عندما يحترق الثلج للشاعر مهند الشاوي

502

 

عندما يحترق الثلج للشاعر مهند الشاوي

إختزال الجمال في الطبيعة والمرأة

حسيبة صنديد قنوني

الموضوع:المرأة والطبيعة واللون في شعر شاعر وفنّان تشكيلي

يحتوي الكتاب على 156ص، من الحجم المتوسط ، مقاس 15/21 صمّم الغلاف الشاعر الفنان صاحب الكتاب، صورة الغلاف تمثل لوحة فنية جميلة امتزج فيها اللون الأبيض والأصفر والأحمر والأسود ولكل لون دلالة ومعنى، نستشف منها الصفاء والنقاء و التوهج والحرارة والنبض والاحساس فضلا عن القلق والتوتّر، حسب ما جاء في القصيدة التي عنون بها كتابه (عندما يحترق الثلج) مشهد من صميم الطبيعة وجمال خلق الله رسم على متن لون أزرق لازوردي هورمز البحر والسماء والاتساع والمدى الذي يسع كل متناقضات الحياة، بقلم وريشة فنّان ملهِم وملهَم لما يشاهد ويحسّ، ولا غرابة فهو الشاعر المرهف الإحساس والفنان الموهوب الرفيع الذوق، ويا ثلج لا تحترق ويا نار كوني بردا وسلاما… كل هذه الألوان تتمحور في النصّ الشعري الحديث للشاعر مهنّد في تركيبات فنية وجرسات ايقاعية ودلالات رمزية بالتساؤل والإشارة والإيحاء شكلت لونا جديدا من الشعر النثري الحداثي المائز الذي يرتكز على خصوبة خياله وتصوّراته الواقعية وأحاسيسه الوجدانية والفكرية وأبرزت الوظيفة المتجدّدة التي أضفاها الشاعر على نصوصه، وجمعت بين جمال اللغة والصّورة والإيقاع والموسيقى والفكرة للوصول إلى شدّ القارى وإبهاره.

قصائد الشاعر

فماذا يخبّىء الشاعر من معان عن المرأة والطبيعة واللون وكذلك العشق والذات والوجود والفلسفة والتي تناولها في كتابه الموسوم (عندما يحترق الثلج)؟ عكست أغلب قصائد الشاعر تعلّقه بالطبيعة حيث امتزج بها وعدّها كالانسان يخاطبها ويلجأ إليها عند الضيق والفرح..يقول في قصيدته (هموم)

ما هذا الجمع؟

لم هذا الكم من الطيور؟

من الحمام من النوارس

ما هذه أشجار الزيتون؟

ما هذا الورد؟

ما هذا الآس؟

لمن هذاالياسمين؟

هنا يطرح الشاعر سؤالا فلسفيا: ما هذا الجمع؟ ثم يفصّل فيذكر الطيوروانواع الزهورولعلّه يقصد الحياة الزاهية المليئة بالالوان الموحية بالراحة والرواح والانشراح… انه يبحث عن عالم أكثر جمالا واشراقا من العالم الذي نعيش فيه…انه تجمّعٌ لألوان الطبيعة مع ألوان الحياة مع تجديد في المبنى…اختار أجمل الطيور: الحمام والنوارس وأجمل الأزهار:الآس والياسمين وأجمل الأشجار: الزيتون ليشكّل جملة من الألوان والمعاني، والتساؤلات والجماليات ذات الأسلوب المدهش، ولقد كان شعر الطبيعة يعدّ أحد أنماط الشعر القديم خاصّة الأندلسي وقد سمّي بهذا الاسم لأنّه جعل من الطبيعة ركيزة أساسية تبنى عليها القصائد المختلفة وتحتوي على عديد الأساليب اللغوية والتعبيرية والبنيوية …

ويتواصل الشاعر مع عناصرالطبيعة في كل خلجاته فيقول في قصيدة “كنت معي”:

