
رويدة ابراهيم
في اسطنبول. ترسو السفن في موانئ بحر ايجة وتلتحم زرقة البحر عند المغيب مع أفق السماء .. والنوارس ترحب بأجنحتها وتلقي التحية على المسافرين..وأزهار التوليب تملا الطرقات.. وانا في تجوالي بين حدائقها لانتقي بعض النباتات والورود بأشكالها المختلفة والنادرة اخذت مجموعة من العينات ومن ضمنها كان غصن من الجوري الأصفر حيث ان عطره كان يفوق الوصف …وضعتها بالقرب من نافذة غرفتي في الفندق فحان وقت العودة لم اجرؤ على حملها مع حقائب المسافرين لانها مازالت صغيرة احسست بأنها اصبحت جزءا مني لذلك وضعتها مع حقائبي اليدوية ال /hand bag. / وتحملت في سفري اعباء نقلها ، وبقيت تحمل عبق بلادها …واثناء صعودي الى الطائرة ابتسم الطيار حين رأني احملها كطفلة مدللة كانت سعادتي حقيقية حين وضعتها بالقرب من مقعدي اسفت لاني انتزعتها من بيئتها لا اعرف لماذا تعلقت مشاعري بتلك الزهرة الصغيرة وما نوع الالفة الروحية التي مدت أواصرها بيننا وما ان هبطت الطائرة في ارض الموصل حملت حقائبي بعد كل تلك الإجراءات المرهقة لي ولجوريتي الصغيرة .. استقليت سيارة اجرة دارت بي شوارع المدينة التي بدت لي تئن من ضياعها وأكوام النفايات تتربع على جانبي الرصيف …مضت السيارة حتى وصلت البيت فوضعت اصيص الوردة في ركن حديقتي التي هي محط اهتمامي وعنايتي. في بادئ الامر. استغربت الجورية الصغيرة من الجو الذي قابلها بحرارته فذبلت اول الأمر تركتها في الظل اسقط عليها بعضا من الحنان لترفع رأسها وتستكشف المكان الذي انتقلت اليه ولكنها أبت ان تموت بسبب الجو فبقيت صامدة وتشبثت بتربة بلادي فامتزجت مع روحها الصغيرة و كانها تعرفها فتشبثت بالحياة …وبرعمت اوراقها وزينت مدخل المنزل بوورودها الصفراء المخملية كانت الفراشات تطير حولها تهيم بفتنتها …. وارتمت قرب السياج لتنشر عطرها … ولكننا لم نهنأ بصحبتها لفترة طويلة ففي تلك الليلة المشؤومة التي سقطت فيها نينوى تركت منزلي وودّعت غصن الجوري وهي ايضا ودعتني بحزن عميق كاننا لن نلتقي مجددا حملت حقائبي وتركت منزلي لثلاثة سنوات متواصلة كان اشتياقي كبيرا لأعود اليها وأتنفس عبيرها الأخاذ و مضت تلك السنون وكأنها دهر كانت الشمس تداورها ما بين شروق وغروب وكذلك فعلت الفصول وبقي الحنين الى الاماسي الدافءة التي جمعتنا وياتي الخريف كل عام لينشر حزنه علينا نحن النازحين كأنه يعلن نهاية مرحلة ويؤذّن بقدوم اخر كنا أشبه بالضائعين او الضالين….
.كنت اترقب العودة الى المدينة ولكن حلم العودة كان بعيدا حتى اني أبقيت رموزا من منزلي معي المفتاح الخارجي وكنت قد علقته في البيت ألذي اجرّته ولكن بفعل الرطوبة العالية اصابه الصدأ ولم يعد يصلح لفتح الباب ولكن حين سمعت ان الأرهابين قاموا بكسر الأبواب فما عدت بحاجة الى المفتاح القديم وبقي متسمر ا في مكان تعليقه وكان اكثر شيء يؤلمني وردتي الصغيرة التي تركتها قابعة في واجهة المنزل تنتظر عودتي …..ومرت الايام و جاء اليوم المنشود حين تمّ تحرير الحي الذي يقع فيه منزلي من محتليه وكانت فرحتي كبيرة حين أرسل الجيران صورا لمنزلي ولكن تلك الفرحة احتظرت حين رأيت صور حديقة منزلي وقد ألقى غصن الجوري بنفسه على حافة الحديقة ومات عطشاً وإهمالاً وكان دجلة لم تكن قريبة منه لتروي عطشه المستمر او ان السماء لم تسمح بنزول المطر لتلقي أسباب الحياة والبقاء على اوراقها التي كانت تشغف بالحياة …لم أتمكن من توديعها بل وجدتها عبارة عن غصن يابس تحولت ورودها الى اللون البني الذابل اوراقها الذابلة جردها الموت من صيرورة البقاء ولكنها ألقت روحها واستشهدت عطشا ماتت وهي صامدة لثلاثة أعوام بقيت ترشف الماء من اعماق الارض ولكن يبدو انها استسلمت وأيقنت انها ستموت لامحال …وضعت حقيبتي جانبا نظرت اليها وانا استذكر ساعات وصولها الى موطني وسقوطها شهيدة هاهنا لقد ماتت وردتي ببساطة لانها شعرت بان لامعنى لبقائها وسط الموت الغازي من كل صوب ومن حولها يسقط الآلاف دون تراجع فمدَّ الموت ذراعيه اليها وتيبست شفاهها وتحولت اوراقها المخملية الى شكل مخيف فحملتها الرياح كما تابوت ينثر بقاياها بالقرب من دجلة الحبيبة ليكونَ قبرُها مزاراً على مجرى النهر.



















