علي محمد سعيد.. أنعم ثروة توقد ثورة – لطفي نعمان

بانوراما من الميلاد إلى الإيقاد

علي محمد سعيد.. أنعم ثروة توقد ثورة – لطفي نعمان

وضعت الأقدار الشيخ علي محمد سعيد أنعم على طريق لم يندم البتة –كما بدا من استمراره فيه- على المضي فيه. وطنيةً وعملاً بذر بهما نواة مجموعة اقتصادية اتسمت بالوطنية أيضاً.

ولئن اتصف بسلوك التاجر، تبرز منه كذلك خصال الإنسان.

            يُعرف بالحرص.. إنما على نماء محبة الناس كثروة لا تقدر بثمن.

            ينزع إلى الخير متجاوزاً حساب أقصى خسارة.

            دوماً.. يقف موقف المُجمَع عليه والمشار إليه لدى كل ظرفٍ يلم بأي فرد أو جماعة.. وحتى الوطن.

            وكما لا يبخل على قضية عامة، لا يعز جواب مسألة خاصة.

            طابق بجهاده ما يفضله الله عز وعلا:

            “فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً”

            وظل يقدم لوطنه كثيراً منذ نعومة أظافره، على مدى عمره..

            بدءً من ثغر اليمن: عدن.

            مروراً بعروس اليمن: الحديدة

ثم وقوفاً عند مخ اليمن: المخا.

            تأسيساً لقاعدة اقتصادية في عقل اليمن: تعز.

            وتوطيداً لثورة وطنية في عاصمة اليمن: صنعاء.

            وأخيراً..

امتداداً على خارطة اليمن: من صعدة إلى المهرة.

            وفي مقابل كثيرٍ قدّمه مجاهداً لا يعز عليه بعض بني اليمن أجره بقولة إنصاف بحقه أو بتوثيق ما برز من دوره وما صدر عنه من شهادات عصر وذكريات، قد لا تأتي على كل تاريخه، لكنها تدوّن ما تيسر من تاريخه، محاولةً لصونه والتعريف ما استطاعت بما امتلك من ثروة أوقدت ثورة.

            ثروة معنوية، لا مادية، عنوانها: جهاد وعطاء.. توقد ثورة إنسانية جوهرها البناء لا الفناء.

            تجسد في الشيخ علي محمد سعيد كفرد من الشعب طموح غالبية أفراد الشعب إلى النهوض ببلد تخلف عن ركب التقدم، فتقدم الفرد -كنموذج لأفراد آخرين- لينال فرصة الإسهام بتعويض بلده عن ذلك التخلف، خلال السير في الطريق الذي يحمد الله على تسييره إليه و.. اختياره –بنفسه- المضي فيه دوماً برغم كل المصاعب.

            ومثله، نقدم عنه ما قدم لوطنه، برغم مصاعب تناول وعرض تاريخ شخصية وطنية بحجم علي محمد سعيد لا لشحة المصادر التي توافرت أولاً بدأب من الباحث الوثائقي الشاب رفيق ياسين درهم، ثم استيفاء كريم من السفير أحمد حسن بن حسن لبعض المواد والصور، إضافة إلى ما تجمع ويتجمع لدى أرشيف منتدى النعمان الثقافي للشباب، وكذا وفرة المراجع الشاملة لدور الرجل ودور جملة من أبناء جيله.

            إنما لما عرف عنه من امتناع عن التوسع في الحديث عن شخصه ودوره في الماضي في الوقت الحاضر، مكتفياً بما يتناقله عنه عارفوه والعارفون بخبايا الأمور، تاركاً ذلك لحكم المستقبل، والتاريخ.

            ولكن؛

            أنى يتسنى لأهل التاريخ وأنصار المستقبل صدور حكمهم دونما استخراج وتجميع للأدلة والمعطيات والوثائق والمستندات التي يُبنى عليها الحكم أو القرار بحق من يستحق التكريم عن جدارة في الأداء والعطاء والبناء الوطني.. نضالاً وتنميةً.

            وإذ تكثف ذكر دور الشيخ علي محمد سعيد أنعم الوطني في إيقاد ثورة 26 سبتمبر 1962م فلم يخمل ذكر ما أوقده شخصياً للثورة كفعل بناء من بعد اندلاع الثورة مساء ذاك الأربعاء يوقد استمراريتها وديمومتها بما تبوأ من مواقع قيادية وإدارية، وما اجتهد فيه من توطيد مواضع اقتصادية وتنموية.

            وبما وفرته المراجع من معلومات للإلمام بدور “الشيخ العلي” ومسار حياته، تمكن إعداد النص وفق مبادئ يؤمن بها الرجل أيضاً وهي أساس نجاح وديمومة عطائه والمجموعة التي ظل يُشرِف -بنفسه- ويطمئن على انتظام سلسلتها، كما شارك وبشكل رئيسي في تأسيسها ثم إدارتها على مدى ست عقود..

            ومبادئ السعيد التي يؤمل في مراعاتها هنا هي:

            الصدق.. وفق المصادر.

            الأمانة.. في التدوين.

            الإخلاص.. لله الحق.

            الولاء.. للحقيقة.

            والمثابرة في العرض البانورامي من الميلاد إلى الإيقاد.

المولد والمنشأ:

ولد علي محمد سعيد في الثلاثين من ربيع الثاني 1344هـ الموافق 17 نوفمبر 1925م بالحباترة أعروق القبيطة لواء تعز. وهو الولد الأول في الجيل الثالث من أسرة سعيد أنعم، والوحيد لمحمد سعيد أنعم المهاجر في فرنسا مع إخوانه جازم وهائل وعبده للعمل هنالك.. فنشأ الوليد الوحيد في كنف جده سعيد أنعم، الذي عاش يمارس الصناعة اليدوية والحرفية مهتماً بتعليم وتدريب أولاده في صغرهم حتى أجادوا الحياكة تماماً. كما اتصف بكرم الضيافة وإطعام المسكين باعتباره عاقل القرية وكبير وجهائها، ويصدر عنه العطاء برغم شح الحياة الفارض تقتيره في بعض الجوانب على أهله.