مازالت الطيور تسألني

من تلك التي كانت معك

كل العصافيرتسألني من كانت معك؟

ويتماهى مع الطبيعة في نفس القصيدة لما يجد فيها من صفاء ونقاء وراحة وطمانينة وحياة فيواصل

“أحرجني السّاحل والرّمل وكل حبّات الحصى ، من كانت معك؟

البحر انتفض من تلك التي كانت معك؟ حتى الهواء يسألني من هي من كانت معك”؟

** ثمّ إن للشاعرارتباط وثيق بالمرأة في هذا الديوان ومنذ قديم الزمان كان وما زال للمرأة ارتباط بالشعر كالغزل والمدح والوصف والرثاء فظهرت على دواوين الشعراء المرأة الحبيبة والأمّ والأخت والبنت وسيدة المجتمع المناضلة والمحاربة والشاعرة والأديبة لكن كيف تناول الشاعر مهند المراة في كتابه هذا ؟ المتأمل في نصوصه يجد المرأة بكل معانيها الرّاقية، لم يرها سلعة وجسدا بل روحا تسري في جسده وجمالا يغمر قلبه يقول في قصيدة عشتار…

“عشتار ملأت الآفاق عطرا

عشتار…

 يا آلهة ، يا منار…

يا تراتيل المحبة

وسجود وانتظار

يا ترنيمة بابلية عزفت

وأطربت كل السمّار”

ويقول أيضا في قصيدة من وحي صدري :

“تسرين في دمي

في قلبي وفي قدري

تغدين لي أملا بعيدا لكنه في صوري… وتتكرر كلماته توافقا مع خلجاته في غير رتابة حين يقول”

آه لو ظرفك يسمح لفعلت ما فعلت

لكسرت قلمي وأخذتك معي

لافترشت الأرض

لالتحفت السماء

لافتتحت جزيرتي

آه لو … مع فعل ماضي مقترن بلام التأكيد..صيغة تكرّرت عدة مرات ولم نشعر بثقل التكرار، انّه عمق الشعور الجارف الصادق النبيل من الشاعر نحو المرأة …هي الشرف والفخر والحبّ والعشق والأنس والشوق وهو المنقلب على الأعراف السائدة البائدة، هي المحور الذي يدور حوله وهي القرنفلة البيضاء العطرة على صدره، هي الشعر والمرآة والحياة وهو المفتاح لباب الدخول، “بها يزرع الأماني في أحلى بستان ويرويها بأحلى الألحان، ويحصد حبا وزهرا ورمّان “هكذا قال مهنّد، يهفو قلبه الخفاق الى المراة ويخاطبها في أغلب قصائده بأفعال أمر “

قلبي الاوراق

افرحي بها

تمتّعي ودوري

تقلبي في عالمك الرائع

واكتمي أسراره

واحلمي بنوارس حبك المحلقة من جــديد

من قصيد (الى اميرتي بعد التحية)

وكأني بهذا النفس الرّاقي النّقي قد أنقذ المرأة من الشرق الجاهل المتعصّب الى الشرق الحرّ المتجدّد فأصبح لها صورة جديدة متألقة ترتقي الى المصافات الراقية في الحضارات السابقة كعشتار ربّة الخصب عند البابليين وأفروديت عند الاغريق وفينوس عند الرومان، وهي عنده العطر والازهار والنجوم والأقمار وتراتيل المحبة والسجود والانتظار، بذلك كان الشاعر المتجدّد الذي لم يتكلّم بصوت غيره ولم يلبس جبة غيره ولم يخاطب المرأة جسدا ولذة وابتعد عن أسلوب الرتابة والوصف المعهود والمباشرتية او السردية المحضة واعتمد أسلوب التساؤل والايحا ء والترميز وبدا شاعر الحرية والعشق المؤمن بقضية المراة في رقيها والانسان كيفما كان واينما كان …

