عن أزمة الثقافة الغربية في زمن كورونا

537

د. سعد غالب ياسين

يقول‭ ‬المفكر‭ ‬المغربي‭ ‬عبد‭ ‬السلام‭ ‬بنعبد‭ ‬العالي‮»‬‭ ‬تروي‭ ‬الحكاية‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬والكذب‭ ‬ألتقيا‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭. ‬قال‭ ‬الكذب‭ ‬يوم‭ ‬جميل‭ ‬فردت‭ ‬الحقيقة‭ ‬موافقة‭ ‬بالفعل‭ ‬يوم‭ ‬جميل‭. ‬النهر‭ ‬أجمل‭ ‬أضاف‭ ‬الكذب‭ ‬مبتسما‭,‬‭ ‬وجهت‭ ‬الحقيقة‭ ‬نظرها‭ ‬نحو‭ ‬النهر‭ ‬فتبين‭ ‬أن‭ ‬الكذب‭ ‬قد‭ ‬قال‭ ‬صدقا‭ . ‬أسرع‭ ‬الكذب‭ ‬نحو‭ ‬الماء‭. ‬الماء‭ ‬دافئ‭ ‬هيا‭ ‬نسبح‭. ‬لامست‭ ‬الحقيقة‭ ‬الماء‭ ‬ووضعت‭ ‬ثقتها‭ ‬بالكذب‭. ‬خلع‭ ‬الاثنان‭ ‬ثيابهما‭ ‬واصبحا‭ ‬يسبحان‭. ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬خرج‭ ‬الكذب‭ ‬مسرعا‭ ‬ولبس‭ ‬ثياب‭ ‬الحقيقة‭ ‬وانصرف‭. ‬أما‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬أرتداء‭ ‬الملابس‭ ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬تمشي‭ ‬عارية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ملابس‭ . ‬أبتعد‭ ‬الجميع‭ ‬عنها‭ ‬حين‭ ‬رأوها‭ ‬عارية‭ ‬ومن‭ ‬شدة‭ ‬حزنها‭ ‬وهجرانها‭ ‬لاذت‭ ‬الى‭ ‬قعر‭ ‬بئر‭ ‬كي‭ ‬تتستر‭ ‬ومن‭ ‬يومها‭ ‬أخذ‭ ‬الناس‭ ‬يفضلون‭ ‬الكذب‭ ‬المقنع‭ ‬بلباس‭ ‬الحقيقة‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬العارية‮»‬‭.‬

أنتهت‭ ‬الحكاية‭ ‬وتبدأ‭ ‬حكايتنا‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬وخطابها‭ ‬الكاذب‭.‬

بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬لايفضل‭ ‬الناس‭ ‬الكذب‭ ‬المقنع‭ ‬بلباس‭ ‬الحقيقة‭ ‬الا‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬هؤلاء‭ ‬ضحايا‭ ‬التضليل‭ ‬والتلاعب‭ ‬والاوهام‭ ‬بشتى‭ ‬صنوفها‭ ‬واسبابها‭. ‬النخب‭ ‬المتواطئة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفضل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التضليل‭ ‬الكاذب‭ ‬المثقل‭ ‬بمعلومات‭ ‬جاهزة‭ ‬لاتخضع‭ ‬ولايجوز‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تخضع‭ ‬لمنطق‭ ‬التكذيب‭ ( ‬وهوفي‭ ‬الواقع‭ ‬منطق‭ ‬العلم‭ ‬الحديث‭).‬

