غروب عين الصقر – نصوص – إبراهيم سبتي
المنصة ، بيت الطائر .
أخاديد الوجه ، متربة .
أسدان يفترسان غزال ..
يضحك ببلاهة بانتظار الشمس التي توارت خلف غيوم سود راعدة ، يصمت بحيرة وهو يلهو ببيضة مستديرة غريبة لطائر مالت إلى زرقة باهتة ..
الحارس ، عجوز يجلس عند باب قاعة هرمة بعد ليلة ممطرة تحفه بركات أصحاب وجوه التماثيل المغبرة في الداخل ..
يرى السماء المحتقنة ، قد تطيح برغبة البقاء خارج خندقه المعتم المهلهل .. الحارس ركل الأرض مغتاظا .. قذف بالبيضة على حائط قريب فتهشمت تسيح صفارا داكنا ، توجه الى مخدعه المقابل للقاعة ووأوأ كطفل:
ليس هذا خلاصك أيها المندحر .. تغيضك السماء بسيولها كل مرة وأنت ترغب برؤيتها بلا غيوم !
فناءات العرض واسعة ، متعددة الأروقة . ثمة قاعة استطالت . بابها نصف مفتوح ، على طرفها الأيمن صفت صناديق مزججة في داخلها أحجار صغيرة وخواتم وقلائد وأساور وفخاريات نصفها مهشم وقبر لرجل وكلبه ، وفأس وعظمة صغيرة لفك أفعى !
في الجهة المقابلة ، عشرة تماثيل . وقفت على امتداد الجدار يتوسطها تمثال كبير علقت على رقبته ، تمائم ثلاث بخيوط منسدلة ولوح صغير مكتوب عليه :
في أول العام ينقطع المطر ، وتموت الأرض ، ويخسف القمر وتجن الأعاصير ويجف الماء في الأنهر والعيون .. ويمرض الملوك بداء لا يرجى شفاؤه وكل ينظر إلى نفسه لا يستطيع لها ضرا ولا نفعا .. أيها الداخل الى حزني ، انك كطير افترس وشم الملك وشاع الخراب ، اعلم انك لن تجني سوى الاندحارات .. وأنت أيها الخارج ، مثل أفعى تنتظر عشبة النار عند الغدران المهجورة ..
وفوقه على الحائط علق لوح مربع نحت عليه صبي عار يذبح بمديته شاة خائفة .. وعبر النهر شخص ينحر جملاّ نائما ، وزورق محمل بالآجر يمر بهدوء وسط النهر وأمرأة تحمل سوطا ، وضبع قابض على فروة كبش مسن ..
كانت ثمة خيوط من الدم اليابس سارت بافعوانية على رقبة التمثال الممتلئة والرسغين والصدر البارز وثمة أثر لطعنة غائرة على الوجه بانت ناتئة قليلا ..
القاعة في الظلمة ، شاحبة ، بائسة يابسة جرداء تخيف الناظرين ، تتدثر تحت صرير الفئران وفحيح الأفاعي وعرير الصراصير . حيطانها مشققة ولونها الأصفر المترب يتلاشى في أجزاء منها . الباب من حديد صدئ متآكل مفتوح نصفه مغطى بلون احمر خافت مائل الى السواد ..
يرفع التمثال الأكبر ذراعه اليمنى ملوحا باستقامة توازي الأرض ، منذ أن وضعوه على المنصة وتركوه واقفا سنين عجاف في ارض مبلطة توارى لونها خلف دثار التراب . الطائرـ الصقر ـ البدين البشع ، ذو المنقار القوي المعقوف والأرجل المخلبة الحادة ! يخرج ليلا من تحت قاعدة التمثال الكبير العريضة من الأسفل .. ثمة منفذ قرب القدم الملتصقة بالمنصة ، بوجهه المستدير الأملس ورأسه الكبير وعينيه البارزتين وذيله المبعثر، عند حلول الظلمة يهمش الهواء بجناحيه ويرفرف بخبث ويخرج من الباب نصف المفتوح ..
المنصة الحجرية ترتفع مترين وعرضها متر واحد تحمل كتلة التمثال من الحجر المطلي باللون الأسود . بجانبيه ، عشرة تماثيل صغيرة ، تتوزع باستقامة وارتفاع متساو دون منصات .. كل واحد يبعد عن الأخر مسافة اذرع خمسة .. المنصة والطائر متوائمان تماما ..
في المساء حبات المطر المتهاطلة تدك الأرض ، و التماثيل تقف بوجوم وبوجوه بدت
غاضبة . لم تكن كذلك يوم أمس والأيام الأخرى ، غاضبة يتطاير الرعب منها . وكأنها تنظر إلى كبيرها ولكنها لا توجه النظرات إليه تماما .. المطر الصاعق برهبته المروعة ، يتواصل منهمرا عبابا . الطائر الصقر البشع لم يظهر منذ يومين . التماثيل بدت وكأنها تمثال واحد غارق في سبات خانق تنظر بخشية خفية إلى كبيرها . ثمة هيجان للريح في الخارج وعزيف لعاصفة بدت تجلجل مدوية .. وزخات المطر تحدث سيلا هادرا .. فز الحارس منتفضا هاربا من خندقه مرعوبا وهو يرمي بجسمه الناحل الى ارض القاعة اليابسة المكفهرة.. يصرخ مذهولاّ .. مترنحاّ كأنه يتلصص في ظلمة .. فاستكان عند عتبة حجرية كبيرة ، تلمسها واتكأ عليها مرتعشا .. المطر ، يضرب الباب بقوة . وأصوات الزخات والعزيف تهوي داخلة مستنسرة وهو يرتعش محميا جنب الحجارة التي بدت تتحرك ، تتحرك ببطء في مكانها وكان الريح العاصفة قضّت مضجعه.