تعددت زيجات الجد سعيد أنعم، ويذكر الحفيد علي محمد منهن: مريم النجدية كونها راعية الجميع أولاداً واحفاداً، ومحط احترامهم وتقديرهم، لصلاحها وشدتها واقتصاديتها. وبروزها كامرأة بين نساء المنطقة اللواتي يمارسن «المقصابة» و«الحياكة». حسب شرح مستفيض للشيخ علي محمد سعيد عن البيئة المحيطة.

أسباب وجدوى هجرة الأب والأعمام

تسبب في هجرة واغتراب الأب والأعمام يومذاك أمران اثنان، يذكرهما الشيخ علي محمد سعيد واستُخلصت من إحدى المدونات الخاصة عن ذكريات نشأته:

– توسع عدد أفراد الأسرة ضاق أمامه المحصول الزراعي، فبعث فكرة الاغتراب.

– يزيد فوق هذا ما فرضه الحكم الإمامي من زكاة على محاصيل لا تفي حاجة الناس.. أوفى وصفها الأستاذ أحمد محمد نعمان في إصداره السياسي الأول: «الأنة الأولى».

غير أن هجرة الأب والأعمام الأولى إلى جنوبي فرنسا، كان لها جدوى علقت في مخيلة علي محمد سعيد، جلبت بل وزرعت الخير في القرية بحزم المهاجرين على بطونهم ليرسلوا دخولهم الشهرية كعمال إلى يد والدهم سعيد أنعم فيثمر ذلك شق طريق الأعروق – الصلو.

عودة الوالد تلحق الولد بالدراسة

تخللت هجرة الوالد محمد سعيد مع إخوانه للعمل في المهجر الفرنسي، عودة وَصَلت الوالد محمد بولده علي فظل بالقرية ليلحقه بكُتّاب القرية «معلامة الفقيه أحمد العبيب» لسنتين، ثم تتواصل الدراسة من بعد لدى «الشمعة المضيئة» في (الحباترة): الفقيه شاهر داوود.

ولما أتم علي دراسته وأتقن الحساب والكتابة طلبه عمه هايل للعمل لديه، فحزم ووالده متاعهما إلى عدن ومضى علي للعمل مع عمه.. وعقب ذلك بفترة، تهيأ الأب محمد سعيد للمغادرة إلى مارسيليا.. لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939م حالت دون السير في خط الرحلة.. إذ جرت الرياح بما لم يشتهِ السَفِنُ!

العمل في عدن والصومال

وصل عليٌ إلى عدن بما أوتي من علم واتسم من إجادة للكتابة والمحاسبة يشاطر عمه هايل همّ توطيد ما تأسس من دكان في المعلا.. بلغوا منه العلى، فكان موضع تدليل عمه بل وثقته واعتماده وركنه الركين. وبانفتاح أبواب التعامل أمام هايل سعيد مع شركات تجارية أجنبية كشركة البس، بالبطاقات التموينية. ومصادفة حصول هايل سعيد على صفقة لحوم أغنام وجلود في الصومال، ينتقل إلى بربرة ثم يستدعي ابن أخيه، باعتباره الساعد الأيمن، فيباشر تنقلاته ومعاملاته بين المستعمرتين البريطانيتين عدن والصومال، منذ عام 1938م، ويكون «الكراني الصغير» أي الكاتب – المحاسب الصغير.

الغزو الإيطالي يعيده القرية

لم يطل بقاء الصبي علي بهرجيسة في «الصومال البريطاني» لما غزته القوات الإيطالية وتغلبت على الحاميات البريطانية الضعيفة هناك أواسط عام 1940م، فحملته الباخرة إلى عدن، ليعود أدراجه في القرية.. ويمكث مدة سنة.

ويذكر الشيخ علي محمد سعيد أن عودته من الصومال وخاله «محمد الصغير» إلى عدن، ثم مكوثه في القرية مع أبيه محمد وعمومته هايل وجازم وعبده طيلة سنة طالما حالت تطورات الحرب العالمية في محيطهم دون هجرتهم مجدداً، جمعتهم في القرية على تطوير حسهم من «عمال إلى أصحاب أعمال»? لِما توفر لديهم من مال واشتركوا في العيش وتآلف القلوب ووحدة الكلمة.

بانوراما من الميلاد إلى الإيقاد

العودة إلى عدن، والبدء بنشاط التصدير

استعاد «السعيديون» نشاط دكانهم في عدن عبر شراكة «هايل سعيد وإخوانه» واعتمادهم على ابنهم علي هنالك. ثم أبرموا صفقات البيع والشراء وفق الحدود المتاحة تلك الأيام، للمنتجات التي تبلغ البَرَ العدني من البَرِ الأفريقي، واستيرادها للبيع في دكان السعيديين بالمعلا. إلى أن غرقت بضاعتهم الواردة إليهم بعد تعرض «صنبوق» أو قارب بضائع مستوردة لشكوك البريطانيين في دوريات بحرية ظنت اتجاه القارب إلى جيبوتي.

ووقعت المفاجأة بعد الفاجعة؛ عوّض البريطانيون «هايل سعيد وإخوانه» عن الخسارة التي تكبدها جراء غرق «الصنبوق»? فانفتحت أبواب الخير مجدداً.. وتطور بيع الجملة، وبدأ نشاط «التدكين» بعد الاستيراد يصير «تصديراً».

انتظام حركة الأحرار اليمنيين في عدن

توالت التطورات السياسية في شمال الوطن اليمني بخروج جملة مشايخ وأدباء وسياسيين من مدينة تعز إلى عدن جنوب الوطن اليمني عام 1944م، لتنتظم حركة المعارضة الوطنية ضد الإمام يحيى وولي عهده أحمد في أول إطار وطني تحت اسم «حزب الأحرار اليمني» لقي الأحرار بزعامة الأستاذ نعمان والقاضي محمد الزبيري والأساتذة زيد الموشكي وأحمد الشامي، وغيرهم بعد بعض جوابات الإمام المكتوبة عليهم، حبس آلهم والمتعاطفين معهم ونقلهم من مواطنهم في تعز وإب وغيرهما من المدن إلى سجون حجة. ثم ضغط الإمام على الحكم البريطاني في عدن لحل الحزب الذي انفرط عقد قيادته عام 1945م قبيل انتهاء الحرب العالمية وخروج صنعاء عن حيادها بالانحياز إلى جانب دول المحور وفق التهديد الإمامي الموجه للبريطانيين.

