عن الرواية والجوائز وسر الإبداع – علي خيون

367

عن الرواية والجوائز وسر الإبداع – علي خيون

كلما التقيت روائياً من جيل سابق، حدثني عن الإحباط الذي يشعر به جراء مايحصل من ارهاصات غامضة سببها المسابقات الأدبية وخاصة “البوكر العربية” الجائزة الأكثر شهرة اليوم. كنت ماهراً في الإقناع ورفع المعنويات، فالنصيحة حاضرة، وهي أنك ــ يامحدثي ــ بالخيار، بين أن تجرب “حظك” فتشارك، أو تصبر وتتكل على ناقد منصف يعرّف بأدبك أو يقول كلمته فيك ليتابعك القراء بعيداً عن ضجيج الجوائز ومشكلاتها، من دون أن تملأ قلبك بالحقد والحسد على من يحصدون المال والشهرة في غضون أسبوع، وحجتك أن بعضهم في سن أولادك و أحفادك، أو أنهم مجهولون لديك، طلعوا فجأة وكأنهم لم يكتبوا روايات أدبية جيدة، بل فركوا مصباح علاء الدين السحري فحقق لهم المعجزات.  أنصحك بأن لا تحقد عليهم وبارك لهم، لأنهم ببساطة  فازوا على “قائمة” مرشحة طويلة أو قصيرة، وليسوا أفضل الكتاب العرب ممن يعملون بصمت وتواضع، وقد لايشاركون في تلك المسابقات لفلسفة خاصة بهم، ولو أمتد العمر بالطيب صالح أو جبرا ابراهيم جبرا أو عبد الرحمن منيف لما شاركوا في تلك المسابقات لأنهم يصلحون للتحكيم لا للمنافسة مع غيرهم.

سألني محدثي في شك وريبة:

ـــ وهل تعتقد أن النقد الأدبي في حضوره الشحيح اليوم يمتلك  القدرة على تقديمنا الى العالم؟

 قلت له صادقاً:

ــــ نعم، شرط أن تكون الفكرة التي تطرحها جديدة ومبدعة،  فهي قادرة على أن تقدمك الى العالم بكل تأكيد. والدليل، أننا قبل زمن المسابقات، قرأنا روايات بقيت خالدة في أذهاننا عصية على النسيان، لأنها كانت “طفرات” مبدعة على صعيد  المضمون والبناء الروائي ولم تكن قد شاركت في أية مسابقة،  نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: زوربا اليوناني، الساعة الخامسة والعشرون، الشيخ والبحر، صمت البحر، الأخوة كرامازوف، مدام بوفاري، أنا كارنينا، اللص والكلاب، موسم الهجرة الى الشمال، السفينة، النهايات وغيرها، وأرجو أن تلاحظ “ثقافة الأقلام” التي أبدعتها. إنها، باختصار، عملية العثور على نص ينحو منحاً التجريب المبدع،  فيثير دهشة الناقد والقارئ معاً، ويؤسس لنهج جديد قد يحشد حوله الكثير من المعجبين والاتباع من دون دعاية مفتعلة سرعان ما تزول. والحق، إن بعض الروايات الفائزة اليوم، تنطوي على تلك الفكرة المبدعة التي أتحدث عنا، على سبيل المثال،  تضمنت  رواية  ” بريد الليل” الصادرة عن دار الآداب، فكرة متميزة في بناء جديد، التي فازت في آخر دورة للبوكر العربي. أعجبتني فكرتها كثيراً، لذلك لم أفاجأ بفوزها وكنت أول من هنأ الكاتبة، التي رافق فوزها لغط عالي مبعثه المنافسة والحسد، لكن الحقيقة، هي أن  هدى بركات انتجت نصاً  صعباً لا يستطيع كاتب كسول أو عجول انجازه، على قصره، إن لم يكن يعيش حالة من الوحشة والوحدة ترتفع به الى تخيل حيوات قاسية معتمة لأشخاص معلقين بين الأرض والسماء في محنة يصعب على بشر سوي أن يطيق أعباءها، حتى أنني قلت لبعض أصدقائي على سبيل المزاح: إن الجائزة أُعطيت لهؤلاء البؤساء وتسلمتها نيابة عنهم هدى بركات. قم بتلخيص فكرة الرواية لصديقك، وستجد أنه سيدهش لبراعة الفكرة، أشخاص يكتبون رسائل تتضمن هموماً ثقيلة ثم لاتصل.  لقد قيل الكثير عن الأسس النفسية للإبداع، وكتب علماء النفس  في التفسير النفسي للأدب، وقالوا إن سر الإبداع يتجلى واضحاً حين يتخفف الكاتب من توتراته النفسية عن طريق أعماله، فيأتي بالشيء العجيب المبهر. واتهم عالم النفس “برجلر” الروائي بأنه عصابي، بينما تحدث “فرويد” عن لذة الروائي في الإبداع. وأرى أن السر يكمن في “ثقافة” الكاتب ورهافة حسه وصدق موهبته، وهو مايفسر لنا شهرة تلك الروايات التي ذكرت بعضها آنفاً، تلك التي سحرتنا بروعتها فبقيت خالدة تطبع كل عام.  ألا ترى أن هذه الروايات اشتهرت من دون مسابقة ولا جائزة؟  ليس هذا فحسب، بل أن أحدهم وقد فاز بجائزة “نوبل”، انتقد نفسه بشدة لفرط ثقته بنفسه، وأعني به الروائي “غابرييل غارسيا ماركيز”،  الذي قال عن روايته “مائة عام من العزلة”، بشجاعة وثقة منقطعة النظير:

ـــ ” يؤلمني أن أحداً من النقاد، لم يشر الى واحدة من التناقضات الاثنتين والأربعين التي اكتشفتها شخصياً بعد أن نشرت الكتاب. لم يذكر ناقد خطأ واحداً من الأخطاء التي ذكرها لي مترجمي الإيطالي، والتي يجب ألا أصححها في الطبعات الجديدة أو الترجمات، لأن ذلك عمل غير نزيه”.  ولم يهاجم صديقه الروائي  “ميغيل أنخيل استورياس” صاحب رواية ” السيد الرئيس”، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1967 حينما قال:

ــــ ” لم تعجبني إطلاقاً مائة عام من العزلة، فهي مليئة بالتكرار، ثقيلة الظل، هذا الصبي ماركيز مؤلف أمثال كبير”.

لماذا تصرف  ماركيز بهذه الثقة؟ لأنه ببساطة يعلم أنه عثر على فكرة هائلة جديدة كل الجدة، فكرة قرية تشغل المساحة القصصية كلها تسمى “ماكوندو” تبدأ الرواية منذ تأسيسها وتنتهي بدمارها الشامل، تنمو ثم تزول، وهي بهذا قابلة للتفسيرات الفلسفية عن الحياة أو الحضارة، فضلاً عن بعدها السحري أو الأسطوري.

مشاركة