبامكانكم زيارتي متى تشاؤن وانا والساكنين في البناية في خدمتكم وتلاه العلم بفخر وقال انا قائم على عرش تلك الجامعة علمها ورمزها يرفرف على المدينة ، فمن منكم يزورني انا ومن في الجامعة في خدمته متى تشاؤن ، فالتفتا الى الشرف ليسمعا محل اقامته وجداه غارقا في الدموع يبكي ويشهق وسألاه عن محنته وقال لهما آسفا ، انا اختلف عنكما إذا غادرت احدا لم ولن اعود إليه ابدا ، نعم هذه هي نهاية الحكاية ، يا محلى لمن ياخذ العبرة منها .

فالشرف ليس صفة مختصة بحالة معينة للشخص ، فعديم الشرف هو كل من يسيء بالخلق وبالشريعة الالهية ومن يخون الوطن والامة والدستور والقانون ومن يستغل المنصب والوظيفة لاخذ الرشاوي وسرقة المال العام ومن لايقوم باداء الواجب المكلف به باكمل وجه في خدمة الشعب ومن يخون مهنته ومن يرتزق على الام واوجاع المرضى والفقراء بالاحتيال في المعاينة والادوية المغشوشة والغاشين في التجارة ومن يستغل حاجة الناس في غلاء الاسعار وامثال اخرى لا تخفى عن الانسان اليوم إلا المستغفلين وهم في الدرك الاسفل منه .

فالشرف هو الكرامة والعزة والمرؤة والسيادة ، وبدونه يصبح الانسان هشيما مهما امتلك من المال والجاه المصطنع والحكاية تلك اوجدت غلو الشرف بين المال والعلم فالاخيرين قابلان للرحيل والانتقال إلا الاول فإذا غادر لا عودة له ولذلك نسمع عنه عبر الاثير وعن افواه الناس عن بعد الاف ولربما ملايين الكيلومترات تضرب به الامثال في المجتمعات المحافظة .

مشاركة