واستقر قرار زعماء الأحرار اليمنيين الباقين بعدن على استمرار مقامهم وفعلهم السياسي الوطني، رغم انصراف عدد منهم وعودتهم إلى شمال الوطن، وتحوير مسمى إطارهم التنظيمي إلى «الجمعية اليمانية الكبرى» عام 1946م وإصدار صحيفة «صوت اليمن». التزاماً منهم إزاء عطاء المهاجرين اليمنيين من أبناء الحجرية وخصوصاً الأغابرة والأعروق، ورفدهم لحركة الأحرار بما تيسر من المال والمواد الممكنة لهم من التعريف بقضيتهم الوطنية، فاتسعت من نطاق مراسلات شخصية إلى منشورات عامة في مطبوعات صحف وكتيبات صدرت من عدن إثر تعاون المهاجرين الأحرار «أحمد عبده ناشر» مع التاجر الحر «جازم الحروي» في شراء وتوصيل معدات «مطبعة النهضة اليمانية» إلى عدن. ممن بقيت أسماؤهم مع بقية رافدي الحركة من المهاجرين الوطنيين إلى شرق أفريقيا وعمق أوروبا: أبناء الأغابرة والأعروق وغيرهم، من أبناء مناطق اليمن السعيد بوطنييه.. بقيت أسماؤهم وعطاءاتهم سراً غير ذائع خوفاً عليهم وعلى أسرهم من أن يطالهم أذى أو ضرر.. وإن تضررت الحركة بانشقاق أفرادها واختصامهم حول هذه المسألة الحساسة!

ثم ازدادت الحركة نهضةً، بانضمام سيف الحق إبراهيم بن الإمام يحيى حميد الدين إلى حركة الأحرار عقب وصوله عدن في نوفمبر 1946م وتنصيبه رئيساً للجمعية اليمانية الكبرى.

انخراط الشاب في الفعل الوطني

وذات نهار عدني، وجد الشاب علي محمد سعيد نفسه على باب إحدى المتاجر المعروفة قبالة قطبي حركة الأحرار: نعمان والزبيري، يجتازون بخطاهم إلى غايتهم المكانية، فيقترب إليهم مصافحاً ومعرفاً بنفسه، ثم استشار زميلَه محمد مهيوب عما يمكنه من توطيد معرفته بهم، بعدما عرفوا موطنه وصلته ببعض المهاجرين الوطنيين.. فأشار مهيوب عليه بالتوجه إلى مقر المطبعة للاشتراك في أعداد من صحيفة «صوت اليمن» وكذا «الجمعية اليمانية الكبرى».. فحمل اشتراك مهيوب، وأضاف عليه ما يجعله مبلغ مائة واثني عشر روبية، جمعها من المدخول اليومي لمتجر «هايل وإخوانه» بشكل لا يؤثر على الحسابات أو يثير شك العم هايل والآخرين. ثم اتجه بالمبلغ إلى مقر الجمعية، ليجد الأستاذ النعمان جالساً فيحييه، ويسلمه قيمة اشتراكه ومحمد مهيوب في «الجمعية اليمانية الكبرى» وصحيفة «صوت اليمن».. ويدلف حقل الفعل الوطني من بعد التعارف المباشر مع رمزي الحركة نعمان والزبيري.

التفاعل مع ثورة 1948م

بلغت حركة الأحرار اليمنيين، بالتحالف مع قوى سياسية فاعلة، ذروة السلطة في 17 فبراير 1948م بمقتل الإمام يحيى حميدالدين، وتنصيب السيد عبدالله بن أحمد الوزير إماماً ملتزماً بالدستور أو «الميثاق الوطني المقدس» الذي وضع هيكل الدولة الجديدة موزعاً بين مجلسي الوزراء والشورى، وتحديد المهام والاختصاصات وفق التشكيل الحكومي الذي عدّله الإمام الوزير. وبالرغم من المحاذير المطروحة إزاء إخفاق خطة اغتيال ولي العهد أحمد، أجمع الرأي على توطيد الموقف السياسي الجديد بانتقال جميع الأحرار اليمنيين من عدن وطلوع صنعاء، جواً وبراً.

وعن طريق البر، غادر الأستاذ نعمان عدن مروراً بتعز وقد احتشد الشباب ليضموا إلى «كتيبة الفدائيين» التي جهزت بتبرعات التجار الأحرار في عدن، وبينهم علي محمد سعيد الذي أسهم في تجهيز الكتيبة بخمسين بدلة عسكرية عبر محمد علي الأسودي، وانضم إلى المتطوعين لمرافقة النعمان إلى تعز وكان بينهم محمد عبده الأغبري (والد الأديب الراحل علي محمد عبده) وعبدالغني صالح (والد الشهيد عبدالعزيز عبدالغني).

الوقوف في تعز

وصلت بعثة النعمان تعز وفي استقبالها الأمير محمد بن أحمد حميدالدين المعروف بالبدر، وعامل تعز محمد باشا ثم واصلت المسير صوب صنعاء مروراً بذمار، ولولا مشيئة الله توقُف الشاب علي في تعز، لواجه بنفسه مفاجأة إحباط الثورة كلية واعتقال المجاميع والأفراد المرتبطين بها بما فيها «كتيبة النعمان» المعتقلة بذمار. كما احتوته الأقدار بانطواء اسمه يومئذ عن الشيوع، فحالت دون ذيوع صيت ارتباطه بالحركة ككل، لتتيسر عودته إلى موطن عمله بعدن -وإن انهارت معنوياته كباقي الأحرار جراء «مصرع الابتسامة»- لكنه يعاود حركته في خضم النشاط التجاري وعمه «الهايل».. دونما حياد عن المبدأ والهم الوطني. أو انقطاع صلات بكبار رجالات الحركة الوطنية والأحرار اليمنيين من مؤسسي الاتحاد اليمني، ثم تجده مع الأستاذ عبدالله عبدالوهاب نعمان صاحب جريدة الفضول بين مستقبلي الشيخ عبدالله الحكيمي صاحب جريدة السلام.

