انتصار الموت على الجريمة – فارس السردار

فارس السردار

كثيرة هي الأفكار المبهرة، في السياسة والفن والبيئة والحرب والسلم والحرية والتعلّم، كما أن طرق إيصالها إلى الناس باتت اليوم غاية في السهولة، بفضل تطوّر وسائل الاتصال الحديثة، خلافًا لما كانت عليه في الماضي القريب، حين كانت مقتصرة على الرسائل والصحف والتلفاز والراديو.
لكن أن تجد هذه الأفكار متحققة على أرض الواقع، فهنا تكمن المشكلة؛ فالخلل ليس في وسائل إيصالها بقدر ما يرتبط بالإرادة والإصرار على تحقيقها، من خلال ما يمتلكه مروّجوها من حماسة الإيمان بها، ومن خلال ما تمتلكه هي من قوة إقناع تُمكّنها من المرور عبر نفق تتقاطع فيه المصالح، ويمضي فيه من لا يرى غير ذاته، مدعومًا بأزلام لا يترددون في قمع أي حلم جماعي يحاول أن يتحوّل إلى حقيقة.

القوى التي لا ترى سوى مصالحها، والتي تعتقد أن لها وحدها الحق في الاستئثار بكل مكسب على الأرض، تتعامل مع ذلك كما لو كان حقًا إلهيًا لا يمكن المساس به، وترتكز في ذلك إلى رتبة عسكرية، أو منصب سياسي، أو تفوّق مالي، أو إرث اجتماعي أو قبلي، أو أسطورة مهترئة لا نفع فيها، تداولها التاريخ وملّها، أو نسبٍ تم التلاعب به، أو وعد ديني مزعوم. أما الكفاءة فهي آخر ما يُدرج في هذه السلسلة، وأبعد ما يكون عن منح الأحقية.
لقد أتاحت لهم هذه الذرائع أن يُمعنوا في التجاوز على أحلام الناس، ويعملوا على تشكيل مصائرهم، من خلال ممارسات وضغوط تتقاطع مع أبسط القوانين، بل ومع المبادئ التي مثّلتها دساتير الأمم المتحدة وقوانينها الأخلاقية. ولم يعد الأمر يتم من خلف الكواليس، أو عبر الضغوط غير المباشرة، بل بات يُمارس على الملأ، بالقتل والتجويع، وبإصرار على نزع إنسانية الآخر وتجريده من حقه في الحياة، وكأنه خطأ كوني يجب تصحيحه.

تستطيع أن تتأكد من هذا بالرجوع إلى فصول الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث قُتل ستون مليون إنسان خلال أربع سنوات فقط. وللاستزادة، يمكنك أن تتأمل ما حدث في القرم، وجمهوريات الاتحاد السوفيتي، وأفغانستان في الحقبتين السوفيتية والأمريكية، وفيتنام، والعراق، والحديقة الخلفية للولايات المتحدة، وما فعلته فرنسا في الجزائر، وبريطانيا في الهند ومصر وفلسطين.
لولا العقلية الاستعمارية المجبولة على الغطرسة، لما فكّر أحد باستخدام القنبلة الذرية، ولا حتى تطويرها، وكذلك الحال مع الأسلحة الكيميائية والحرب الجرثومية، التي كان فيروس كوفيد-19 إحدى تجاربها.
وما إن بدأ العالم يتنفس قليلاً حتى انفجر إعصار غزة، ليدخل عامه الثاني تقتيلًا وتجويعًا، وتمتد نيرانه إلى الشرق الأوسط، ليشمل سوريا ولبنان وإيران واليمن والسودان. وماذا بعد؟ يبدو أن الصراع لم يعد على مصالح أو مواقع، بل بات صراع وجود؛ إما أنا وإما أنت، في ظل انعدام المنطقة الوسطى.

الكل يعزز روايته بتفسيرات قديمة، أو سرديات مشكوك في صدقها، بعضها يأخذ شكل الأساطير، وبعضها يستند إلى وعود دينية غلبت عليها سمات العنصرية والتفوّق العرقي لشعب على آخر، لا لشيء سوى فرض إرادة مريضة أنتجتها ضغوطات تاريخية عقيمة.
وما أتاح لهذا كله أن يتفشّى، هو غياب التلازم بين التقدّم التكنولوجي والعلمي من جهة، والتقدّم الأخلاقي من جهة أخرى، فالعلم استُخدم لتطوير السلاح، بينما غاب احترام وجود الآخر، وتغيّب الوعي بأننا شركاء في المصير.
القوة الحقيقية تكمن في إدراك الحقيقة، والحقيقة لا يخبرك بها أحد؛ أنت من يجب أن يسعى إليها. والحقيقة لا يسلك دربها إلا الشجعان، لأنها موحشة، وثمنها باهظ؛ تتطلب الصبر والجهد والألم. ومن يدرك الحقيقة حقًا هو إنسان ثائر، لأن الثورة صراع بين الماضي والحاضر، وهذا الصراع لا يقوده إلا عقل حر يدرك معنى ما يقدّمه من تضحية. فترى، من يستطيع اليوم، وسط ما يسود من قيم نفعية وبراغماتية، أن يقدّم تضحية دون انتظار مكسب؟

قضية غزة تميط اللثام عن إسراف غير مسبوق في القتل، يدفع الجميع إلى التأمل فيما بلغناه من قسوة، وإصرار على التسويف من أجل مزيد من الدم، بحجّة وضع النقاط على سردية الغد، الذي عُمّد بدماء أكثر من ستين ألف شهيد من الأطفال والنساء والرجال العزّل، الذين أرهقهم التهجير، وأتعبهم البحث عن رغيف خبز وشربة ماء.
أكثر من مئة ألف مصاب ومعوّق، وثمانية أشهر من المفاوضات تحت القصف والتهجير والتجويع، لإطلاق سراح ما لا يزيد عن أربعين قتيلًا وأسيرًا، مقابل آلاف الأسرى المعذبين منذ سنوات في سجون الاغتصاب، بينما تُحوَّل بيوتهم ومدارسهم ودور عبادتهم ومشافيهم إلى رماد. وما لا يقل عن مئة شهيد يوميًا.

وبعد… إن إبادة مليوني إنسان تحتاج إلى وقت طويل، قد لا تطيق إسرائيل انتظاره لتُتوّج ما تراه نصرًا. ومهما كان ضمير العالم مخدّرًا، فرائحة الدم البشري كفيلة بإيقاظه. فالذين يُحرقون هناك هم خلق الله، وهم إخواننا في الإنسانية، ولا يمكن للعالم الحر أن ينكر ذلك، خاصة وأن غالبية من يُقتلون هم من الأطفال، “أحباب الله”، لا حول لهم ولا قوة.
فأي قوة وأي سلاح يتباهى به هؤلاء؟ سكان غزة يتساقطون جوعًا في الشوارع، في مشهد لا يمثل إلا وصمة عار على جبين العالم. ومثل هذا المشهد قد يتكرر عندنا؛ ألم يُجّوع العراق وأطفاله تسع سنوات؟

الوحوش التي ترتكب هذه الآثام تتهم كل من ينتقدها بمعاداة السامية، وتضعه في خانة العدو، ومتى ما تمكّنت من الوصول إليه، وضعتْه في مرمى نيرانها. الجميع في خطر ما دمنا لا ننحاز لرؤيتها، وما جرى ليس إلا كشفًا لزيف الادّعاء، وتعريًة سردياتهم الملغمة، وأوّلها أنهم “مختارون”، وأنهم شعب بلا أرض هبطوا على أرض بلا شعب.