غلق المجال الجوي العراقي وانطلاق انتخابات تشريعية مبكرة بدون أمل كبير في التغيير

 

بغداد-(أ ف ب) – بدأ التصويت الأحد في انتخابات نيابية مبكرة في العراق، تقدمها السلطة على أنها تنازل لحركة احتجاجية غير مسبوقة، لكن الفساد المزمن وسطوة الفصائل المسلحة تضعف آمال الناخبين بإمكانية أن يحقق هذا الاستحقاق تغييراً ملموساً.

وفي أحد أحياء وسط العاصمة بغداد، شاهد صحافي في وكالة فرانس برس انطلاق عملية التصويت في إحدى المدارس عند السابعة صباحاً (4,00 ت غ)، لكن عدد الناخبين كان قليلاً.

ويفترض إغلاق صناديق الاقتراع عند السادسة مساء (15,00 ت غ)، في حال لم يجر تمديد عمليات التصويت التي يشارك مراقبون دوليون من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في مراقبتها.

واتخذت اجراءات أمنية مشددة حيث تم نشر عدد كبير من القوات الأمنية في العاصمة وعند مداخل مراكز الاقتراع، فيما يجري تفتيش الناخبين الوافدين مرتين قبل دخولهم، كما شاهد صحافي في فرانس برس. وعلى طرقات وأرصفة العاصمة، انتشر عناصر شرطة وعسكريون. وفتحت متاجر البقالة والمخابز أبوابها، لكن غالبية المتاجر الأخرى ظلّت مغلقة ضمن اجراءات أمنية.

وأغلقت المطارات العراقية كذلك اعتباراً من الساعة 21,00 وحتى الساعة 6,00 صباح الاثنين، فضلاً عن المنافذ البرية ومداخل المحافظات. كما أغلقت المطاعم والمراكز التجارية.

رغم رغبته بالتصويت، لم يتمكن محمد البالغ 23 عاماً، من العودة إلى مسقط رأسه في واسط شرقاً، بسبب تلك الاجراءات.

وقال لفرانس برس من أمام مركز اقتراع حيث كانت مجموعة من الشبان يلعبون كرة القدم “أنا أؤيد الانتخاب من أجل تغيير الوضع السياسي والفساد المالي والإداري وغياب فرص العمل” لكن “لن أتمكن من التصويت لأن منطقتي بعيدة”. ويضيف “أنا خريج جامعي، لكنني أعمل بتنظيف الحمامات في أحد المطاعم، لو أنني بدولة أخرى ما كان ذلك ليحصل”.

منذ بدء التصويت صباحاً، أدلى رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بصوته أمام عدسات الكاميرا في أحد مراكز الاقتراع في المنطقة الخضراء في بغداد، وكذلك فعل رئيس الجمهورية برهم صالح.

وقال الكاظمي بعد التصويت للعراقيين “انتخبوا، يجب أن نشارك جميعاً في تغيير الواقع من أجل العراق”.

ويتوقع مراقبون أن تكون نسبة المشاركة ضئيلة. وحتى ساعات الصباح الأولى كان عدد الناخبين لا يزال قليلاً في العاصمة.

وتمت الدعوة لهذه الانتخابات التي كانت مقررة عام 2022، بهدف تهدئة غضب الشارع بعد الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في خريف العام 2019 ضد الفساد وتراجع الخدمات العامة والتدهور الاقتصادي.

تراجعت الاحتجاجات مذاك على وقع قمع دموي أسفر عن مقتل نحو 600 شخص وإصابة أكثر من 30 ألفاً بجروح. وخلال الأشهر الماضية، تعرض عشرات الناشطين للخطف والاغتيال أو محاولة الاغتيال، ونسبوا ذلك إلى فصائل مسلحة موالية لإيران.

واختار ناشطون وأحزاب منبثقة عن التظاهرات مقاطعة الانتخابات معتبرين أنها تجري في مناخ غير ديموقراطي.

أعرب محمد قاسم العامل اليومي البالغ 45 عاماً عن عدم رغبته في التصويت إذ “سوف تعيد هذه الانتخابات القوى نفسها التي تظاهر الشعب العراقي ضدها”.