من همٍ إلى همةٍ

تناقل الأولون عن الأولين:

يا نفس من همٍ إلى همةٍ .. فليس من عبء الأذى مستراح

ووجدت تجسيدها العملي لدى “علي محمد سعيد” كشاب همام مقبل على العمل في كل حقل، ويدرك أن الهمة تقوى على الهم، وتهوي صروحه، وتحل محلها صروح مجدٍ يجدي النفس والآل والقربى والوطن. فانطلق وقد اتفق وعمه الهايل على توسعة مدار عملهم، من جنوب الوطن إلى غربه.. أي: الحديدة. فافتتح في العام 1950م هناك محلاً تجارياً يصدر المنتجات الزراعية والجلدية.

مساوئ العمل.. ومحاسن سيف عبدالرحمن

لم يخل العمل في الموطن التجاري الجديد من مساوئ ومنغصات على شاب انفرد بشق طريقه بعيداً –ولو قليلاً- عن جماعته وأهليه، حيث أراد مد نشاطهم بطول البلاد وعرضها. فلازمت الحاجة طموح الشاب الوافد على الحديدة واحتاج إلى عونٍ –دون أن يقصده- يزيح سوء الظن والوحشة التي تلمسها من بعض تجار الحديدة تجاهه، فكان صاحب الفضل في تبديد الوحشة وسوء الظن الحاج المجاهد الحر سيف عبدالرحمن العريقي. وتصون ذاكرة علي محمد سعيد محاسن ذاك الفاضل وتعددها.

حياة الأب.. بإشراك الشاب

اقترن آل سعيد أنعم، شيباً وشباناً في عدن بعمل مشترك يجمعهم ويظللهم، على أساس من شراكة البنين «هايل ومحمد وجازم وعبده».. وجهد فاعل في التوطيد من الحفيد علي.

وقد تمحورت حركتهم في القرية بالأعروق بمقام الأب الشيخ محمد سعيد من بعد وفاة الجد سعيد أنعم، وبقي أبو علي وجيهاً وعاقلاً بالقرية إلى أن توفاه الله عن 87 عاماً. وابنه علي بعيد عنه لم يحظ فرصة مواراة أبيه الثرى..

وفي يوم تكاثرت المصائب عليه واجتمعت بفقدان بعض العمل وبعض الأهل، أتاه الخبر كتابياً من عمه هايل إلى صديق ثالث تخفيفاً لوقع الحدث عليه، لكن كتاب النعي الموجه إلى الصديق وصل ليد علي الذي بدافع «الشجن» -كما يقول- أو «الفَضول» ففتح الرسالة ليصدم خبر الوفاة، ويطوي خلال المسافة بين الحديدة وتعز فالقرية، ألمه ودموعه معزياً النساء، ويجد عزاءه وأرحامه الأقرب لدى قبر أبيه من عمه هايل ومواساته باعتماده شريكاً بديلاً عن أبيه. فتمتد حياة الأب بإشراك الإبن.

صفقة شل و مخ اليمن

مضت السنون على مقام علي محمد سعيد بالحديدة وتنقله بينها وبين عدن، لما يخص تسيير شؤون العمل المشترك بينه وبين عمومته، واطمئنانهم على نجاح عملهم الذي يديره في الحديدة.

ولأن «لذة الحياة في التنقل» وجني فوائد الأسفار:

تغرب عن الأوطان في طلب العلا .. وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفريج هم، واكتساب معيشــة .. وعلــم وآداب وصحبـــة مـاجــد

فقد جنى فوائد جمة أهمها: علماً ومعرفةً ومتابعةً لرياح التجارة واتجاهات الربح والوفر، ومناخها المواتي.

حتى استهواه ما طالع من مواد بصحيفة «النهضة» لعبدالرحمن جرجرة، عام 1953م.. واكثرها التصاقاً بذاكرته «المخا: مخ اليمن».. تناولت المقالة، حسبما يذكر الشيخ علي، توجه الحكومة في الشمال إلى تنشيط ميناء المخا واستعادة مجدها الغابر. علاوةً على تخفيض قيمة الجمارك في المخا إلى 8% من قيمة السلعة بينما تحددت في جمرك الراهدة بـ12%.

أنشئت شركة تصريف لمنتجات مصافي عدن ومنها «شل»? فتمكن علي محمد سعيد من نيل توكيل «شل» لصالحه وأعمامه. بعدما أبرم صفقة ضخمة لنقل المنتجات إلى «مخ اليمن» ويتسرب بنفسه إليها.

في الطريق إلى المخا

تسرُب علي إلى «مخ اليمن»? هال عمه هايل، كونه لم يُخطَر بخطوة علي المفاجئة، وقد اعتيد أن يشاورهم في الأمر، لا سيما وهم يعتبرونه عمودهم الفقري وغيابه بهذا الشكل سيخلف أثراً وفراغاً مهولاً، فانصرافه إلى المخا دونما استعداد وتنسيق مسبق قد يتهدد سلامته بالدرجة الأولى، فكان قلق العم هايل على سير العمل مشوباً بالخوف على ابن الجميع ومحط ثقتهم. فحمل هايل نفسه إلى الراهدة حيث التقيا ليثني علياً عن سفره وفكرته، وبرغم المعاذير بأن السلع المتفق على ترويجها في عرض البحر لم يبق غير استلامها، والمحاذير من الخسائر الناجمة عن التفريط فيها، ارتأى العم في سلامة الابن ربحاً أكبر، ووفراً أعظم.

ورغماً عما أعظم الهايل من التهديد والوعيد، ليثنيه عن خطوته، فقد واجهه علي بدموع حرى وإصرار أحر، أذاب المخاوف والمحاذير. غير أنه ولزيادة اطمئنان هائل سعيد عليه الذي وقاه خطر التعرض للملاريا، استودعه عبدالحميد الأصنج شريكاً في الربح دونما أدنى خسارة أو بذل من الأصنج. وما ذلك إلا ليطمئن على سلامة علي. وقد واصل مسيره إلى المخا ليخطئ طريق الوصول إليها، إلى أن أصاب موضعه.

