عمو بابا بين الولادة والوفاة رحلة إنجاز وألم وغربة في الوطن

439

(الزمان) تحتفل بذكرى مولد شيخ المدرّبين

عمو بابا بين الولادة والوفاة رحلة إنجاز وألم وغربة في الوطن

بغداد – الزمان

يصادف شهر تشرين الثاني 1934 يوم ولادة المدرب العراقي الراحل عمو بابا، الذي توفي في الـ 27 من تشرين الثاني 2009 وعاش طوال حياته بين الالقاب والانجازات والم المرض وغربته في الوطن بعيدا عن عائلته المهاجرة.

ولادة ونجومية

ولد عما نوئيل داود في الـ 27 من تشرين الثاني عام 1934 وهو مدرب كرة قدم عراقي ولاعب سابق في صفوف منتخب العراق لكرة القدم، ولد وترعرع في مدينة الحبانية (98 كيلومترا غرب بغداد)، وبدا حياته الرياضية بعيدا عن كرة القدم فكان بطل العراق في 400 موانع (ألعاب قوى)، وبطل الرصافة بكرة المضرب  1 وكان أول من اكتشف موهبته الكروية المدرب والمعلق الرياضي المشهور إسماعيل محمد، ففي عــــــــام 1950.

قاد عمو بابا المنتخب العراقي في 123 مباراة دولية وودية، وحقق العديد من الإنجازات، بينها الميدالية الذهبية في دورة الألعاب الآسيوية في الهند عام 1982 م، ولقب بطولة الخليج العربي ثلاث مرات، وهو صاحب أول هدف دولي لمنتخب العراق في عام 1957 م، في شباك منتخب المغرب أثناء بطولة كأس العرب الثانية ، وأول من نفذ ضربة (double kick) في العراق اعتزل اللعب مبكراً نتيجة إصابة وتوجه نحو التدريب في عام 1966  مع نادي المواصلات العامة في بغداد ثم قام بتدريب منتخب العراق العسكري لكرة القدم وقاد الفريق للحصول على كأس العالم العسكرية لكرة القدم للأعوام  1972  1977  1977 وتسلم مهمة تدريب منتخب العراق لكرة القدم عام 1979  وفاز الفريق في تلك السنة بكأس الخليج العربي لكرة القدم 1979 وقاد المنتخب إلى حمل لقب كأس الخليج العربي للأعوام 1979 و1982 و1984 والوصول إلى نهائيات الألعاب الأولمبية ثلاث مرات أعوام 80 و84 و88  وإلى احراز كأس العرب وذهبية دورة الألعاب الآسيوية. وأشرف على المدرسة الكروية التابعة للاتحاد العراقي لكرة القدم، وأكبر إنجاز له هو قيادة منتخب العراق في المباراة الأخيرة فقط أمام منتخب سوريا للتصفيات المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 1986 في المكسيك.

مناداة ولكن

وجه عمو بابا نداء استغاثة، بعدما أضطر الأطباء لبتر أصابع قدميه في أحد مستشفيات الأردن متأثرا من تفاقم مرض السكري حيث وحسب تعبيره “أدار الجميع من مسؤولي الرياضة في بلاده له ظهره بالرغم من قضاءه 56 عاما في خدمة كرة القدم العراقية” وقد اثارت هذه الاستغاثة استغرابا من قبل الشارع الرياضي العراقي حيث ان عمو بابا يعتبر علماً من أعلام كرة القدم في العراق وتم تغطية تكاليف العلاج من قبل الرئيس مسعود بارزاني رئيس إقليم كوردستان العراق ورئيس دولة الإمارات مع اهمال واضح من قبل حكومة العراق مع العلم ان عمو بابا يلقب بشيخ المدربين.

وفاة مفاجئة

توفي في 27 تشرين 2009 في مستشفى دهوك للطوارئ بعد أن طرأ تغيير مفاجئ على صحته، وشهد تشييع جثمانه حضورا رسميا على أعلى المستويات امتناناً له كلاعب ومدرب كبير، واجريت مراسيم جنازته في كاتدرائية مريم العذراء للكنيسة الشرقية القديمة ببغداد وقد دفن حسب وصيته في ملعب الشعب الذي شهد تألقه كلاعب ومدرب، بعد أن عاش حياة الغربة في الوطن إثر هجرة عائلته فيما رفض مغادرة العراق وبقي وحيدا في بيته رغم الم المرض ووطأة الفراق. كان لشيخ المدربين العراقيين الراحل عمو بابا الدور الكبير في تأسيس المدرسة الكروية التي تحمل اسمه وهي تعد أول مدرسة كروية حقيقية، حيث نجحت تلك المدرسة في تزويد المنتخبات الوطنية المختلفة باللاعبين المتميزين الذين باتوا يمثلون الآن الركيزة الاساسية لتشكيلة أسود الرافدين. وكان يفترض على جميع المعنيين بالكرة العراقية الاهتمام بمدرسة عمو بابا الكروية وتوفير لها كل المستلزمات التي تساعد على ديمومتها وتواصلها في رفد منتخباتنا الوطنية وفرق انديتنا باللاعبين الموهوبين، لأن هذه المدرسة قد أسست بشكل صحيح جداً وتحمل اسماً هو استاذ واب ومدرب لأغلب الذين مارسوا لعبة كرة القدم في العراق. وناشد القائمون على مدرسة عمو بابا المعنيين بشؤون الرياضة العراقية بضرورة الاهتمام بتلك المدرسة خصوصاً فيما يتعلق بتوفير ملعب خاص للمدرسة التي أسسها وأنشأها الراحل عمو بابا في ملعب الشعب الدولي خلال السنوات السابقة. وعدم توافر الملعب يؤدي الى قتل مواهب الكثير من لاعبي مدرسة عمو بابا وعددهم حوالي 300 لاعب، لأن هذه المواهب لم تزل في أول مشوارها مع كرة القدم.