في‭ ‬زمن‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭ ‬أكتشفنا‭ ‬زعامات‭ ‬دول‭ ‬عظمى‭ ‬تقدم‭ ‬خطابا‭ ‬ينطق‭ ‬بالتفاهة‭ ‬ويتجافى‭ ‬عن‭ ‬وقار‭ ‬الصدق‭ ‬ليقيم‭ ‬علاقة‭ ‬ملتبسة‭ ‬مع‭ ‬المتلقي‭ ‬للخطاب‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬التكافئ‭ ‬والمساواة‭. ‬ألم‭ ‬نسمع‭ ‬خطابات‭ ‬تشكك‭ ‬في‭ ‬خطورة‭ ‬الوباء‭ ‬أو‭ ‬تدعو‭ ‬الى‭ ‬الحل‭ ‬الانجع‭ ‬خيار‭ ‬مناعة‭ ‬القطيع‭ ‬أو‭ ‬تتولى‭ ‬الترويج‭ ‬لهوية‭ ‬قومية‭ ‬للفيروس‭ ‬وتقترح‭ ‬معالجة‭ ‬المرضى‭ ‬والمخالطين‭ ‬بحقن‭ ‬المطهرات‭. ‬ألم‭ ‬نسمع‭ ‬ونرى‭ ‬خطابا‭ ‬شعبويا‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الثقافات‭ ‬الغربية‭  ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تقريبا‭ ‬ينطق‭ ‬بالتفاهة‭  ‬ويصادر‭ ‬العقل‭ ‬العلمي‭ ‬الوقور‭ ‬المتزن‭  ‬الذي‭ ‬يقف‭ ‬على‭ ‬الهامش‭ ‬في‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الصحفية‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ (‬الفرجة‭) ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬خطاب‭ ‬سياسي‭ ‬واعلامي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬تقريبا‭.‬

أن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مشهد‭ ‬أعلامي‭ ‬هو‭ ‬التضليل‭ ‬والتلاعب‭ ‬بالمتلقي‭ ‬مع‭ ‬تواطئ‭ ‬النخب‭ ‬التي‭ ‬تحوم‭ ‬حول‭ ‬المشهد‭ ‬وترسم‭ ‬تنويعاته‭ ‬وظلاله‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ( ‬آلان‭ ‬دونو‭) ‬يتحدث‭ ‬بألم‭ ‬عن‭ ‬نظام‭ ‬التفاهة‭ ‬الذي‭ ‬أنتجته‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬والاعلامي‭ ‬والرقمي‭  ‬وليقول‭ ‬بوجع‭ ‬أن‭ ‬للتفاهة‭ ‬فرصا‭ ‬أفضل‭ ‬للنجاح‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يتكرر‭ ‬مشهد‭ ‬الفرجة‭ ‬للعالم‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬والتواصل‭ ‬الرقمي‭ ‬يبدو‭ ‬الخطاب‭ ‬الكاذب‭ ‬ممارسة‭ ‬كلامية‭ ‬ترتكز‭ ‬على‭ (‬ألأنا‭) ‬وتدور‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬مصلحة‭ ‬ألأنا‭ ‬السياسي‭ ‬فقط‭.‬

خطاب‭ ‬يستعمل‭ ‬الصوت‭ ‬والصورة‭ ‬والكلمة‭ ‬باتقان‭ ‬رقمي‭ ‬لان‭ ‬ألأنا‭ ‬هي‭ ‬نقطة‭ ‬تلاقي‭ ‬النظرات‭ ‬ولحظة‭ ‬أنكاس‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬ألأنا‭. ‬ألأنا‭ ‬هي‭ ‬عنوان‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الاعلامي‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬كورونا‭ ‬فهي‭ ‬المنتج‭ ‬الثقافي‭ ‬وموضوع‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والتسويق‭ ‬الترويجي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ( ‬ذات‭ ‬السياسي‭) ‬الى‭  ‬حد‭ ‬الاشباع‭ ‬فيرى‭ ‬رغباته‭ ‬مصنوعة‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬قرارات‭ ‬أو‭ ‬أدوية‭ ‬مفترضة‭ ‬أو‭ ‬تهويمات‭ .‬