وهنالك في «مخ اليمن»? حط رحاله في دار شكري زيوار مدير مال مقبنة، ابتداءً لبنائه داره الخاص بما توفر من أدوات وإمكانيات، ترافقت وتأسيس مشروع تجاري جديد لهائل سعيد وشركائه، مما يجعل «الشريك علي» هناك التاجر الوحيد والمتوفر في كل المواسم.. لتمويل اليمن من أقصاه إلى أقصاه بسلعة الجاز من بعد بناء لسان الميناء وخفض الجمارك.

حادثة أحدثت دوياً للشركة

لم تخل الحياة من عوارض ومفاجآت، فاجأته بآثارها النافعة للجميع. إذ انعدم البترول في اليمن ككل، مما يستلزم توفيره لمواجهة طوارئ من نوع تُعرّض الناس أحياناً لموقف لا يحمد مقترفوه عقباه.. ويحمده آخرون. ففي مرة مر بعض العساكر على سيارة الدورية بالمخا في طريقهم إلى باب المندب وطلبوا من علي تموينهم بثلاثة براميل بترول غير أنه أجابهم بإمكانية توفير برميل واحد، وطال الأخذ والرد حتى ادعوا عليه كذباً بأنه امتنع عن تموينهم وتلفظ على الإمام فيما -كما يروي بنفسه- لم يذكر الإمام لا بسوء ولا بحسن. واستدعوا من زملائهم بباب المندب من اعتدى عليه بالضرب باب داره، برغم المقاومة.

فرفع عقب ذلك برقية إلى الإمام أحمد حميدالدين تضمنت شكواه مما تعرض له من العساكر، وهو يقف دوماً مع الإمام بالحق والباطل، طالباً إنصافه وما لم يُنصف فسيعود عدن حيث اليهود والنصارى. ويصدر جواب الإمام إلى نائبه بتعز حمود الوشلي آمراً إياه بالنزول إلى باب المندب ومعرفة الجناة والضرب بيد من حديد. فوصلوا إليه لدى الشيخ محمد علي عثمان عامل المخا، يطلبون نزول الشاكي لإحضار المشكي بهم. غير أن الشيخ عثمان عامل المخا رفض ذلك واتفق وعلي على رفض طلبهم، ثم استقر الرأي على بقاء علي وأن يذهبوا هم لإحضار المعتدين. فكان نزولهم وإحضارهم للمعتدي مقيداً وماشياً على قدميه من المندب إلى المخا وأودع السجن ثم طلبوا من علي محمد سعيد العفو على أن يُهَجِروه في باب بيته، فامتنع حتى اقتنع بتأثير محمد مطهر بتقديم العفو وقبول الهَجَر الذي حدث بدخول الجناة لبيته حابين على أقدامهم، وكذا ذبح الأثوار وإطلاق الرصاص حتى يعرف الناس برد اعتباره. فأحدث الحادث بنتيجته الأخيرة دوياً طيباً زاد مكانة وهيبة «هائل سعيد وشركاه» في الخط التهامي.

الانتقال إلى الحياة بتعز

أعقب نجاح علي محمد سعيد، بتشجيع هائل سعيد وباقي الشركاء، في توسيع نشاط الشركة من ثغر اليمن: عدن إلى شماله مخ اليمن: المخا.. من بعد عروس اليمن: الحديدة.. انتقاله إلى عقل اليمن: تعز، عاصمة المملكة المتوكلية اليمنية حيث التطورات المتيحة لفتح مجال حياة جديدة، مما هيّأ لعلي الاستيطان هناك وبناء منزله الخاص بتعاون ومساعدة المثقف المتحمس الحر ناشر عبدالرحمن.

ونظراً لتتابع التطورات في تعز، بحكم «تعصيمها» من قبل الإمام أحمد، أس جعلها عاصمة لمملكته منذ سنة 1948م، فقد افتتحت السفارات ونشطت هناك. وواتت علياً فرصة استثمار عقاري، بتأجير أولى منازله للملحق السوفيتي. ثم منزل آخر ليصبح مقراً للسفارة. فيبدأ التاجر الوطني من خلال هذا اتصالاً دبلوماسياً.. بإحدى عواصم القرار الدولي.

من شرق أفريقيا إلى قلب آسيا

ابتدأ نشاط هائل سعيد وإخوانه ثم شركائه من شرق أفريقيا بالصومال فجنوب غرب آسيا عدن، وامتد -بابن أخيهم وشريكهم علي- من جنوب اليمن متسعاً إلى، وفي شماله.

وسنحت فرصة الخروج بمجال صلاتهم وعلاقاتهم التجارية إلى قلب آسيا من خلال سفيرهم في الشمال: علي حين شق قناة تواصل مع الدبلوماسيين السوفيات الذين مكنوه والشركة الأم من الحصول على توكيلات لمنتجات سوفياتية. فسافر في العام 1958م إلى موسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي. لإبرام ما تيسر إبرامه من الصفقات.

الاتصال برجال وتفاعلات الحركة الوطنية

واكب الحركة التجارية النشطة لعلي محمد سعيد، توطيد صلاته برجال الحركة الوطنية المتواجدين في النطاق اليمني، لا سيما من جمعهم المكان بالعلي، كالحاج سيف عبدالرحمن بالحديدة والشيخ محمد علي عثمان عامل المخا والعامل الأديب علي محمد عبده، ثم ناشر عبدالرحمن بتعز، والقاضيين عبدالرحمن الإرياني وعبدالله عبدالإله الأغبري والأديب مصطفى يعقوب والشيخ جازم الحروي والأستاذ عبدالحفيظ بهران وأحمد الرضي والشيخ عبدالقوي حاميم بتعز.. وغيرهم كثير، وكان اللقاء ببعض رجال الحركة المرتبطين بوظائف رسمية يتم بسرية لا تؤثر أو تحرج أحداً.

وإذ تندلع أحداث لم يشارك فيها علي محمد سعيد، فبالتالي لا يُنسب إليه دور في انقلاب مارس 1955م على الإمام أحمد وتنصيب سيف الإسلام عبدالله إماماً لأسبوع انقلب بعده الإمام أحمد على إمامه والمنقلبين عليه كالمقدم أحمد الثلائي، غير أن علياً تعرف بأحد رجالات الانقلاب وهو الضابط محمد قايد سيف. ووطد صلاته برجال حركة الأحرار من المغتربين كأحمد عبده ناشر وعبدالغني مطهر.. وقيادة الاتحاد اليمني بعدن وشباب الحركة الوطنية كمحمد أحمد نعمان، وعلي الأحمدي وعلي محمد عبده وصالح الدحان. وغيرهم.

