عمّتنا النخلة .. وحكاية الكصاص

344

‭ ‬عبد‭ ‬الهادي‭ ‬كاظم‭ ‬الحميري

إلحاقنا‭ ‬بمقالنا‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭ ‬‭(‬رمزنا‭ ‬النخلة‭)‬‭ ‬نستمر‭ ‬في‭ ‬تكريم‭ ‬نخلتنا‭ ‬المباركة‭ ‬بوصف‭ ‬فعاليات‭ ‬حصاد‭ ‬محصول‭ ‬الزهدي‭ ‬المعروف‭ ‬بالقصاص‭ ‬أو‭ ‬‭(‬الكَصاص‭)‬‭ ‬إبّان‭ ‬أربعينيات‭ ‬وأوائل‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ .‬

قبل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الكصاص‭ ‬يبلغ‭ ‬صاحب‭ ‬البستان‭ ‬الكاصوص‭ ‬وهو‭ ‬عادة‭ ‬أحد‭ ‬الشبان‭ ‬الرشيقين‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬‭(‬خفة‭ ‬الوزن‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬سعف‭ ‬النخلة‭ ‬مطلوبة‭)‬‭ ‬ويقوم‭ ‬بنشر‭ ‬الخبر‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬وجوارها‭ ‬ليكون‭ ‬لدى‭ ‬الشابات‭ ‬الراغبات‭ ‬بجمع‭ ‬المحصول‭ ‬علما‭ ‬للحضور‭ ‬في‭ ‬البستان‭ ‬ويطلق‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشابات‭ ‬بالطواشات‭.  ‬يقوم‭ ‬صاحب‭ ‬البستان‭ ‬بتوفير‭ ‬مفرش‭ ‬من‭ ‬المشمع‭ ‬‭(‬يستعار‭ ‬من‭ ‬الجيران‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يتوفر‭)‬‭ ‬وكذلك‭ ‬‭”‬سابل‭”‬‭ ‬وهو‭ ‬وعاء‭ ‬منسوج‭ ‬من‭ ‬خوص‭ ‬النخيل‭ ‬ويكون‭ ‬بطول‭ ‬متر‭ ‬وربع‭ ‬تقريبا‭ ‬وارتفاع‭ ‬نصف‭ ‬متر‭ ‬يوضع‭ ‬عل‭ ‬ظهر‭ ‬الحمار‭ ‬فينقسم‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬حافظتين‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬منه‭ ‬لينقل‭ ‬المحصول‭ ‬الى‭ ‬بيدر‭ ‬التمر‭ ‬ويسمى‭ ‬بالحظيرة‭. ‬

تبدأ‭ ‬العملية‭ ‬بالبسملة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الكاصوص‭ ‬وهو‭ ‬يقص‭ ‬أول‭ ‬عثق‭ ‬ويرمي‭ ‬به‭ ‬الى‭ ‬الاسفل‭ ‬على‭ ‬المفرش‭ ‬وتبدأ‭ ‬الطواشات‭ ‬بجمع‭ ‬التمر‭ ‬المتناثر‭ ‬خارج‭ ‬المفرش‭ ‬وهن‭ ‬يرددن‭ ‬الأغاني‭ ‬والبستات‭ ‬الشعبية‭ ‬وتوضع‭ ‬العثوق‭ ‬في‭ ‬السابل‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يبدأ‭ ‬الحمار‭ ‬وقائده‭ ‬‭(‬غالبا‭ ‬صاحب‭ ‬البستان‭)‬‭ ‬رحلاتهم‭ ‬المكوكية‭ ‬بين‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات‭ ‬والحظيرة‭.‬

‭ ‬عندالظهيرة‭ ‬يحل‭ ‬موعد‭ ‬الغداء‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يتمنى‭ ‬الكاصوص‭ ‬والطواشات‭ ‬أن‭ ‬يأتيهم‭ ‬صاحب‭ ‬البستان‭ ‬بوجبة‭ ‬دسمة‭ ‬أفضل‭ ‬مما‭ ‬يجدونه‭ ‬عادة‭ ‬في‭ ‬بيوتهم‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬الجود‭ ‬من‭ ‬الموجود‭ ‬فقد‭ ‬يفاجؤون‭ ‬بأرغفة‭ ‬من‭ ‬الخبز‭ ‬ورؤوس‭ ‬بصل‭.‬