الزمان والشيخ

وسبق للزمان ان احتفلت بميلاد عمو بابا عندما زارته هيئة التحرير في بيته وقدمت له باقة من الزهور واحتلقت معه بإطفاء الشموع  وعلى الرغم من مرور أعوام محدودة على رحيل الشيخ الا انه لا يلتفت اليه احد لتخليد تراثه، رغم ضجيج أيامه وصخب ألقابه ، فمالئ الدنيا وشاغل الناس بات حاشية في نص التاريخ، عقه تلاميذه، وجحدته المؤسسات الراعية للرياضة، ونسيه الاعلام بشكل غريب، لا يليق بذلك الكبير المضطجع خلف نصب الأسود، بعد ان دفن حيث أحب، ليكون الشعب شاهدا على بطولاته، لكن يبدو ان هذا الشاهد أصيب بالزهايمر مع ان الفراق لم يتجاوز بضعة اعوام. هكذا هو حال عظيم الكرة العراقية وسفرها الخالد، رغم العهود والتصريحات الزائفة عبر الاثير، وفي صفحات الجرائد التي ترددت كثيرا بعد رحيله، ولا غرابة فقد كان الشيخ معبرا في جميع مراحل حياته للمسؤولين الذين طالما تغزلوا به وتقربوا من خلاله الى الشارع الرياضي، عبر هبة او منحة او وعود مؤجلة او ممنوعة من الصرف.  نتف صغيرة واخبار في زوايا مهلة كل ما تبقى من ذكرى عمو بابا، فلا حفل تأبيني او ندوات او حتى جلسات صغيرة يعقدها العشاق والمحبون، يستذكرون خلالها ايامه ويلها من ايام، حيث كان الشيخ نجما لامعا في سماء الكرة العراقية، وعلامة فارقة طبعت حقبها المختلفة، ولعل شهرته كلاعب فاقت سمعته كمدرب، لولا ظلم التاريخ وغياب الميديا، فلا قنوات فضائية تناقلت إبداعاته الكروية، ليظل تألقه أسير العراق، لا يبارح حدوده وآفاقه. فهل نحن شعب ضعيف الذاكرة؟ ام كثرة المأسي في ارض السواد جعلتنا لا نحفل بصناع الانجاز، وننسى عظماء الوطن بمجرد الرحيل؟ ان تغاضي المؤسسات الرسمية والأهلية وتجاهلها بوعي او بدونه لا يعفيها من اللوم والعتب، فهي تهدر ما تهدره على نشاطات وفعاليات وسفرات عبثية، ولا تعير اهمية الى رموز كبيرة دونت انتصارات بحروف من نور، لا يمكن ان تمحوها سوداوية التجاهل. لقد توالت الحقب والأزمان، وعصفت أعوامها العجاف ببلاد الرافدين، الا ان عمو بابا ظل رمزا وطنيا خالدا لا يختلف على حبه العراقيين، مع اختلاف أطيافهم الدينية والعرقية والاثنية، وذلك ما تجلى اثناء وبعد مراسيم تشييعه حيث أقيمت له والنسيان مجالس عزاء في معظم المحافظات، بكنائسها وجوامعها، في سابقة تحدث لأول مرة لشخصية وطنية عاصرت عهود مختلفة بكل تناقضاتها. لم يستثمر أحد ارث الشيخ، رغم ثرثرة التصريحات فالإجراءات غائبة، والوعود المؤجلة بحاجة إلى ترجمة احياء لتراث خالد، وحفاظا على مجد تليد، وإذا كان هذا حال من تغنى الجمهور باسمه على مدى عقود، فماذا عن زملاءه ايام الزمن الجميل؟ فقراء عاشوا وغادروا هذه الدنيا الفانية، ولم يسألوا الناس الحافا، فطارق عزيز صاحب الراس الذهبية تمر ذكراه ايضا دون بارقة امل في الاحتفاء به ولو بجلسة بسيطة من قبل ناديه الشرطة، رغم ما بذله وقدمه من رحيق شبابه. أتخيل الشيخ اليوم ساهرا في قبره، واضعا رأسه بين رجليه، يندب الحظ، ويلعن الجفاء وعدم الوفاء، وهو يشاهد أبنائه العاقون وتاريخه التي تذروه الرياح، لكن كم هو كثير لإنه وحده، وكم هم قلة لأنهم هامش في متن عطائه ربما عزاءه ان شمسه التي سطعت ذات ربيع كروي بددت حجب الهزائم، وجعلت اسمه عنوانا، بل املا شرود، لمن يحلم بإعادة العنفوان للذات العراقية المقهورة، ومجد الوطن الذي غدا مجرد نشيد.. وخيمة.. وكلمات باهتة على الورق.

مشاركة