ليس‭ ‬مهما‭ ‬مضمون‭ ‬المحتوى‭,‬‭ ‬صدقه‭ ‬أو‭ ‬صوابه‭ ‬المهم‭ ‬تصنيع‭ ‬رغبات‭ (‬ألأنا‭) ‬وتسويقها‭ ‬وسط‭ ‬المريدين‭ ‬والناخبين‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬ان‭ ‬يبدو‭ ‬المحتوى‭  ‬صادقا‭ ‬ولامعقولا‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تافها‭ . ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬الاثر‭ ‬المطلوب‭ ‬وسط‭ ‬هولاء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الدور‭ ‬التلقيني‭ ‬للخطاب‭ ‬الكاذب‭. ‬

بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬شخصيا‭ ‬لايهمني‭ ‬الذات‭ ‬المتعالية‭ ‬للفاعل‭ ‬السياسي‭ ‬تحديدا‭ ‬ولست‭ ‬معنيا‭ ‬بالاشخاص‭ ‬ولاأرضى‭ ‬بماقاله‭ ‬جورج‭ ‬أورويل‭ ‬عندما‭ ‬وصف‭ ‬شخصية‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬له‭ ‬‮«‬‭ ‬مجرد‭ ‬شخصية‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬أوبرا‭ ‬هزلية‭ ‬لايستحق‭ ‬أن‭ ‬يؤخذ‭ ‬بجدية‭ ‬لان‭ ‬لديه‭ ‬كراهية‭ ‬لاتقهر‭ ‬أتجاه‭ ‬الاخر‮»‬‭. ‬

ماهو‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬الاشخاص‭ ‬الثقافات‭ ‬التي‭ ‬أنتجتهم‭ ‬والتي‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬أنتاجهم‭ ‬والمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬أفرزتهم‭ ‬واللحظة‭ ‬المفصلية‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬بهم‭ ‬الى‭ ‬الصدارة‭ ‬أذ‭ ‬لايمكن‭ ‬تصور‭ ‬ظهور‭ ‬قيادات‭ ‬مأزومة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ثقافات‭ ‬ومجتمعات‭ ‬مأزومة‭ ‬في‭ ‬أعماقها‭ ‬و‭ ‬قيمها‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬قوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنلوجية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والابتكارية‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬العلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬والتكنلوجيا‭ ‬الحديثة‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭  ‬ممارسة‭ ‬الكذب‭ ‬السياسي‭ ‬والتضليل‭ ‬والتلاعب‭ ‬وغياب‭ ‬البصيرة‭ ‬والحكمة‭ ‬أمور‭ ‬لاتليق‭ ‬بزعامات‭ ‬دول‭ ‬كبرى‭,‬‭ ‬لاتليق‭ ‬بامم‭ ‬عظيمة‭ ‬ذات‭ ‬أرث‭ ‬تاريخي‭ ‬كبير‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬المضلل‭ ‬والمتكرر‭ ‬في‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬غربية‭ ‬تقريبا‭ ‬انما‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬ايضا‭ ‬مرض‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬وثقافاتها‭ ‬ويكشف‭ ‬لنا‭ ‬قطيعة‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬عن‭ ‬منابعها‭ ‬الصافية‭ ‬وعصور‭ ‬نهضتها‭ ‬وأنوارها‭.‬

من‭ ‬يتابع‭ ‬المشهد‭ ‬الاعلامي‭ ‬سيرى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الصحفية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬تبدو‭ ‬تلقينا‭ ‬قابلا‭ ‬للنقل‭ ‬الى‭ ‬نسق‭ ‬من‭ ‬ترسيمات‭ ‬أدراك‭ ‬وتقدير‭ ‬فعل‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬المكانة‭ ‬السياسية‭ ‬وسط‭ ‬الناخبين‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تواطئ‭ ‬النخب‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬صورة‭ ‬المشهد‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬رغبتهم‭ ‬الشديدة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬غواية‭ ‬السلطة‭.‬أي‭ ‬ببساطة‭ ‬تتطلب‭ ‬المنفعة‭ ‬الشخصية‭ ‬قبول‭ ‬الكذب‭ ‬وتزييف‭ ‬الحقائق‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مكتسباتهم‭ ‬ووظائفهم‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬يفقودوها‭ ‬بارسال‭ ‬تغريدات‭ ‬عنهم‭ ‬الى‭ ‬موقع‭ ‬تويتر‭.‬