وأضاف “ليس لدينا كهرباء ولا مواصلات ولا قطاع عام ولا خدمات ووزارة الصحة بائسة رغم أن العراق أغنى دولة في المنطقة”.

– “ضغط وترهيب وتهديد” –

ويُتوقع أن تحافظ التكتلات التقليدية على هيمنتها في البرلمان الجديد، الذي يتوقع أن يكون مقسماً، ما سيرغم الأحزاب على التحالف، كما يرى خبراء. وقد تتطلب المفاوضات اللازمة لاختيار رئيس للوزراء، يقضي العرف بأن يكون شيعياً، وقتاً طويلاً.

وفي بلد منقسم تملك غالبية الأحزاب فيه فصيلاً مسلحاً، تسري مخاوف من حصول عنف انتخابي في حال لم تتوافق النتائج مع طموحات الأطراف المشاركة.

وكتبت بعثة الأمم المتحدة في العراق في تغريدة “في يوم الانتخابات، ينبغي أن يتمتع العراقيون بالثقة للتصويت كما يشاؤون، في بيئة خالية من الضغط والترهيب والتهديد”.

ويحق لنحو 25 مليون شخص التصويت لكن المشاركة في عملية التصويت الإلكتروني والاختيار من بين أكثر من 3200 مرشحاً، تتطلب حيازة بطاقة بيومترية.

وتجري الانتخابات لاختيار 329 نائباً، وفق قانون انتخابي جديد يرفع عدد الدوائر وينص على تصويت أحادي، ما يفترض أن يعطي دفعاً للمستقلين والمرشحين المحليين.

ويتوقع أن تصدر النتائج الأولية خلال 24 ساعة من موعد إغلاق صناديق الاقتراع، بينما يستغرق إعلان النتائج الرسمية 10 أيام، وفق مفوضية الانتخابات.

ويعد التيار الصدري الأوفر حظاً، فهو يملك أصلاً الكتلة الأكبر في البرلمان السابق. ويطمح مقتدى الصدر الذي أدلى بصوته صباحاً في النجف، إلى تحقيق نتائج تتيح له التفرّد باختيار رئيس للحكومة.

لكن عليه التعامل مع خصومه الأبرز، الفصائل الموالية لإيران الساعية إلى زيادة تمثيلها في البرلمان الذي دخلته للمرة الأولى العام 2018، مدفوعةً بانتصاراتها ضد تنظيم الدولة الاسلامية.

دخلت “حركة حقوق” الجديدة، المرتبطة بكتائب حزب الله إحدى فصائل الحشد الشعبي الأكثر نفوذاً، الانتخابات أيضاً. في الأثناء، ينافس تحالف “تقدّم” برئاسة رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي بقوة في المناطق السنية.

إثر إدلائه بصوته، قال قيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق، أحد فصائل الحشد الشعبي النافذة، “نعتقد بان العراق يحتاج شخصية ذات بعد اقتصادي… وليس شخصية سياسية، باعتبار وضع المنطقة سائر باتجاه الهدوء”، مشيراً إلى الانسحاب الأميركي المقرر من العراق والمفاوضات بين السعودية وإيران.

يبقى المشهد السياسي في العراق منقسماً بشأن العديد من الملفات، انطلاقا من وجود القوات الأميركية في البلاد وصولا إلى النفوذ المتزايد للجارة إيران. ولذا، لا بد لكافة التكتلات السياسية من الاتفاق على اسم رئيس للحكومة يملك أيضاً المباركة الضمنية من طهران وواشنطن، صاحبتي النفوذ في العراق.

يرى بلال وهاب وكالفن وايلدر في تحليل نشره معهد “واشنطن إنستيتوت” للأبحاث أنه من “من المرجح أن تؤدي الانتخابات إلى قيام مجلس نواب مجزأ آخر، تعقبه مساومات فاسدة ومبهمة بين الفصائل لتشكيل الحكومة المقبلة”.

ويضيفان أن “قليلين هم من يتوقعون أن تكون هذه الانتخابات أكثر من مجرد لعبة كراسٍ موسيقية، ومن غير المرجح أن تلبّي المطالب الأساسية لـ+حركة تشرين+، وهي الحدّ من الفساد المنهجي، وتوفير فرص العمل، ومحاسبة الجماعات المسلحة”.

مشاركة