عيد – ليلى عبدالواحد المرّاني

1565

قصة قصيرة

عيد – ليلى عبدالواحد المرّاني

لملمت شتاتها، غربتها، ووحدتها وقرّرت أن تخرج من تلك العزلة التي

فرضتها على نفسها منذ أكثر من عام، اليوم عيد ميلادها، بأسىً ولوعةٍ تذكّرت عائلتها المشتّتة، أعياد ميلادها السابقة، لمّة الأهل والأصدقاء… الشموع والبالونات، والهدايا الجميلة، وأجملها قبلاتهم الدافئة وأمنياتهم لها بالسعادة وأطفال يملؤون حياتها، وبقيت أمنيات

معلّقة!

— سأحتفل بعيد ميلادي لوحدي يا أخوتي، ولكنكم ستكونون معي…

تحسّست النقود القليلة التي استطاعت أن تقتطعها من مصروفها الشهري

الذي تتلقّاه إعانةً من البلد الذي استضافها لاجئة تبحث عن الأمان والاستقرار

— سأشتري ثوباً بسيطاً وشمعةً واحدة وبالوناً واحد وأحتفل مع أم

علي…

كان عليها أن تأخذ الباص من الكامب الذي يأويها ومئات المهاجرين

من دول مختلفة، والذي يقع وسط غابة كثيفة، يقال أنه كان مصحّاً لمرضى السلّ الرئوي، الباص مخصص للمهاجرين مجاناً إلى أقرب مدينة صغيرة. لم تكن لديها صديقة تشاركها همومها أو فرحتها سوى أم علي، امرأة مسنّة من بلدها، لم تفهم كيف وصلت هذه المرأة بسنيّ عمرها الستّينَ

إلى هذا البلد الذي يقع في أقصى المعمورة، بعباءتها ونعالها… وطيبة تصل حدّ السذاجة حين تسألها سوسن،” كيف وصلت، ومن كان معك؟ “

تضحك، ” كان الله معي والمصحف الصغير الذي أحمله تحت ثيابي…”

ثم تغصّ بعبرتها، وتشهق بدموعها، ” كنت أريد أن أصل لابني الوحيد الذي يعيش في الطرف الآخر… ولكنها إرادة الله…”، وتمسح دموعها بطرف فوطتها..

ويتمتم صوت سوسن باكياً هو الآخر،” إنها إرادة المهربين ياخالتي..

انا مثلك، أهلي في طرف من العالم، وأنا في الطرف الآخر..”

أخذت تسير ببطء في الشارع التجاري الوحيد في تلك المدينة، تنظر

بتمعّن إلى المحلات التي تزهو ببضاعتها وأنوارها والموسيقا الهادئة التي تنبعث من هنا وهناك، الملابس رائعة وأسعارها مرتفعة.. تنظر إلى الوجوه البيضاء المتورّدة، وتتحسّس وجهها الذي أصبح يحاكي قطعة إسفنجية متيبّسة، دخلت محلاً صغيراً، تبدو أسعاره معقولةً لحدّ ما،

وقفت عند الباب في انتظار أن تنتهي زبونة شقراء تتعلّق بثوبها طفلة مشعّة بألوان قوس قزح، التفتت الصغيرة إليها، ولدهشتها، بكت والتصقت بأمها، التفتت الشقراء والبائعة إليها، ذهلت سوسن، وأخذت توزّع نظراتها بين المرأتين والطفلة، وتتساءل، ما الذي حدث!..

خرجت مسرعةً، وعلى أول مصطبة صادفتها ارتمت، تلهث خجلاً وضياعاً، ودموع ساخنة تغسل وجهها.. تفحّصت فستانها الذي ترتديه منذ عام، وحذاءها الذي استحال لونه إلى تراب، تلمّست شعرها ووجهها، ما الذي أثار خوف الصغيرة وبكاءها؟ هل كانت تبدو متسوّلة أو غجريّة تختطف الأطفال بثيابها الرثّة وشعرها الأسود الطويل، وبشرتها الداكنة..

— أنت أجمل المعلّمات ست سوسن، وأكثرهن أناقةً.. قالت لها إحدى تلميذاتها يوماً وهي تقدّم لها وردةً حمراء، وتتشمّم عطرها (الشانيل)، ضحكت وربتت على خدّها وقبّلتها..

— لماذا تصرّين أن تأخذي الصف الأول، كيف تتحملين ضجيج هؤلاء الصغار

وعبثهم؟ سألتها صديقتها يوماً

— أحبّهم، هم لا يزالون ملائكة أبرياء لم تعكّر الحياة نقاءهم بعد،

هم يا صديقتي غرس جديد في دور النمو، يحتاج إلى رعاية خاصة، ثم، أنا أحبّ ثرثرتهم وضحكاتهم البريئة، وأحياناً كثيرة أشاركهم ألعابهم وأعود إلى طفولتي البريئة..

حلّقت ذاكرتها تطوي مسافات لا حدود لها.. إلى تلك البناية القديمة

في زقاق ضيّق يخترقه جدول من المياه الآسنة التي تقذف بها بيوت متداعية تتّكئ على بعضها، تضمّ عوائل كبيرة يسحقها الجوع والمرض، هي المدرسة التي يأتيها أطفال منتفخو البطون، شاحبو الوجوه، لكنهم يتقافزون ويكركرون كعصافير صغيرة.. أحبّتهم حبّها لأمومة حرمت منها، “

نادوني ماما بدل ست سوسن، فأنتم أولادي الصغار..”

بعضهم كان يهديها ورد الدفلى الذابلة، تفرح بها وتقبّلهم شاكرة..

” لماذا بكت الشقراء الصغيرة؟ “، ما يزال السؤال يدوّي في رأسها،

” لست بهذا الضعف، لا أزال أنا، الست سوسن، ولا تزال مسحة جمال في وجهي، وشعري فاحم طويل! “

استجمعت نفسها وشتات أفكارها، وعادت إلى المحل، استقبلتها البائعة

بابتسامة صغيرة مصطنعة، لم تعرها اهتماما، طافت نظراتها متفحّصةً الفساتين، تحسست محفظتها من جديد، لن يكفي ما لديها لشراء أبسطها وأقلها سعراً، البلوزات، الأكسسوارات.. لا لن يكفي، تناولت شالاً أحمر تزيّنه ورود بيضاء..

— هل هو هديّة..؟ سألتها البائعة

لم تفهم مغزى السؤال..

— لو كان هدّية، فسأغلّفه لك بغلاف هدايا جميل..

بدون تردد وبفرح غامر هتفت..

— نعم .. نعم هو هدّية لصديقتي سوسن.. اليوم عيد ميلادها..!

مشاركة