غذاؤنا على كف عفريت – هادي حسن عليوي

960

غذاؤنا على كف عفريت – هادي حسن عليوي

ـ حتى 14 تموز 1958 كان العراق مكتفياً ذاتياً بالمواد الغذائية.. فكان القدر الغذائي العائلي عراقي 100%.. ويرجع ذلك ليس لتقدم الزراعة في العراق.. بل لأسباب في مقدمتها النظام الإقطاعي السائد في كل العراق.

ـ هذا النظام الذي جعل من العشيرة والقرية فلاحين مجبرين على العمل لشيخهم (المحفوظ) في الجنوب والوسط.. أو (الأغا) في المناطق الكردية.. نظام صارم في العلاقات الاجتماعية وعلاقات العمل.. وعلى الرغم من انه نظام بغيض واستغلالي بشع.. لكنه كان يدر إنتاجاً وفيراً.. بالرغم من بدائية الزراعة.. وبدائية الأجهزة المستخدمة فيها.

ـ بعد  14 تموز 1958 جرى تطبيق قانون الإصلاح الزراعي الذي شرعته حكومة الثورة.. للتخلص من الإقطاع وإقامة العدالة الاجتماعية بين المواطنين.. وتم توزيع الكثير من أراض الإقطاع على الفلاحين.

ـ لكن الدولة لم توفر ابسط مستلزمات الزراعة للفلاح.. التي لا يملكها الفلاح.. ولا يستطيع توفيرها فهو معدم مادياً.. وهكذا فشل تطبيق اًلإصلاح الزراعي.. واهتز وضع الغذاء العراقي.

ـ بالمقابل فإن قيام ثورة 14 موز كان مناسبة لهروب وهجرة جحافل من الفلاحين من سلطة الإقطاع.. فحدث اكبر نزوح للفلاحين الى بغداد وبعض المدن العراقية الأخرى.

ـ صحيح استغل الكثير من الإقطاعيين فشل قانون الإصلاح الزراعي ليعيد سيطرته على الأرض والزراعة بشكل أو آخر.. لكن الأوضاع اختلفت.. ولم تعد سلطة الإقطاع كما كانت.. فانخفض الإنتاج الزراعي.. وبالرغم من تحديد الدولة لأسعار المواد الغذائية الأساسية.. لكن ذلك لم يستمر طويلاً.

ـ وهكذا ظهرت حالات نقص في بعض المواد الغذائية.. لكنها لم تخلق أزمات كبيرة.. فقد كان الوضع ألمعاشي لعموم الموطنين ضعيفاً جداً.. فلم تكن متطلبات غذاء المواطن كبيرة ومتنوعة.. كما إن عدد سكان العراق كان قليلاً.. لا يتجاوز السبعة ملايين نسمة.

ـ بالمقابل بدأ استيراد المواد الغذائية بشكل أكبر.. خاصة السكر والشاي.. والمعلبات.. والموز.. والتفاح اللبناني بلونيه الأحمر والأصفر.. لكن لم يصل الأمر الى استيراد المواد الغذائية الأساسية.

تأميم المؤسسات الاقتصادية

ـ في الرابع عشر من تموز 1964 قام حكومة طاهر يحيى بتأميم البنوك والمصارف التجارية العراقية.. كما تم إصدار قانون المؤسسة الاقتصادية العراقية.. التي ضمت المنشآت والمؤسسات العامة والشركات التابعة لها.

ـ كان طاهر يحيى يرى في تلك القرارات بداية التحول الوحدوي الاشتراكي.

ـ أدت هذه الخطوة الى سيطرة الدولة على شركات القطاع الخاص.. مما أدى الى ضعف في الانتاج خاصة القطاع الغذائي.. وظهرت حالات نقص في المواد الغذائية.. والى ارتفاع اسعارها.

ـ بدأت أولى حالات النقص الغذائي الجدي وازدادت أواخر العام 1966 عندما شح البصل من الأسواق وغاب تماماً.. وهو أهم مادة غذائية في الطبخ العراقي.. وارتفع سعره.. وأصبح سعر كيلو البصل ب 400 فلساً.. أي أغلى من سعر التفاح اللبناني المستورد الذي كان سعره 120فلساً.

ـ يبدو إن الحكومة استوردت البصل وانتهت الأزمة.. كما استوردت الحكومة بذور محسنة للبصل ووزعتها الى المزارعين بسعر مدعوم.. لكن ذلك لم يمنع غياب البصل اليابس في فترات نهاية موسمه.. ليسد الحاجة عنه البصل الأخضر الى حد ما.