أن‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬المضلل‭ ‬والكاذب‭ ‬قد‭ ‬يعرض‭ ‬لنا‭ ‬بعض‭ ‬الحقائق‭ ‬الصحيحة‭ ‬اجتماعيا‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وسياسيا‭ ‬لكنها‭ ‬تبقى‭ ‬حقائق‭ ‬مبتسرة‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬الى‭ ‬نتائج‭ ‬زائفة‭ ‬لاتقبل‭ ‬التكذيب‭.‬

‭ ‬أنه‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الكذب‭ ‬الذي‭ ‬يلبس‭ ‬لباس‭ ‬قناع‭ ‬الحقيقة‭ ‬وبرقع‭ ‬التعقل‭. ‬الكذب‭ ‬الذي‭ ‬يلبس‭ ‬لباس‭ ‬الحقيقة‭ ‬شبيه‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬بما‭ ‬يرتديه‭ ‬الممثل‭ ‬على‭ ‬المسرح‭. ‬القناع‭ ‬الكاذب‭ ‬وسيلة‭ ‬لاخفاء‭ ‬الحقيقة‭ ‬‭,‬حقيقة‭ ‬الشخص‭ ‬وحقيقة‭ ‬الواقع‭.‬

لقد‭ ‬أستخدم‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬السويسري‭ ( ‬كارل‭ ‬كوستاف‭ ‬يونغ‭) ‬مفهوم‭ ‬القناع‭ ‬ليصف‭ ‬الوجه‭ ‬الذي‭ ‬يخاطب‭ ‬به‭ ‬الانسان‭ ‬المجتمع‭. ‬وكلما‭ ‬كان‭ ‬تاثير‭ ‬القناع‭ ‬قليلا‭ ‬كلما‭ ‬كانت‭ ‬الغلبة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الذات‭ ‬أكثر‭ ‬وابتعد‭ ‬المرء‭ ‬عن‭ ‬تحقيق‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬القناع‭ ‬فقط‭.‬

هذا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬اما‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬المعاصرة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬القناع‭ ‬الكاذب‭ ‬مجرد‭ ‬تسوية‭ ‬بين‭ ‬المرء‭ ‬ومجتمعه‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عنف‭ ‬رمزي‭ ‬اتجاه‭ ‬المجتمع‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬تواطئ‭ ‬الضحايا‭. ‬عنف‭ ‬رمزي‭ ‬اتجاه‭ ‬المجتمع‭ ‬وثقافته‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬ميراثا‭ ‬حسب‭ ‬بل‭ ‬لان‭ ‬الثقافة‭  ‬فضاء‭ ‬الذاكرة‭ ‬والوجدان‭ ‬الجمعي‭ ‬والحكايات‭ ‬والقصص‭ ‬ومدونات‭ ‬العقل‭ ‬والوجدان‭ ‬الانساني‭.‬

‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الثقافة‭ ‬الغربية‭ ‬كما‭ ‬تجلت‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬تاريخها‭ ‬السابق‭ ‬منذ‭ ‬بواكير‭ ‬عصر‭ ‬النهضة‭  ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬ثنائيات‭ ‬الصدق‭ ‬والكذب‭ ‬‭,‬الارادة‭ ‬والقوة‭,‬‭ ‬المعنى‭ ‬واللامعنى‭ ‬‭,‬‭ ‬العقل‭ ‬والخيال‭ ‬‭,‬‭ ‬التعقل‭ ‬والجنون‭ ‬لان‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الثنائيات‭ ‬تداخلت‭ ‬واختلطت‭ ‬عناصرها‭ ‬وصورها‭ ‬وتقاربت‭ ‬مضامينها‭ ‬حتى‭ ‬التلاشي‭ .‬لم‭ ‬يعد‭ ‬للمعنى‭ ‬معنى‭ ‬يذكر‭ ‬فكل‭ ‬شيئ‭ ‬نسبي‭ ‬وآفل‭ .‬