لا‭ ‬يتقاضى‭ ‬الكاصوص‭ ‬والطواشات‭ ‬أجورهم‭ ‬نقدا‭ ‬بل‭ ‬يتقاضونها‭ ‬عينا‭ ‬بالتمر‭ ‬فللطواشة‭ ‬زنبيل‭ ‬من‭ ‬التمر‭ ‬وللكاصوص‭ ‬شكبان‭ ‬من‭ ‬التمر‭ ‬‭(‬سعة‭ ‬عباءة‭ ‬‭(‬بشت‭))‬‭ ‬ليعودوا‭ ‬بها‭ ‬الى‭ ‬بيوتهم‭ ‬في‭ ‬المساء‭.‬

قد‭ ‬يستغرق‭ ‬الكصاص‭ ‬عدة‭ ‬أيام‭ ‬حيث‭ ‬يستمر‭ ‬جمع‭ ‬المحصول‭ ‬في‭ ‬الحظيرة‭ ‬وقد‭ ‬تتعرض‭ ‬الحضيرة‭ ‬في‭ ‬الليل‭ ‬الى‭ ‬السرقة‭ ‬وعلى‭ ‬صاحب‭ ‬البستان‭ ‬أن‭ ‬يؤمن‭ ‬حراسة‭ ‬غالبا‭ ‬غير‭ ‬مسلحة‭ ‬للحضيرة‭ ‬إذ‭ ‬عادة‭ ‬ما‭ ‬يستطلع‭ ‬السراق‭ ‬الوضع‭ ‬فإن‭ ‬وجدوها‭ ‬غير‭ ‬محروسة‭ ‬قدّموا‭ ‬جمالهم‭ ‬أو‭ ‬حميرهم‭ ‬للتحميل‭ ‬فهم‭ ‬يسرقون‭ ‬خلسة‭ ‬لا‭ ‬عنوة‭ .‬

تنزل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عند‭ ‬موسم‭ ‬الكصاص‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬البدو‭ ‬لتشكل‭ ‬جمالهم‭ ‬واسطة‭ ‬نقل‭ ‬التمر‭ ‬من‭ ‬الحظائر‭ ‬الى‭ ‬العلاوي‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬المدينة‭ ‬حيث‭ ‬تعرض‭ ‬الأكداس‭ ‬لكل‭ ‬مزارع‭ ‬هناك‭ ‬للبيع‭.‬

يقدم‭ ‬البدوي‭ ‬الأكياس‭ ‬قبل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬موعد‭ ‬التحميل‭ ‬الى‭ ‬صاحب‭ ‬البستان‭ ‬ليتولى‭ ‬هو‭ ‬والعائلة‭ ‬ملؤها‭ ‬بالتمر‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬البدوي‭ ‬بالجمال‭ ‬وهي‭ ‬تنهش‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬من‭ ‬الأشجار‭ ‬والزرع‭ ‬في‭ ‬البستان‭ ‬حتى‭ ‬الحظيرة‭ ‬وهناك‭ ‬يبدأ‭ ‬رغاء‭ ‬الإبل‭ ‬فكل‭ ‬بعير‭ ‬يتقدم‭ ‬للتحميل‭ ‬يباشر‭ ‬بالرغاء‭ ‬قبل‭ ‬البروك‭ ‬ويستمر‭ ‬فيه‭ ‬أثناء‭ ‬تحميل‭  ‬كيسين‭ ‬كبيرين‭ ‬من‭ ‬التمر‭ ‬عليه‭  ‬واحد‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬وهو‭ ‬يدير‭ ‬رأسه‭ ‬وشفته‭ ‬هادلة‭ ‬وأسنانه‭ ‬بارزة‭ ‬مخيفة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جانب‭ ‬ثم‭ ‬ينهض‭ ‬ليحل‭ ‬ثان‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬وهكذا‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬التحميل‭ ‬ويقبض‭ ‬البدوي‭ ‬الأجرة‭ ‬خمسون‭ ‬فلسا‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬بعير‭ ‬تسير‭ ‬الإبل‭ ‬في‭ ‬نسق‭ ‬مهيب‭ ‬خارجة‭ ‬من‭ ‬البستان‭ ‬ويقف‭ ‬المزارع‭ ‬صاحب‭ ‬البستان‭ ‬يتأمل‭ ‬منظرها‭ ‬ويأمل‭  ‬أن‭ ‬يقبض‭ ‬مبلغا‭ ‬جيدا‭ ‬عن‭ ‬تعب‭ ‬العام‭ ‬مودعا‭ ‬الذهب‭ ‬الأصفر‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬الى‭ ‬لون‭ ‬العقيق‭  ‬قبل‭  ‬ان‭ ‬يدخل‭  ‬تلك‭ ‬الأكياس‭ ‬ويغادر‭ ‬البستان‭ .‬

مشاركة