ـ بعد 17 ـ 30 تموز 1968 والانفتاح على القوى السياسية الأخرى.. والعفو عن السياسيين وعودتهم من خارج العراق.. وإعادة المفصولين السياسيين الى وظائفهم.. وقيام الحكومة بتعيينات كبيرة للبعثيين القدامى والجدد.. انتعشت القوة الشرائية للمواطنين خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط الخام بعد حرب تشرين الاول / اكتوبر / العام 1973.

ـ فبدأ الإنتاج الزراعي العراقي لا يكفي حاجة السوق.. خاصة الإقبال على الطماطة.. ومعجون الطماطة.. والبصل.. والأسماك.. والدواجن.. والبيض.. والالبان وغيرها.

ـ لكن مشكلات الغذاء كانت واضحة في: قلة الأسماك.. والألبان.. والبصل.. والطماطة.. الى درجة إن الطماطة ومعجونها فقدت من الأسواق لمدد طويلة.. وبالرغم من إن معظم العوائل العراقية كانت تصنع معجون الطماطة في البيوت خلال موسمها.. لكن ذلك لم يكفي.

ـ كما إن الحنطة لم تعد تكفي.. فاستوردت الحكومة بدور محسنة ومسمومة حتى تقتصر على زراعتها.. وبرغم ان الحكومة حذرت المواطنين اعلامياً ورسمياً من خلال الجمعيات الفلاحية والاذاعة والتلفزيون ووسائل الاعلام الاخرى.. لكن بعض الفلاحين أكلوا من هذه الحنطة وباعوها مما أدى الى تسمم كثير من المواطنين.

 ـ لم تعالج الدولة موضوعة الإنتاج الزراعي بشكل علمي وعملي.. وكان الاستيراد والتصدير حكراً على الدولة.. ووجهت أجهزتها الحزبية لمحاربة غلاء أسعار المواد الزراعية التي تباع بأغلى من أسعارها بالقوة وبمصادرة المواد وحتى باحتجاز الباعة.. وهذا مما زاد الطين بله.

ـ ان مشكلة الطماطة بشكل خاص.. ظلت قائمة كل سنة.. بالرغم من التوسع في زراعتها.. والبدء بإقامة البيوت الزجاجية لزراعتها في غير موسمها.. والتوسع باستيراد كميات منها من الخارج.. استمرت أزمة الطماطة.. وفي تصاعد !!

ـ حدثت اخطر أزمات الطماطة في شتاء العام 1971 واستمرت لتغيب الطماطة ومعجونها من الأسواق تماماً لفترة طويلة.

ـ في خريف العام 1980 وأنا أودع الوفد الاقتصادي الرئاسي العراقي في مطار روما العائد الى بغداد.. اندهشت وأنا أشاهد رئيسة الوفد ـ رئيسة اللجنة الاقتصادية في مجلس الوزراء.. وهي تحمل معها صندوقي طماطة طازجة الى بغداد…….. واستمرت الأزمة.

ـ وخلال الحرب العراقية الإيرانية توقف استيراد أكثر المنتجات الغذائية.. فعادت أزمة الطماطة من جديد.. وأصبحت أزمة مستديمة.

ـ العام 1987 وفي خضم ازمة الطماطة.. بل غيابها الكامل من السوق.. نشر الدكتور محمد مهدي صالح المدير العام في وزارة التجارة مقالة في إحدى الصحف العراقية.. عن حل أزمة الطماطة مؤكداً فيها: إن الحل يجب أن يكون عراقياً.. وذلك بعودة العائلة العراقية لعمل معجون الطماطة في بيوتهم خلال موسم الطماطة.. مثلما كانت أمهاتنا وجداتنا تصنعه في البيوت (على حد تعبيره).. مكرراً ذلك خلال مقابلة تلفزيونية معه حول أزمة الطماطة.. متناسيا ان اوضاع العراق تغيرت والمرأة دخلت بشمل عام وشامل (الدراسة والعمل والوظيفة).

ـ أصبحت فكرة الدكتور محمد الراوي نكتة الموسم لدى العراقيين.. فما أن يلتقي عراقيان حتى يسأل احدهما الأخر (ها أمك سوت معجون طماطة بالبيت؟؟).. ويبدأ الضحك.

ـ يبدو إن الرئيس صدام أعجبته فكرة محمد الراوي.. فأصدر مرسوماً جمهورياً بتعينه وزيراً للتجارة.. وافتتح الوزير الجديد عمله بمنع استيراد الطماطة ومعجون الطماطة تماماً.. ولم يستطع أن يفرض على العوائل العراقية صنع معجون الطماطة في بيوتها.. فالعائلة العراقية كانت منشغلة بضيمها في الحرب مع إيران.. التي أكلت كل شبابها.. وهكذا فشل الحل السحري للسيد الوزير لأزمة الطماطة.