ومن خلال صلته الوطنية واتصاله بالأستاذ أحمد محمد نعمان تمكن من إنجاز ترتيبات تدريس أبناء عمومته: عبدالجبار هائل سعيد، ومحمد عبده سعيد، نتيجة إقناع الأستاذ نعمان لهم جميعاً “أن اهبطوا مصر” لتيسير تدريسهم في القاهرة، عوضاً عن بلدان أخرى.. فألحقوا ببعثة الاتحاد اليمني بالقاهرة. أواخر الخمسينيات.

وقبيل ما سمي بانتفاضة القبائل عام 1959م بقيادة الشيخين الشهيدين حسين بن ناصر الأحمر وحميد بن حسين بن ناصر الأحمر، جمع الشيخ ناشر عبدالرحمن بين الشيخين علي محمد سعيد وحميد الأحمر.

وبدأ يتحسس روح المطالبة بالتغيير لدى عدد ممن كانوا محيطين بالإمام أحمد كأحمد محسن قائد.

وبتزايد انشقاق الأسرة الحاكمة في الدفع بمسير الحركة الوطنية إلى الأمام. يكون الاقتحام الحذر من قبل علي محمد سعيد لمجال التحرك الوطني، وربطه للحركة بعبدالغني مطهر الذي أقدم على التواصل والحركة ممثلاً عن التجار الوطنيين.

حوالة حولت ليله جحيماً

ومن الفعاليات الوطنية التي اشترك بها علي محمد سعيد، محاولة سعيد حسن فارع الذبحاني الشهير بـ«إبليس» لاغتيال الإمام مطلع العام 1960م التي استلزمت ترتيبات مادية تكفل بها علي خلال حوالة مكتوبة بمبلغ قدره عشرة آلاف ريال، لكن إحباط المحاولة وانكشاف أوراق «إبليس»? حوّل ليل علي جحيماً، إذ خشي اتضاح صلته بتلك العملية، وهو الحذِر بطبعه والحريص على عدم تأثر عمل الشركة بتداعيات التدخل في فعل سياسي من هذا النوع.

غير أن أوراقاً أخرى من بينها حوالة الشيخ علي سَلِمَت الوقوع في يدي عيون وعساكر الإمام، وسُلمت إلى الشيخ أحمد أمين عبدالواسع نعمان، فطمأن علياً ذات نهار على نجاته من الاشتباه لأن ورق الحوالة محفوظ لديه وسيتولى إتلافها بنفسه.. وعلى الرغم من اطمئنان علي إلى مآل الورقة لكنه فاجأ النعمان أحمد أمين بزيارة مساء نفس اليوم يطلبه الورق ليتلفها بنفسه، فسلمها له. ولما همّ بالخروج ما استطاع نظراً لدخول «اليسك» أي موعد حظر التجول في الشوارع العامة. فأمسى بدار النعمان إلى أن أشرق الصباح وهدّأ بعودته إلى داره من روع أهله القلقين عليه، بعدما هدأ روعه هو!

اللقاء مع السادات في مصر

يشير الشيخ علي محمد سعيد إلى لقاء مهم جرى بالقاهرة تخلل توقفه بها أثناء العودة من رحلة عمل في موسكو، وهو اللقاء بالسيد محمد أنور السادات رئيس مجلس الأمة المصري الذي صار مسئولاً عن الملف اليمني في القيادة المصرية، وعرف بدعمه للدكتور عبدالرحمن البيضاني ومحمد قايد سيف، والذين وطدوا صلاتهم بعدد من الشخصيات الوطنية المتواجدة في الداخل كعبدالغني مطهر وعبدالقوي حاميم، وآخرين ممن يربطهم بالشيخ علي محمد سعيد الهم الوطني ورغبة المساهمة في إحداث التغيير. علاوة على ما عرضه محمد قايد سيف عن شخصيته ودوره من خلال معرفته السابقة بالعطاءات التي بذلها العلي للقضية الوطنية. علماً بأنه كان –تحوطاً وحذراً- يعتمد في النشاط والاتصال على عبدالغني مطهر بما عرف به من مغامرة، حد وصفه له.

لقاءات صنعاء و بوعان

وسنح العام 1962م أيضاً لعلي محمد سعيد (أحد مؤسسي شركة الطيران العامة) وعبدالغني مطهر وأحمد ناجي العديني بزيارة صنعاء تحت غطاء زيارة الأمير البدر ولي العهد وتأسيس شركة زراعية. ويلتقي التجار الأحرار الوافدون من تعز بزملائهم الأحرار المقيمين بصنعاء العقيد حسن العمري وعبدالله جزيلان والقاضي عبدالسلام صبرة والعقيد محمد عبدالواسع نعمان، ويستعرضون الوضع ويتلقى أحرار صنعاء استجابة شركاء الهم الوطني من أحرار تعز لطلب الدعم  المادي.

ولم تك تحركات أحرار تعز واجتماعاتهم بأحرار صنعاء مخفيةً على الوطنيين المحيطين بولي العهد محمد البدر، إذ فوجئ علي محمد سعيد يوماً بمكاشفة عبدالله الضبي له حول هذا الأمر مطمئناً إياه على التقائهم جميعاً حول فكرة التغيير الوطني.

فيشهد دار الضبي لقاءً وطنياً ثانياً جمع أهم عناصر خلية تعز «السعيد والمطهر» بأعضاء خلية صنعاء: عبدالله السلال وعبدالسلام صبرة وحسن العمري ومحمد علي عثمان ومحمد عبدالواسع نعمان وهاشم طالب وإبراهيم الحضراني، عُرِف هذا اللقاء بـ«لقاء بوعان» كمحطة رئيسية لتحضير الثورة اليمنية، وهو لقاء تخلله فزع بعض الحضور، من اتصال البدر بمنزل الضبي ووصول دويداره يستفسر عن أمر ما. وشهد اللقاء أيضاً تباين آراء في بعض تفاصيل خطة الثورة وإجراءات تنفيذها. غير أنها جمعت رأياً نهائياً حول ضرورة الثورة والتغيير.