خال نفسه مرتبكا .. الحجارة تهتز . نهض مبتعدا ، فاصطدم بحجارات أخرى .. التمثال الكبير يتحرك في مكانه فتتمايل منصته الثقيلة محاولاّ الإفلات منها وهو يصدر همهمة وحش . الحارس ، خمن بأن الريح تصدر رعبا مهولا يضرب الفناء الأسود . كبير التماثيل انزلق من منصته ليطيح بأقرب واحد منتصب ، فثارت ضجة اختلطت مع عواء العصف وتمايلت التماثيل الصغيرة وكأنها تحاول الفرار .. وجه قبضته الحجرية نحو آخر مجاور فانقضّ عليه مهشما فتشظى بأرض القاعة التي دخلتها السيول.. توجه متبخترا ، يتهادى على الماء الواصل إلى جهة الصناديق ، دكّها بشراسة وأمعن فيها تحطيما .. تطايرت شظايا الزجاج وتمايلت التماثيل مرعوبة وخمن الحارس بأنها العاصفة تدخل هادرة فناء العرض ..
يتقدم وسط هدير عزيف العاصفة الذي ارتجت القاعة لقوته ..
وفي ومضة من برق خافت ، رآى العجوز قامة حجرية تنقض على التماثيل المصفوفة .. ازداد في اوصاله دبيب الذعر ولكنه محصور لا يقدر الإفلات ..
راح يصرخ بعنف فكان صراخه يقطر ألما وخوفا .. خال نفسه يستطيع البحث وسط الركام والأنقاض ، عن ايما طريق كان ..
لكنه ظل رازحا تحت وطأة الدمار المحدق به. مكث ساكنا يحدق بعينيه المندهشتين ، ظلمة الفناء المدوية .. العاصفة تدفع بزخات المطر نحو الداخل فتزداد السيول وتختلط بارتطامات التماثيل المبادة على الأرض السابحة وعظام الرجل الميت وكلبه تتراقص فوق السيل .. البرق المتخاطف يجعله يرى ما يحدث .. وسط جلبة العصف المريع ،سمع رفرفة أجنحة كبيرة داخل الفناء المستطيل ، ولمح عينيّ الطائر الملتمعة في جوف الظلمة وهو يطلق غقغقته المقززة ..الطائر المهتاج ظل يحلق في فناء القاعة ..
العجوز المتواري يحاول الخلاص من منفاه منتظرا ما سيحدث لاحقا ..
فجأة شعر بأن مخالب الطير المرتعد لامست رأسه فتقافز فزعا وافلت متهالكا ..
التمثال الكبير يواصل تدمير ما تبقى ممعنا في الفناء تحطيما .. اصطدمت مخالب الطائر برأس التمثال ، اخذ يحوم حوله في ظلمة هادرة وحط عليه مواصلا غقغقته المخيفة ، فيما التمثال منشغل بالبحث عن ما سيخربه .. توقف التمثال الكبير متحسسا رأسه بذراعه الحجري الصلد، امسك بذيل الطائر وقذف به أرضا . تقدم نحوه واضعا قدمه الثقيلة على بدنه ، إلا أن الطائر انتفض مرفرفا بعناء مطلقا نحيبه المزعج ..
من بعيد ، من زاوية في الفناء ، انطلق الطائر مغيرا بسرعته على جسد التمثال مفترسا رأسه الحجري بمنقاره المعقوف ومخالبه المدببة .. سقط التمثال المريع ، محدثا دويا في جوف الليل العاصف فأنفصلت رقبته وتدحرجت التمائم واللوح الصغير منها ..
حط الطائر فوق الجسد الحجري المسجى على الارض وأطلق غقغقته رافعا جناحيه مختالا ..
العجوز ، تسلل بحذر نحو الباب المتلاطم ، لكن عينا الطائر الملتمعتين رمقته ، فحاول الاختباء ثانية إلا أن المخالب ظلت تبحث عنه وسط الركام المتناثر ..
الحارس يئن من موت قادم والمخالب تدور في فضاء مظلم خال إلا من زخات المطر وأنفاس العجوز اللاهثة .. الاسدان الحجريان صامدان .
في الصباح :
الفناء الغارق بالسيل ونثار الحجر .. يسقط في صمت متلبساّ بالدمار ، الطائر يصدرصوتا خفيضا متقطعا من وسط الركام فيما يحاول الطيران بعين ملتمعة واخرى منطفأة تنز دما ..
الحارس العجوز يعتلي على انقاض المنصة الحجرية واقفا يمد ذراعه نحو الباب وعلى وجهه خيوط من دم يابس وعلق لوح تدلى من رقبته مكتوب عليه :
في آخر العام ينهمر المطر ، وتغرق الأرض ، ويخسف القمر وتجن الأعاصير ويفيض الماء في الأنهر والعيون ويموت الملوك من داء لا يرجى شفاءه وكل ينظر إلى نفسه لا يستطيع لها ضرا ولا نفعا .. أيها الداخل الى حتفك ، انك أشعت الخراب والموت . وأنت أيها الخارج ستميتك أفعى العشب عند الغدران المهجورة ..
فيما ثبت خلفه على الحائط ، لوح حجري مربع نحت عليه ثلاثة ضباع تفترس لحما نيئا مقطعا أمام مغارة ، وأمرأة واقفة تحمل سوطا وأمامها يجثو ثلاثة غلمان ..

