ـ وجاء الحصار الاقتصادي على العراق العام 1991 ليحل أزمة الطماطة.. فانشغل العراقيون بالحصار.. وأصبح الغذاء الرئيسي اليومي للعائلة العراقية الباذنجان (شوياً.. أو قلياً).. وأصبحت الطماطة في ظل الحصار سلعة ترفيهية.

ـ بعد العام 2003 حُلت مشكلة غذاء المواطن بفتح الاستيراد على مصراعيه.

ـ وهكذا لم تحدث أزمات في غذاء المواطن.. زادها سهولة تصاعد نسب الفقر والبطالة في العراق.. وبعد انخفاض أسعار النفط.

ـ منذ ثلاث سنوات بدأت مطالبات المزارعين العراقيين بحماية الإنتاج الغذائي الوطني بتقليل الاستيراد.

ـ العام 2014.. تم تطبيق منع دخول الطماطة الأجنبية للسوق العراقية.. فوقع الفأس بالرأس.. وعادت حليمة الى عادتها القديمة.

سعر الدينار

ـ أكملت السبحة حكومة مصطفى الكاظمي ووزير ماليته الفلته.. وفجأة اعلنوا بداية العام 2021 ماكوا رواتب لموظفي ومتقاعدي الدولة.

ـ وخفض فلتتنا المالي سعر الدينار العراقي من 1200 الى 1470 دينار للدولار الواحد.

ـ وقدم فلتتنا المالي الورقة البيضاء.. ليزيد الطين بله.. ويعيش غالبية العراقيين من اصحاب الدخول المحدودة النزيهيين .. حد الكفاف او دونه.

ـ انها لم تعد ازمة مالية.. أو غذائية.. بل مسألة حياة.. وتعليم والتزامات .. لا يقدر غالبية المواطنين ادارة الحد الادنى من حياتهم المعاشية.

ـ فغالبية العراقيين (موظفين ومتقاعدين) النزيهيين برواتب اقل من ثلثلي رواتبهم الحقيقية.. مثلما ارتفعت اسعار المواد حتى الغذائية ثلث سعرها!!

ـ الى جانب الوباء الذي ساد العراق والعالم (الكورونا).. وأوقف الحياة الاقتصادية.

ـ انها لم تعد مسألة ازمة مالية.. بل غالبية المواطنون من اصحاب الدخول المحدودة.. خاصة النزيهيين منهم.. وهم الغالبية..بل عاجزون عن ادارة حياتهم وحياة عوائلهم.

ـ فالخطر محدق.. برغم من ارتفاع أسعار النفط الخام الى اكثر من 60 دولار للبرميل الواحد.

ـ فالعراق لم يعد يستطيع ان يقف على رجليه.. لا بل لا يستطيع دفع رواتب موظفيه.. حسب ادعاء وزير ماليتنا!!

ـ السبب الحقيقي ليس رواتب الموظفين.. بل رواتب ومخصصات وامتيازات الرئاسات والمناصب العليا.. وجيش المستشارين.. وعدم تطبيق نظام الراتب الواحد.. ومنع ازدواجية  الرواتب.. كسجناء رفحاء.. وتقاعد النواب.. ورواتب الموظفين والمتقاعدين الفضائيين.. وغيرهم كثير !!

ـ واستمرار مجالس المحافظات المنتهية والملغاة قانونا.. ومخالفة دستوريا.

ـ وبرغم إن المحكمة الاتحادية العليا قضت بعدم دستورية استمرار عمل مجالس المحافظات والأقضية.. فمجالس المحافظات هي اللعبة السائدة في الفساد المالي والاداري!!

اذن ما العمل؟؟؟؟

ـ نقول أن كل الحكومات المتعاقبة منذ تأسيس العراق الحديث العام 1920 لم تقم بواجبها الحقيقي في تأمين الأمن.. والحياة.. والغذاء.. والتعليم للمواطن العراقي.

ـ اما حكومات ما بعد 2003 فلم تستطع أن تؤمن ألف باء الصناعة.. والفساد يسود من القمة حتى القاعدة.. واصبح هو اسلوب عمل الحياة في العراق.ـ تريدون من هذه الحكومات والمـــــسؤولين  أن تؤمن الغذاء للـــــــمواطن.. وتبني دولة.. وتجري انتخابات نيابية نزيهه.. هيهات.. ثم هيهات.. ثم هيهات.

ـ ايها العراقيون النزيهون.. موتوا جوعاً.. أو شدوا الاحزمة على البطن وتحت البطن.. فلا من ناجي.. وقطع الارزاق لم تعد بيد ربنا.. بل بيد من يدير الدولة من أكبر واحد الى اصغر فاسد.. فكيف ما تكونوا يولى عليكم.

مشاركة