ويشير المشير السلال شهادته المثبتة بكتاب في «وثائق أولى عن الثورة اليمنية» إلى لقاء ثانٍ بينه وبين الشيخين سعيد ومطهر في صنعاء لمراجعة محرر مرفوع منه إلى الرئيس عبدالناصر قبل سفر المطهر إلى هناك.

ويؤكد القاضي الإرياني في شهادته لـ»وثائق أولى» على تحضير خلية تعز للثورة أيضاً من خلال لقاءات تجمعه بعلي محمد سعيد ومحمد مفرح والحرازي والعديني..

كما يبين الشيخ علي محمد سعيد أنه التقى بعلي عبدالمغني في إحدى اللقاءات، ويؤكد على أن بين تحضيرات معظم خلايا الثورة اليمنية اتفاق الثوار اليمنيين مع الساسة المصريين على توفير كافة الإمكانيات فور دخول ساعة الصفر المحددة باغتيال على الإمام أحمد.

موت الإمام أحمد داهم الثوار

موت الإمام أحمد طبيعياً يوم 19 سبتمبر 1962م، داهم مخطط اغتياله المعد من بعض الثوار والمتفق عليه مع القيادة المصرية، وصادف يومذاك أو أسبوعذاك مرور عبدالقوي حاميم بالقاهرة عائداً من موسكو فالتقى بأنور السادات ليتلقى منه إنذاراً بسحب وعد الدعم المصري المباشر ما لم يتم ما أُبرِم بشأن الثورة في اليمن –وإن توفي الإمام أحمد طبيعياً- فكل شيء جاهز والقوات المصرية في البحر -حسب رواية الشيخ علي محمد سعيد-، ونقل حاميم الرسالة إلى رفاقه بتعز «سعيد ومطهر» الذين كلفوه بزيارة صنعاء لإبلاغ الأحرار هنالك، فوصل صنعاء تحت غطاء تعزية البدر وتهنئته بتنصيبه إماماً، ونقل للأحرار فحوى الرسالة المصرية ليجيبوه طالبين شحن الذخائر المخزونة في تعز، فتولى علي محمد سعيد ورفاقه عبدالغني مطهر وأحمد ناجي العديني المهمة.

تفاصيل بعض ترتيبات اللحظات الأخيرة

وباستجابة أحرار تعز لطلب أحرار صنعاء، بدأ الفصل القصير والأخير من تقريب آخر ساعات المملكة المتوكلية اليمنية وأول لحظات الجمهورية الجديدة، ويفصّله علي محمد سعيد -في بعض المواضع- على النحو التالي:

جرى إعداد شحن الذخائر عبر شركة الطيران بحكم عمله عضواً بمجلس الإدارة، ورُتِّب أيضاً:

 موعد الرحلة

– المسافرون عليها مرافقين للشحنة وهم: أحمد ناجي العديني باعتباره رجل المهمات الصعبة واتصافه –حسب علي محمد سعيد- بالشجاعة والإقدام، علاوة على أنه تاجر في منأى عن المراقبة.. وكذلك الملازم علي الضبعي أحد أفراد خلية الضباط بتعز المتواصلين مع التجار الأحرار وهو الذي يعرف لمن ستسلم الشحنة.

وقد بادر العديني والضبعي فعلاً إلى السفر يومذاك لولا أن الأخير حينما شاهد قائد الجيش أحمد الآنسي في المطار، نزل من الطائرة ليزيح أي شك محتمل إزاء وجوده على متن الطائرة بغير مهمة رسمية أو إذن وتكليف رسمي.

ونظراً لهذا التغير المفاجئ في الخطة، ولعدم معرفة أحمد العديني إلى من ستسلم الشحنة، أرسل علي برقية شفرة تجارية فحواها «سلم قيمة البضاعة لسيف عبدالرحمن». فورد الجواب مطمئناً على وصول العديني مزيلاً لقلق المجموعة، ومبشراً بضبطه لأعصابه أمام بعض مستفزيه في المطار، وكذا أدائه الأمانة إلى سيف عبدالرحمن.

ولكن العديني سافر إلى صنعاء دون أن يخبر علياً الذي خشي من وقوع العديني في قبضة عساكر الإمام وانكشاف أسماء المجموعة، فحمله قلقه على السفر إلى الحديدة ليبحث عن رفيقه، بل ويفيد ابن محمد سعيد بأن في ذهابه هو من تعز إلى الحديدة بحثاً عن العديني منجاة من خطر السجن بالهرب عبر البحر حال افتضاح نشاطه ومجموعته وارتباطهم بما يدور. لكنه فوجئ بلقاء العديني وحاميم عائدين من صنعاء إلى الحديدة.

في تعز.. وكتابة الوصية ليلة الثورة

عاد الشيخ علي إلى تعز عاصمة المملكة والمحطة الاستراتيجية الأهم لدى وضع كل خطة عسكرية ساعة الصفر، وتقرر إحكام السيطرة عليها لا سيما وعدد من رجالات وأركان النظام ما يزالون فيها، فكان علي في طليعة المدنيين والعسكريين الذين سيطروا على تعز نهار الخميس 27 سبتمبر. إنما بعد ليل طال الخوف فيه علياً من فشل الثورة، وما يستتبعها من أثر على مصير الآخرين المرتبطين به وهو المرتبط بتفاعلات تحضير اللحظة الأخيرة التاريخية في عهد الإمامة وحياكة شمس أول عهد الجمهورية.

فإبراءً لذمة من معه مما ذهب إليه بنفسه، اندفع يكتب رسالة إلى أعمامه جازم وهايل وعبده سعيد أنعم يحمّل نفسه فيها مسئولية ما صرف من أموال الشركات دون علمهم، ويسألهم المعذرة والمسامحة موصياً إياهم بابنه “محفوظ” الذي يصير به إرث أبيه “محفوظاً”.

السيطرة على تعز صباح الثورة

ما أشرق نهار الخميس 27 سبتمبر إلا وقد أذيعت بيانات الثورة الأولى، ما بعث على نفس علي بن محمد سعيد الاعتزاز والفخر والثقة الكاملة ما لم تكُ الزائدة بالنفس، حد «الهنجمة» كما يصف سلوكه يومذاك، والتوجيه للعسكر بفتح الراديو المعلن نهاية الإمام البدر وبداية الجمهورية والثورة، مخرساً ألسنة مكذبي الخبر. ولم يكتفِ بذلك بل طاف بسيارته وقد هيّأ لها ميكروفوناً ومذيعاً متنقلاً هو سعيد أحمد الجناحي الذي ملأ أرجاء تعز من متن سيارة علي محمد سعيد بهتافات الثورة والجمهورية.