** اللون …استطاع الشاعر الشاوي أن يؤسّس في قصائده ووفق قدرته الفنّية التشكيلية لونا من الشعر المتجدّد المتميّز مع سلاسة في اللغة يعبر بها عن خلجات وجدانية وانسانية على السائد المألوف ليحرّره من الرتابة و يتجه به نحو مشروع شعري لوني رفيع جديد فرغم اقراره بهويته الشرقية في قصيدية ( انا شرقي) لا يتباهى ببداوته وعنجهيته وانما يرجو بلطف وصراحة من الحبيبة ان لا تأخذه الى عالم وردي فيه ما لايروقه ويحبّ ان يراه جميلا بعينه وقلبه وذوقه وريشته ويرسمه كعناقيد كروم وثريا اذ يقول :

أنا شرقي فتحمّلي صراحتي

لا تاخذيني لعالم وردي

لعالم زيف تعامل بالقشور

رسمته وكأنه نوع من الأزهار

تدلّى كعناقيد كروم أو كالثريا… وهو الثرى

دقة اختيار

وهذا التناقض بين عالمه الشرقي وعالمها الوردي يبيّن رقّة الشاعر ودقّة اختيار الصورتين وحبّه للالوان التي تبعث الانشراح والدفء في النفوس، هذا العالم الذي تعامل بالقشور رسمه الشاعر الفنان وكأنه نوع من الأزهار تدلّى كعناقيد كروم أو كالثريا… وهو الثرى وقد استعمل كلمة العالم الوردي كما في كثير من النصوص وهي صورة شعرية مشبعة بالرقة والجمال والحبّ والسّلام والرّفاهية والبهجة..

الاسلوب: يمتلك الشاعر أدوات فنّية وشعرية جمعت بين الواقع والتخييل وساعدته على تشكيل لوحات فنية في هذا الديوان بلغة سلسة تعبّرعن خلجات الذات وواقع الانسان وعشق الجمال وهو الفنان التشكيلي الماهرالمختص في تدريس الفنون الجميلة فيرسم لوحات بديعة بسحر الريشة ومداد القلم معتمدا فيها على تساؤلات كثيرة تسعده طورا وتؤرق ذاته وتثيرمشاعره طورا آخر.. وأحيانا يستعمل السردية كما جاء في قصيد “المسرحية”.

الخاتمة: وفي الختام أقول بأن الشاعر مهند الشاوي قد اختزل الجمال في الطبيعة والمرأة والألوان بعيون متأملة وذائقة راقية فأشاع البهجة والطمانينة والتفاؤل في نفس القارئ وعينه وهو لعمري خليط يعبّرعن حياة مليئة بالحبّ متصالحة مع الذات، مفعمة بالشعرية متميّزة بالتجديد، مبتكرة بفرشاة فنّية متأرجحة بين شاعر ورسام عاشق للطبيعة، باسم للحياة فيزيح عن خواطر المتلقي مآسي الحياة ودخان الحروب والتفرقة ويؤكد أن الجمال والحبّ كامنان في دواخلنا وهما عنوان الصفاء الذي يجب أن يملأ قلوبنا… لقد أثبت الشاعر الفنان مهند الشاوي قصيده النثري من خلال جهده اللغوي والتصويري والمخيالي والفني ذي التقطيع اللفظي المتجانس وارتقى به الى مستوى الاشعاع والابهار في ذائقة المتلقي وكان له حضور جمالي طاغ وطابع الهامي متفرد… وهنا يلتقي الشاعر الفنان مهند الشاوي بقوله على الغلاف “محاولة لرسم لوحة بالكلمات ” مع قول المتنبي من غابر الأزمان “الشعر صياغة وضرب من التصوير” وكما بدأت قولي في كتاب شاعرنا العاشق للمرأة والباسم للحياة أنهيه بقولي على لسانه من قصيد “شكرا لحبّك”

شكرا لحبك

لأنّه علمني أن أكتب

لأنه علّمني أن أحبّ

وأيقظ قلمي الكسول.

مشاركة