غربان ذكية قادرة على التخطيط لتأمين قوتها

باريس‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تعرف‭ ‬غربان‭ ‬كاليدونيا‭ ‬كيف‭ ‬تحدّد‭ ‬مسبقا‭ ‬الأداة‭ ‬التي‭ ‬ستسمح‭ ‬لها‭ ‬لاحقا‭ ‬بالوصول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬قوت،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬كشفت‭ ‬دراسة‭ ‬حديثة‭ ‬تقدّم‭ ‬دليلا‭ ‬إضافيا‭ ‬على‭ ‬القدرات‭ ‬الإدراكية‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الطيور‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬المعلوم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحيوانات‭ ‬تستخدم‭ “‬أدوات‭”‬،‭ ‬مثل‭ ‬أغصان‭ ‬دقيقة،‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬دودة‭ ‬متغلغلة‭ ‬في‭ ‬جذع‭ ‬شجرة‭. ‬ولاحظ‭ ‬علماء‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تجربة‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬وسع‭ ‬الحيوانات‭ ‬أيضا‭ ‬استخدام‭ ‬غصن‭ ‬قصير‭ ‬جدّا‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬أطول‭ ‬يتيح‭ ‬لها‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬مكافأة‭. ‬وذهب‭ ‬البروفسور‭ ‬ماركوس‭ ‬بوكله‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬فيينا‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬مظهرا‭ ‬مع‭ ‬فريقه‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬مقدور‭ ‬غربان‭ ‬كاليدونيا‭ ‬التخطيط‭ ‬لعملية‭ ‬مقبلة،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬القدرات‭ ‬المميّزة‭ ‬للذكاء‭ ‬البشري‭. ‬ودُرّبت‭ ‬الطيور‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬ثلاث‭ ‬أدوات،‭ ‬هي‭ ‬غضن‭ ‬وحصى‭ ‬وشنكل،‭ ‬يعمل‭ ‬كلّ‭ ‬منها‭ ‬حصرا‭ ‬مع‭ ‬آلية‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬اللحم‭. ‬ثم‭ ‬دُرّبت‭ ‬الغربان‭ ‬على‭ ‬اتبّاع‭ ‬سلسلة‭ ‬محدّدة‭ ‬مع‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬بالغصن‭ ‬لا‭ ‬غير،‭ ‬وهي‭ ‬كناية‭ ‬عن‭ ‬أنبوب‭ ‬من‭ ‬البلاستيك‭ ‬الصلب،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬نشرت‭ ‬في‭ ‬مجلّة‭ ‬‭”‬بروسيدينغز‭ ‬أوف‭ ‬ذي‭ ‬رويال‭ ‬سوساييتي‭”. ‬وفي‭ ‬إحدى‭ ‬المقصورات،‭ ‬يُعرض‭ ‬عليها‭ ‬الأنبوب‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬لحم‭ ‬لمدّة‭ ‬دقيقة‭ ‬ثم‭ ‬يوضع‭ ‬الغراب‭ ‬في‭ ‬مقصورة‭ ‬محاذية‭ ‬تقدّم‭ ‬له‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ ‬خمس‭ ‬قطع،‭ ‬هي‭ ‬الأدوات‭ ‬الثلاث‭ ‬وكرة‭ ‬لأغراض‭ ‬التلهية‭ ‬وقطعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬البطاطا،‭ ‬وهي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬نظامه‭ ‬الغذائي‭. ‬وبعد‭ ‬اختياره‭ ‬قطعة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بينها،‭ ‬ينتظر‭ ‬لعشر‭ ‬دقائق‭ ‬قبل‭ ‬إعادته‭ ‬إلى‭ ‬المقصورة‭ ‬الأولى‭ ‬حيث‭ ‬يوجد‭ ‬الأنبوب‭ ‬الذي‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬قطعة‭ ‬اللحم‭ ‬التي‭ ‬يأخذها‭ ‬بواسطة‭ ‬الغصن‭. ‬وقد‭ ‬اجتازت‭ ‬الغربان‭ ‬بنجاح‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بـ‭ “‬تجربة‭ ‬مارشميلو‭” ‬التي‭ ‬تقضي‭ ‬بعرض‭ ‬قطعة‭ ‬حلوى‭ ‬على‭ ‬طفل‭ (‬هي‭ ‬قطعة‭ ‬البطاطا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الغراب‭) ‬مع‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬امتنع‭ ‬عن‭ ‬تناولها‭ ‬سيحصل‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬منها‭ ‬لاحقا‭ (‬قطعة‭ ‬اللحم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الغراب‭).‬