كتب‭ ‬فيكتور‭ ‬هوجو‭ ‬في‭ ‬احدى‭ ‬قصائده‭ ‬من‭ ‬ديوان‭ ‬‮«‬‭ ‬أناشيد‭ ‬الغروب‮»‬‭ ‬كل‭ ‬شيئ‭ ‬في‭ ‬أيامنا‭ ‬هذه‭ ‬ماكان‭ ‬بصدد‭ ‬الافكار‭ ‬أو‭ ‬الاشياء‭ ‬ماكان‭ ‬يمس‭ ‬المجتمع‭ ‬أو‭ ‬الفرد‭ ‬يمثل‭ ‬غروب‭ ‬فما‭ ‬تكون‭ ‬طبيعة‭ ‬هذا‭ ‬الغروب‭ ‬؟‭ ‬ماالذي‭ ‬سوف‭ ‬ياتي‭ ‬من‭ ‬بعده؟‭ ‬نعم‭ ‬ماالذي‭ ‬سوف‭ ‬ياتي‭ ‬بعد‭ ‬اذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المستقبل‭ ‬بالوضوح‭ ‬الذي‭  ‬كنا‭ ‬نعرفه‭ ‬من‭ ‬قبل‭ . ‬نعم‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نعرف‭ ‬كيف‭ ‬سيكون‭ ‬شكل‭ ‬المستقبل‭ ‬وتحدياته‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬جبروت‭ ‬التقنيات‭ ‬وسطوة‭ ‬الانسان‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬والتلاشي‭ ‬المخيف‭ ‬للقيم‭ ‬الانسانية‭ ‬والاخلاقية‭.‬قيم‭ ‬الصدق‭ ‬والعدل‭ ‬والرحمة‭. ‬كل‭ ‬شيئ‭ ‬يأفل‭ ‬والى‭ ‬زوال‭ ‬الا‭ ‬التراكم‭ ‬العبثي‭ ‬للقوة‭ ‬المادية‭ ‬المجردة‭ ‬وسيادة‭ ‬مبدأ‭ ‬اللذة‭ ‬والاستهلاك‭.‬

الفيلسوف‭ ‬الفرنسي‭ ‬جاك‭ ‬دريدا‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬عن‭ ‬‮«‬‭ ‬تاريخ‭ ‬الكذب‮»‬‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬محاضرة‭ ‬القاها‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬نضع‭ ‬حدودا‭ ‬صارمة‭ ‬بين‭ ‬الكذب‭ ‬والخطأ‭. ‬فالكذب‭ ‬مرتبط‭ ‬بنية‭ ‬الخطاب‭ ‬وليس‭ ‬بمضمونه‭. ‬هل‭ ‬ينوي‭ ‬خداع‭ ‬الاخرين‭ ‬أم‭ ‬لا‭ ‬؟‭ ‬أذ‭ ‬بامكاننا‭ ‬ان‭ ‬نخطأ‭  ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬كذبنا‭ ‬وقد‭ ‬يحدث‭ ‬ان‭ ‬نمد‭ ‬الاخرين‭ ‬بمعلومات‭ ‬خاطئة‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬ان‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬اننا‭ ‬كذبنا‭ ‬عليهم‭. ‬الكذب‭ ‬فعل‭ ‬مقصود‭ ‬لكي‭ ‬نسمع‭ ‬الاخرين‭ ‬قولا‭ ‬أنجازيا‭ ‬أو‭ ‬معاينا‭ ‬ونحن‭ ‬نعرف‭ ‬عن‭ ‬وعي‭ ‬أنها‭ ‬ادعاءات‭ ‬كاذبة‭ ‬جزيئيا‭ ‬او‭ ‬ربما‭ ‬كليا‭. ‬فعل‭ ‬يقصد‭ ‬خداع‭ ‬الاخرين‭ ‬او‭ ‬الحاق‭ ‬الاذى‭ ‬بهم‭ ‬او‭ ‬تضليلهم‭ ‬وهو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬القديس‭ ‬أغسطين‭ ‬لايمكن‭ ‬ان‭ ‬يوجد‭ ‬كذب‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬قصد‭ ‬او‭ ‬رغبة‭ ‬أو‭ ‬ارادة‭ ‬واضحة‭ ‬للخداع‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬اكتشفنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬تقنيات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الكذب‭ ‬والتضليل‭ ‬الاعلامي‭ ‬والسياسي‭ ‬والجائحة‭ ‬ذاتها‭ ‬دشنت‭ ‬تاريخا‭ ‬جديدا‭ ‬ومرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬العالم‭.‬

هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬كانت‭ ‬ولاتزال‭ ‬حدثا‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬وبهذا‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬التاثير‭ ‬والامتداد‭ ‬وسرعة‭   ‬الانتشار‭. ‬ولانستطيع‭ ‬الان‭ ‬وربما‭ ‬الى‭ ‬وقت‭ ‬بعيد‭ ‬ان‭ ‬نعرف‭ ‬لماذا‭ ‬حدث‭ ‬الذي‭ ‬حدث‭ ‬؟‭ ‬لماذا‭ ‬حدثت‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬وماهي‭ ‬اسبابها‭ ‬الحقيقية؟

ماالعمل‭ ‬لكي‭ ‬لاتتكررفي‭ ‬المستقبل؟

واقرب‭ ‬وصف‭ ‬لهذه‭ ‬الازمة‭ ‬الكونية‭ ‬هو‭ ‬ماقاله‭ ‬جاك‭ ‬دريدا‭ ‬ايضا‭ ‬عن‭ ‬أحداث‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬‮«‬‭ ‬حدث‭ ‬للمرة‭ ‬الاولى‭ ‬وللمرة‭ ‬الاخيرة‭ ‬شيئا‭ ‬لانعرف‭ ‬كيف‭ ‬نحسن‭ ‬تعريفه‭ ‬وتحديده‭ ‬وتمييزه‭ ‬الا‭ ‬انه‭ ‬لابد‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬الان‭ ‬فصاعدا‭ ‬ان‭ ‬يظل‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬نسيانه‭ ‬فهو‭ ‬حدث‭ ‬لايمكن‭ ‬محوه‭ ‬من‭ ‬الارشيف‭ ‬المشترك‭ ‬لتاريخ‭ ‬عالمي‮»‬

بالتاكيد‭ ‬هذا‭ ‬الزلزال‭ ‬الذي‭ ‬أصابنا‭ ‬بصورة‭ ‬مباغتة‭ ‬تماما‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬نسيانه‭ ‬لاننا‭ ‬عرفنا‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬الموت‭ ‬والهلع‭ ‬وقلق‭ ‬الوجود‭. ‬وقد‭ ‬استخدمت‭ ‬أقصى‭ ‬تقنيات‭ ‬العلم‭ ‬كفاءة‭ ‬لدرء‭ ‬شر‭ ‬مالايرى‭ ‬لكنه‭ ‬استطاع‭ ‬ان‭ ‬يحطم‭ ‬برمزيته‭ ‬جبروت‭ ‬البشرية‭ ‬بقواها‭ ‬وترسانة‭ ‬اسلحتها‭ ‬ونظمها‭ ‬المادية‭ ‬وتقنياتها‭. ‬ماأفرزه‭ ‬زمن‭ ‬كورونا‭ ‬هو‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭.‬

