عمود النور والشارع الطويل


عمود النور والشارع الطويل
فاتح عبدالسلام
عمود النور، يا لك من عمود نور حقاً، كم أنرت طريق التلاميذ الذين كانوا يتحلقون تحتك في أيام الامتحانات حتى ساعات متأخرة من الليل، يذاكرون الدروس ويتسامرون أحياناً.
عمود نور واحد كان كافياً ليضيء طريقاً طويلاً. يا ترى، لم لا تضيء مصابيح اليوم الغازية الفاقعة شارعاً قصيراً؟
كان عمود النور القريب من منزلنا مكسباً يحسدنا عليه أصدقاؤنا، لأنّه يتيح الخروج والقراءة تحته قريباً من البيت الذي نعاود الذهاب إليه بين ساعة وأخرى، حاملين منه الماء أو الشاي أو الخبز والجبن أحياناً.
كانت أيام الامتحانات موسماً اجتماعياً قل مثيله، يحترمه الآباء والأمهات والإخوة، وكانت السيارات القليلة في الشوارع تخفض من سرعتها حين تمر بحلقات الطلاب وهم يدرسون احتراماً لهذا التعب الذي يغرقون فيه.
كم تخرج من تحت نورك أيها العمود الصديء العالي، أطباء ومهندسون وعسكريون وممرضون وموظفون أكفاء. وكم أضأت من عتمات الدروب.
كان الطالب الذي لديه بيت واسع يرفض ان يتمتع بسعة الدار وأن يحرم نفسه من لمة الدراسة تحت ذلك العمود التاريخي. نور قليل يكاد يصل الى الورقة لكن الجميع كانوا يتقاسمونه ويشعرون بفيضه عليهم.
حين كنا نذهب إلى الامتحانات صباحاً، نمرُّ من قرب عمود النور ونرى آثارنا الورقية حوله، ورقة هنا فيها إعراب جملة مفيدة وورقة هناك فيها حل لمسألة في الجبر أو الهندسة.
كانت آثار معركة الليل شاخصة تحت ذلك العمود، ويعرف الذين يمرون أن الطلبة المتلهفين لصعود الدرجات إلى المستقبل كانوا هنا.
لم يكن أحد يدري أن الحروب آتية وستحصد حملة الشهادات في معارك السنوات الثماني، ولم يكن أحد يدري أن حرباً عند رأس الخليج ستلتهم آخرين أو أن الاحتلال الأمريكي سيحل في بلاد الرافدين وتنتشر في إثره الاغتيالات والتصفيات التي لم تجد فريسة أهم من حملة الشهادات.. أولئك أحباب عمود النور.. الأزلي.
لم نكن نعلم أن أعمدة النور أصبحت مشانق أو أن المتبقي منها كان يلقي بظلاله وليس نوره على جثث عرفتها الشوارع في الليالي الظلماء.
كان أحد المعتصمين في ساحة الأحرار في الموصل وهو يرى أنهم قطعوا الكهرباء عن الساحة يقول لصاحبه هل تذكر، تلك الأيام التي درسنا فيها في الشارع تحت أعمدة النور في ذلك الصيف؟ كانت حين تحترق لمبة فيها وتتأخر دائرة الكهرباء في إصلاحها، لا نستسلم للظلمة أبداً وندير دفاترنا باتجاه القمر نلتمس من نوره بصيصاً وكنا نواصل القراءة.
يا ترى متى يخرج القمر الذي افتقده العراقيون طويلاً.. أو ربّما لم يعرفوه منذ زمن سحيق.
FASL

مشاركة