غريب على الخليج – عبد الكريم يحيى زيباري

غريب على الخليج – عبد الكريم يحيى زيباري

كيف يمكن أن يخون الخائنون؟ أيخون إنسان بلاده؟ إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟) يهدم المصلحة العامة، لإشباع بطنهِ، لا أشبعَ الله لهم بطناً.

نستحضر معاناة دول الاتحاد السوفياتي بعد التحول من النظام الاشتراكي إلى اقتصاد السوق، فوضى مؤسساتية أنتجَت بيئة ملائمة لشخصيات أسطورية من الفساد، في دولة تعاني تفكك الإطار المؤسساتي بقرارات هوجاء، قامت بإلغاء أو تغييب استقلالية مؤسسات الدولة المعنيَّة بمراقبة تخصيص وتقييم الموارد والإشراف على السياسة المالية والاقتصادية وتنفيذها بما يُوفِّر بيئة ملائمة للادِّخار والاستثمار.

عندئذٍ فقط، بدأ اهتمام خبراء الاقتصاد بظاهرة الفساد، وقياس آثارها على معدلات النمو والتضخم المالي، وأهم مصادر الفساد: الإيرادات الريعية كالعقود الخارجية لبيع النفط والداخلية لبيع العملة، بعيداً عن الشفافية والرقابة، لتتحول مصدراً لتعزيز قوة ونفوذ شخصيات محددة. والكثير ممن فازوا في انتخابات مجلس النواب، وممن تولوا الوزارات تحولوا إلى مراكز قِوى وزعماء كُتل!

عملية احتساب النمو الاقتصادي تعتمد اليد العاملة ورأس المال، وأضيفت مؤخراً فقرة التطور التكنولوجي، لكن خبراء الاقتصاد اكتشفوا جزءاً مهماً وغامضاً في تسعينات القرن العشرين، هذا الجزء هو دور مؤسسات الدولة ومدى نزاهتها، فبدأ اهتمامهم بظاهرة الفساد وآثاره المُدمِّرة للاقتصاد الكلي.

في تقرير لمؤسسة (TI) منظمة الشفافية الدولية/ Transparency International) لعام 2019 احتلَّ العراق المركز 162 من مجموع 180 دولة، وفي العام 2018 احتلَّ المركز 168. واحتلت نيوزلندا المركز الاول تليها الدنمارك، واحتلت الصومال المركز الأخير. تقدم العراق سنة 2019 ثماني مراحل!

في الصومال: إذا ذهب سين ليتقدم بشكوى وكشف لحالة فساد موثَّقة بأدَلِّة ووثائق، فعليه البحث عن واسطة، وزير أو عضو مجلس نواب في لجنة مكافحة الفساد، لأنَّ قاضي التحقيق المختص، لا وقتَ لديه لكي يسمعه، ربما يصرفه بخارطة طريق إلى جهة أخرى!

ربما يتعرض الموظَّف المشتكي لسؤال دم البعوضة: لماذا وكيف أصبحت مسؤولاً للقسم الفلاني في الشركة الفلانية، لكنَّ أحداً لا يجرؤ على سؤال أحد الوزراء أو المدراء العامين، عن بنود الاتفاقية التي أذعنَ موافقاً على شروطها، وبضمنها تعيين مدير مكتب حاسم وصارم في فرض النسبة! وهذا أمرٌ بات غير خافٍ على أحد! هل ثمَّة ملاحقة للفاسدين؟ ومن يُضخِّم عمليات مكافحة الفساد، كرجلٍ مُحرمٍ في الحج يستفتي في قتلِ بعوضة، فقيل له: وا عجبا لأهل الصومال، يقتلون ابن بنت نبيّهم ويستفتون في دم بعوضة!

الفساد مؤسساتي بغياب الرقابة ومساءلة الفاسدين الصِّغار وتجاهل الحيتان الكبيرة، وفي الحديث (إنما هلك الذين قبلَكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليه الحدّ). دِفاعاً عن الفاسدين ومنعاً للإصلاح تَقَطَّعُوا الشعب بينهم أحزاباً وطوائف وأقليات.

انهارت علاقة الأب بأبنائه، والموظَّف بمديره، والمواطن بحكومته، فانهارت المؤسسات. النجاح يعني علاقات جيدة، الفشل علاقات سيئة. نجاح العائلة يعتمد علاقة الأب بأبنائه. المؤسسة: علاقة الموظف بمديره. الدولة: علاقة المواطن بحكومته. فما هو نوع العلاقة بين المواطن العراقي ودولته؟ ولماذا تعتبر الدول العربية أضعف مناطق العالم على حماية نفسها من الاحتلال والغزو، رغم أنَّها الأكثر إنفاقاً عسكرياً وأمنيَّاً؟ بسبب انهيار العلاقات.

كيف سنقضي على الفساد إذا لم تتجدد السلطة ولم تتطور؟ لا يوجد تجديد أو تغيير للسلطة التنفيذية الحاكمة ولا التشريعية ولا القضائية، لأنَّ رؤساء الكتل الانتخابية هم أنفسهم أرباب الوزارات والهيئات التي تُسمِّي نفسها مستقلة، وليس بعض الوزراء إلا عبيد مسلوبو الإرادة وكذلك أعضاء مجلس النواب.

مشاركة