وتمتحن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬المعروفة‭ ‬باسم‭ “‬السفر‭ ‬الذهني‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭” ‬قدرة‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬التي‭ “‬يكتسبها‭ ‬الطفل‭ ‬اعتبارا‭ ‬من‭ ‬الرابعة‭ ‬أو‭ ‬السادسة‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬بروكله‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬قسم‭ ‬علم‭ ‬الأحياء‭ ‬الإدراكي‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ “‬صعوبة‭ ‬إضافية،‭ ‬إذ‭ ‬ينبغي‭ ‬للطير‭ ‬أن‭ ‬ينجز‭ ‬مهمّة‭ ‬تقنية‭ ‬تقضي‭ ‬باختيار‭ ‬أداة‭ ‬ليتسنّى‭ ‬له‭ ‬بلوغ‭ ‬هدفه‭”.‬

‭- ‬مرحلة‭ ‬حسّاسة‭ -‬

وبرهنت‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬الطيور‭ ‬الستة‭ ‬التي‭ ‬خضعت‭ ‬لهذه‭ ‬التجربة‭ ‬عن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬وهي‭ ‬اجتازت‭ ‬مرحلتين‭ ‬بنجاح‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتعقّد‭ ‬الأمور‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الثالثة‭.‬

فبغية‭ ‬التأكّد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الأداة‭ ‬لا‭ ‬ينجم‭ ‬عن‭ ‬إستراتيجية‭ “‬التعلّم‭ ‬بالاقتران‭”‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربط‭ ‬الغصن‭ ‬بالمكافأة،‭ ‬خضعت‭ ‬الطيور‭ ‬خمس‭ ‬مرّات‭ ‬وبالمداورة،‭ ‬لسلسلتين‭ ‬لم‭ ‬تجرّبهما‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬الأولى‭ ‬مع‭ ‬آلية‭ ‬تعمل‭ ‬بالحصى‭ ‬والثانية‭ ‬بشنكل‭.‬

وقال‭ ‬بوكله‭ “‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الحسّاسة،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الأدوات‭ ‬الثلاث‭ ‬تتمتّع‭ ‬بالقيمة‭ ‬عينها،‭ ‬لكن‭ ‬كلّا‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬الحلّ‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬واحدة‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الحالتين‭ ‬الأخريين‭”.‬

وقد‭ ‬تطلّب‭ ‬الأمر‭ “‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التمرين‭ ‬الذهني‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬فعله‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭” ‬واجتاز‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬الغربان‭ ‬الأربعة‭ ‬الاختبار‭ ‬بجدارة‭. ‬وقد‭ ‬اختار‭ ‬البطل‭ “‬نبتون‭” ‬الأداة‭ ‬المناسبة‭ ‬تسع‭ ‬مرّات‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عشر،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬سبع‭ ‬مرّات‭ ‬لـ‭ “‬ترايتون‭” ‬و‭”‬يورانوس‭”.‬

وتشكّل‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬دافعا‭ ‬للتعمّق‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬غربان‭ ‬كاليدونيا‭ ‬على‭ ‬إتقان‭ “‬السفر‭ ‬الذهني‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭” ‬والتمعّن‭ ‬في‭ ‬آلياته‭.‬