غانم الحفو: جدلية الحياة والشعر – أحمد الحاج

غانم الحفو: جدلية الحياة والشعر – أحمد الحاج

كانت الحرب مستعرة تتعالى منها صيحات البنادق ودوي انفجارات القنابل وتناثر شظايا الصواريخ في كل مكان، وهي تختلط بأصوات صراخ الأطفال وتكسر زجاج النوافذ وهي تنهال على رؤوس ساكنيها، فجأة هدأ كل شيء وخيم السكون على المكان فقد حضر الموت، وعندما يحضر هذا الأخير، فإنه يفرض هيبته على كل دقائق الأمكنة وعلى الكل أن يقف اجلالاً لحضور القدر، كما على الجميع أن ينصت لرائحة الموت المعتقة منذ فجر الخليقة/ الأبدية حتى قيام الساعة/ نفخة البوق، فعندما دقت الساعة دقتها الخامسة فجراً وعلى سريره في غرفته في الطابق الأول انطفأت جذوة متقدة وسكت القلب سكتته الأبدية بعد أن شقى صاحبه بسبب اصابته بعلة، وما صاحب هذه العلة من مضاعفات واختلاطات، وقد زادت من حدتها لفافات التبغ التي لا تفارق سبابتي الفقيد بعد أن امست رفيقة وحدته في امسيات الوجع الروحي، ولكن فوق هذا كله، استمر في مقارعة ريشتة ودواته وهي ترتجف بيمينه المتعبة لتترجم ما تجود به نفسه من انفعالات تجد صداها على كومة من اوراق تركها مركونة على طاولة مكتبه، واستمر في تدوينها الى آخر رمق في حياته، حتى انتقلت روحه الى خالقها والقلم بين يديه ومحبرته لما تجف بعد.

في حياته ومنذ نشأته، راح الشاعر غانم محمد الحفو في احاطة مملكته بهالة من الثقة والموضوعية والتفاني من أجل رسالته العلمية التي نذر نفسه من أجلها، ينتصب بقامته الممشوقة ونظراته المتأملة وسحنته الهادئة، وكلامه المنساب بعذوبة، ولكن، إن حدث خرق لهذه النواميس أو احداها أو حتى جزء منها تثور ثائرته ويحتج ببرهانه حتى يعيد الحق الى نصابه ويحافظ على نواميس مملكته وهذا ما حدى بزملائه أن يصفوه بحدة الطبع وتعكر المزاج أحياناً.

عندما يجلس على مكتبه حتى يتناول لفافة تبغ يشعلها بوجعه فتتعالى منها صيحات الدخان، تساعده على هدوء أعصابه في وقت لا راحة فيه أبدا في بلد مثل العراق، فكان أن أثرت فيه سنوات الهم والألم والمعاناة، وتركت آثارها على سحنته وانسربت بداخله لتستقر بقلبه وتعيش في وجدانه، ولما لم يتمكن هذا القلب من حمل هذا الضيم، بدأ يتضخم ليتسع أكثر فأكثر مزيدا من الهم والقلق حتى اصابه بالعجز وما صاحبه من مضاعفات طيلة الخمسين عاماً، منذ فترة تشكل الوعي في حياته التي عاشها وحمل همومها وصدماتها وعللها وهفواتها وانتكاساتها وآلامها ومآلاتها، فقد كتب على الفقيد أن يحمل هموم بلده وأمته زهاء خمسة آلاف سنة منذ عصر التدوين حتى يوم وفاته يوم الأربعاء السابع من كانون الأول/ ديسمبر من العام (2016) وهو يرقد على فراشه في حي الميثاق شرقي مدينة الموصل، وسجلت وفاته في مستشفى السلام التعليمي في اليوم التالي بسبب ظروف الحرب القاسية التي عاشتها المدينة وعاشها كل فرد منا حتى حفرت ذكراها في خيالاتنا وصادرت أحلامنا.

كان آخر مرة التقيت به قبل وفاته بشهرين حيث سألته عن مسألة خلافية في تاريخ العراق المعاصرــ وما أكثر هذه المسائل في تاريخ هذا البلد ــ فكان أن زودني بتفصيل دقيق لمفردات الحادثة ورجالاتها وأصولهم وتوجهاتهم وأهدافهم ودوافعهم بالتفصيل الماتع، وكأني أقف أمام مخرج متمرس يصور لي المشاهد عبر شريط سينمائي، وبالرغم من معاناته الشديدة لقلبه المريض لم يترك شاردة ولا واردة في المسألة الا وحكاها بدقة، وقد كان من المقترح أن اجري معه حواراً مفصلا عن فكرة نهاية التاريخ لهيجل والتي طرحها فرانسز فوكوياما في كتابه الذي حمل نفس العنوان، وموقعنا نحن من هذه الفرضية، الا أني لاحظت ان حالته لا تسمح بعد أن اشتد المرض عليه في السنوات الخمس الأخيرة وما صاحبه من ظروف صعبة حيث لا عناية قلبية ولا مستشفيات متخصصة ولا علاجات حديثة… ولا… ولا…

وقد صدقت نبوءته في قصيدة خطها بيده قبل اكثر من أربعين سنة بعنوان “من لغة الخبز والحرب”، عندما قال فيها:

لبسَ الحلمُ…

ردائي

وأقتسم الساعةَ جِلدي…

يدعوني،

أن أرصدَ حُباً،

يتلألأُ في موتي.

حدَّثَ همساً…

عن أبعادٍ أربع

أبعادُ القلبِ،

          وآلهة الخبزِ،

          وآلهة الحربِ،

وموت الحريّة.

ومازالت آلهة الخبز تجتر جوعنا وآلهة الحرب تجتر أجسادنا برسل الموت في كل لحظة حتى غدا احدنا يعيش لحظته بالصدفة.

عندما تقف مع شخص مثل الأستاذ الدكتور غانم الحفو فأنك تقف مع رجل موسوعة في التاريخ والسياسة والأدب، يتكلم العربية ويكتب بها ويؤلف بطلاقة حتى أنه يراعي الحركات وعلامات التنقيط في نصوصه بالرغم من أن دراسته كانت باللغة الفرنسية، كما لديه طريقة خاصة برسم العبارات والجمل في قصائده حتى انه يصور لك الفكرة قبل أن تلد، يضاف إلى ذلك موسيقى لونية لقصائده مليئة بالانزياحات الدلالية والتضادات والمترادفات والمشتركات اللفظية تزخرف القصائد كما تشكل صوراً شعرية فكرية قبل أن تكون عاطفية.

الشاعر غانم محمد محمود الحفو، مواليد الموصل محلة باب العراق 1946? عمل مدرساً في المدارس الثانوية لمحافظة نينوى، ثم انتقل للعمل في جامعة الموصل بعد حصوله على الماستر والدكتوراه في تاريخ العراق الحديث والمعاصر من جامعة بواتييه الفرنسية عام 1981? وتدرج في المناصب العلمية حتى وصل إلى مرتبة استاذ عام 1996? واحيل إلى التقاعد عام 2012? توفي يرحمه الله بعجز القلب سنة 1916.

صدر له:

–           “اشارة عادية إلى مملكة الألوان”، ديوان شعر عام 1976.

–           “البحر والكلمات”، ديوان شعر عام 2022.

–           “بصمات النهر الصامت”، ديوان شعر عام 2022.

–           ولديه العشرات من الكتب والبحوث في حقلي السياسة والتاريخ والاعلام، كما لديه كتاب خواطر مخطوط وكذلك ديوان شعر رابع.

مشاركة