عن الذين ألقت بهم السياسة على شواطئ الصحافة 19 – عكاب سالم الطاهر

ekab

 أجراس الذاكرة

عن الذين ألقت بهم السياسة على شواطئ الصحافة    19 – عكاب سالم الطاهر

كتبنا الكثير عن الصحف العلنية. كتبت البحوث والاطاريح والادلة عن تلك الصحف. ولكن كتب عن الصحف السرية في العراق، على نطاق محدود جداً. وربما لا تتعسف اذا قلنا: لم يكتب عن تلك الصحف بتاتاً. وتلك ثغرة لا يستهان بتأثيراتها في ميدان التوثيق الاعلامي في العراق.

وسائل تحريض وتعبئة

ونقول: انها ثغرة غير مقبولة، لاسباب عديدة، في مقدمتها:

اولاً: ان تلك الصحف السرية (ونعني بها الصادرة من جهات تعمل تحت الارض)، وسائل تحريض وتعبئة لذلك كان الحكام يخشونها. عليه: اسهمت تلك الصحف في النشاط المناهض للحكام.

ثانياً: ان اسماء صحفية واعلامية تصدرت المشهد الاعلامي العراقي، كانت قد مارست العمل الصحفي تحت الارض، اي عملت في الصحف السرية. والاسماء عديدة منها: عبد الجبار وهبي، وعزيز الحاج، ومعاذ عبد الرحيم وحسان علي البازركان. على سبيل المثال. تقدمت هذه الرموز قادمة من كيانات سياسية، نحو العمل في صحافة تحريضية وتعبوية سرية. وبوضوح اكثر نقول: ان امواج التحريض السياسي المتلاطمة، حملت تلك الشخصيات والقت بهم على شواطئ الصحافة وكان عملهم صعباً جداً: تحت الارض، وتحت ضغط القلق من ملاحقة الاجهزة القمعية لهم. ورغم ذلك اعطوا عطاء متميزاً على الصعيدين: السياسي والصحفي.

تحريضيون دائماً

وعندما حان وقت العمل الاعلامي العلني، خرج اولئك الصحفيون من تحت الارض الى سطحها. لكن بعضهم، ان لم نقل جميعهم، استمروا بممارسة الاسلوب التحريضي لفترة غير قصيرة. الا ان متطلبات العمل الايجابي ضغطت عليهم باتجاه مغادرة التحريض والمعارضة السلبية.

نموذجان

من هذه الصحف السرية، جريدة (القاعدة) الجريدة المركزية للشيوعيين، فيما كانت جريدة (راية الشغيلة) الجريدة السرية الناطقة باسم الشيوعيين المنشقين. كان ذلك عام 1953. وعندما اتحد التنظيمان، اصدر الشيوعيون جريدة جديدة حملت اسم (اتحاد الشعب). كانت سرية في حينها. الا انها صدرت علنية مطلع عام 1959.

اما البعثيون فقد اصدروا جريدة داخلية سرية، عام 1953، حملت اسم (العربي الجديد). وعام 1956، اصدروا جريدة سرية جديدة حملت ايم: (الاشتراكي). وكان السيد معاذ عبد الرحيم هو طباع هذه الجريدة.

الضائعون

وبلاحظ ان البعثيين لم يصدروا جريدة علنية، باسم (الاشتراكي)، بل اصدروا عام 1963 جريدة (الجماهير). وعام 1968، اصدروا جريدة (الثورة).

وفي النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي (قبل 14 تموز 1958) كنت احصل على جريدة (الاشتراكي) واقرأ ما كان ينشر فيها. وتفيد بعض ملفات ذاكرتي: في احد اعداد هذه الجريدة، قرات خاطرة بعنوان (الضائعون) ومما حفظته منها النص التالي: (الضائعون في زوايا المدينة، اذا خلت الشوارع، وختت الاضواء، خرجوا من الغرف الرطبة، ومن الزوايا المظلمة، يبحثون عن كلمة ويتطلعون الى ابتسامة..) تأثرت بهذا النص وحفظته، وعام 1974، كان الاعلامي محمد جاسم الامين يقيم دعوة عشاء في بيته المطل على تقاطع شارع فلسطين (المجسر) قرب الجامعة المستنصرية، وعلى شرف التربوي العروبي كريم شنتاف وكنت ضمن الحضور. ولست ادري لم رددت هذا المقطع عندها سألني (ابو مها). فذكرت له المصدر. فقال امام الحاضرين انه كاتب هذه الخاطرة في جريدة (الاشتراكي) اذ كان المسؤول عن تحريرها، رغم انها كانت تصدر سرية.