الخوف‭ ‬من‭ ‬غياب‭ ‬العلم‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هيمنة‭ ‬ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬افرزت‭ ‬مكبوتاتها‭ ‬النسقية‭ ‬من‭ ‬الكذب‭ ‬والتضليل‭ ‬والتلاعب‭ ‬والتواطئ‭ ‬وفن‭ ‬حجب‭ ‬المعلومات‭ ‬واسكات‭ ‬الحقيقة‭ ‬عملا‭ ‬بمقولة‭ ‬فيتغينشتاين‭ ‬ان‭ ‬مالايمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عنه‭ ‬يجب‭ ‬اسكاته‭. ‬ثقافة‭ ‬تركت‭ ‬المستقبل‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬يده‭ ‬قنابل‭ ‬موقوتة‭ ‬لايعرف‭ ‬متى‭ ‬تطلق‭ ‬دقاتها‭ ‬الاخيرة‭ . ‬ثقافة‭ ‬ستظل‭ ‬تعيد‭ ‬ادارة‭ ‬لعبة‭ ‬الشطرنج‭ ‬الكارثية‭ ‬مثلما‭ ‬تعيد‭ ‬اعادة‭ ‬انتاج‭ ‬مكبوتها‭ ‬النسقي‭ ( ‬الكذب‭ ‬بلباس‭ ‬الحقيقة‭) ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬تجسر‭ ‬قطيعتها‭ ‬مع‭ ‬ذاكرتها‭ ‬التاريخية‭ ‬وانوارها‭ ‬ومع‭ ‬الحضارات‭ ‬التي‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬نهضتها‭ ‬وتقدم‭ ‬علومها‭ ‬واذا‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬اوروبا‭ ‬انغلاقها‭ ‬الذاتي‭ ‬الراهن‭ ‬ونزوع‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬الاخر‭.‬

لايجوز‭ ‬السيادة‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬باهمال‭ ‬احتياجاتها‭ ‬لان‭ ‬الطبيعة‭ ‬مخزون‭ ‬طاقة‭ ‬وثروة‭ ‬كما‭ ‬لايجوز‭ ‬ان‭ ‬تصبح‭ ‬التقنيات‭ ‬بالممارسة‭ ‬غايات‭ ‬والبشر‭ ‬وسائل‭ ‬لها‭ ‬او‭ ‬ان‭ ‬يبقى‭ ‬العلم‭ ‬لايفكر‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬هيدغر‭.‬

أما‭ ‬حالنا‭ ‬نحن‭ ‬فمثلما‭ ‬قال‭ ‬هيدغر‭ ‬ان‭ ‬العلم‭ ‬لايفكر‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬نقد‭ ‬المنهج‭ ‬العلمي‭ ‬ونواتجه‭ ‬وعلاقة‭ ‬هذه‭ ‬النواتج‭ ‬بازمات‭ ‬الحضارة‭ ‬الانسانية‭ ‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬ان‭ ‬قال‭ ‬ابو‭ ‬حامد‭ ‬الغزالي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬القسطاط‭ ‬المستقيم‭ ‬‮«‬‭ ‬أن‭ ‬المقلد‭ ‬لايصغي‮»‬‭.‬

لايصغي‭ ‬للعقل‭ ‬ولمنطق‭ ‬التقدم‭ ‬والتاريخ‭ ‬فحالنا‭ ‬مثل‭ ‬الهوامل‭ (‬الابل‭ ‬الشاردة‭) ‬العطشى‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬الاجوبة‭ ‬المنعشة‭ ‬لظمأ‭ ‬الذاكرة‭.‬وذاكرتنا‭ ‬التاريخية‭  ‬لايشفي‭ ‬ظمئها‭ ‬الا‭ ‬التجديد‭.‬

———————————

مشاركة