وكانا يجمعان في طريقهما مظاهرة جماهيرية حاشدة بعثرت أفراد الجيش المجتمعين هناك لمبايعة الإمام يومها في الميدان، علماً بعدم تجمع كافة قوات النظام الإمامي من عساكر البراني والعكفة، فأفراد الجيش النظامي تحديداً قد انخرط معظمهم في خط الثورة إذ كانت بينهم المجموعة العسكرية التي يتصدرها الضباط المنسقون مع علي محمد سعيد: علي الضبعي وسعد الأشول وأحمد الكبسي بإيعاز من القاضي عبدالرحمن الإرياني، حسب الذين أقنعوا قائد الجيش بتعز أحمد الآنسي بإصدار أوامره للجنود كافة بالتعاون مع ضباط الثورة فتجاوب معهم.

ويذكر علي محمد سعيد عن ذلك اليوم الذي أحكم فيه المدنيون والعسكريون سيطرتهم على المدينة، أن لم تك هناك مقاومة تذكر إلا من ابنة الإمام أحمد أخت الإمام البدر زوجة عبدالله عبدالكريم في دار النصر إلى أن هددهم محمد مفرح بالمدفعية. وكان بين أدوار علي محمد سعيد ذلك اليوم حصر ما في دار الناصر.

من قلب العمل الحكومي إلى صدر العمل الاقتصادي الوطني

ساعد دوره الوطني على ضم اسمه في أول تشكيل حكومي للثورة بعد إعلان الجمهورية فعين وزيراً للصحة، ومع توسعة مجلس قيادة الثورة وتقرير الموازنة بين القوى العسكرية والمدنية كان ضمن جملة المدنيين أعضاء مجلس القيادة في أكتوبر 1962م، ثم عضواً بمجلس الرئاسة في أبريل 1963م وتقلد منصب الوزير في عدة حكومات، وانضم إلى الوفود الرسمية الزائرة لعدد من البلدان الصديقة والشقيقة وحضر إبرام معاهدات التعاون والصداقة مع الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية، وكان ممن وقعوا اتفاقية التنسيق بين الجمهوريتين العربيتين المتحدة واليمنية عام 64م إلى أن صار مستشاراً لرئيس الجمهورية عبدالله السلال. وكان موضع تعريف الصحف المصرية الصادرة تلك الأيام بأنه «من كبار رجال المال والاقتصاد، وكان يمد الحركات الوطنية بالمعونات المالية». كما كان موضع تكريم الرئيس والزعيم الراحل جمال عبدالناصر اذ قلده وسام النيل عام 63م.

وبقي في عمله الحكومي إلى أن  قدّر وعمه هايل سعيد أنعم أهمية حماية الثورة والنظام الجمهوري من خارج مواقع السلطة التي أغراها علي محمد سعيد بالإبقاء عليه أكثر مما أغرته هو على البقاء فيها.

فانصرف آخر عهد المشير السلال إلى إيقاد الثورة الحقيقية: البناء والتنمية في مجال الاقتصاد.

إلا أن الهم الوطني لما يفارقه، فتجده عند الملمات وقد أطبقت سماء الجمهورية، مسرعاً إلى تبديدها كما فعل يوم حوصرت صنعاء وهو عائد من موسكو ليلتقي ثانيةً (إذ التقاه قبلاً فور حركة 5 نوفمبر 1967م) برئيس المجلس الجمهوري القاضي عبدالرحمن الإرياني في الحديدة فيضع بين يديه الدعم المطلوب منه ومن باقي التجار والمدنيين.

وبعد طلوع عمه هايل وأركان الشركة من أبناء الحاج هائل: أحمد وعبدالرحمن وعبدالواسع وعبدالجبار من عدن عام 1969م أسهم علي في تثبيت النشاط التجاري لهائل سعيد أنعم وشركاه المعروفين بالسمعة الطيبة على امتداد اليمن.

وبدخول البلاد مرحلة السلام الوطني والبناء الديمقراطي وإنشاء مجلس الشورى بعد أول انتخابات برلمانية عام 1971م يختار عضواً بمجلس الشورى من عام 1971م – 1975م. وينخرط أيام الرئيس إبراهيم الحمدي في الاتحادات العامة كاتحاد الصناعات اليمنية وينتخب رئيساً لها، إلى أن عين عضواً بمجلس الشعب التأسيسي عام 1978م في عهد الرئيس أحمد الغشمي.

ويكون شريكاً أيام الرئيس علي عبدالله صالح في لحظات ميلاد الوحدة اليمنية عام 1990م، وحاضراً أهم لقاءاتها، مبادراً بعرض ما يخطر له من رأي في مجال اختصاصه.. مساهماً في أخطر لحظات البلد باذلاً من المال والجهد والعطاء ما استطاع. بل ومدفوعاً إلى تبني مشاريع استراتيجية كانت تشكل هماً بالنسبة له.

ومواكباً لحراك التغيير الأخير والتسوية السياسية التي حطت بالرئيس عبدربه منصور هادي في سدة السلطة بموجب المبادرة الخليجية والانتخابات الرئاسية المبكره عام 2012م.وبقي الشيخ علي محمد سعيد (عضو مجلس الشورى) على مدى عمره المديد «من الميلاد إلى الإيقاد» موضع تقدير واحترام.

خلاصات:

التكامل والإخلاص: لا يخلو عمل وطني من تكامل أدوار السياسيين والاقتصاديين والعسكريين ومختلف أطياف المجتمع، مما يثبت أيضاً أن من بين هذه الأدوار الموسومة بالاستغلال والانتهازية ما ليس انتهازياً، بل تكون الوطنية والإخلاص للقضية سمة أساسية، على النحو الذي برز به التجار الوطنيون، حتى إن استندوا على مكانتهم السياسية كالشيخ علي محمد سعيد الذي تبوأ مناصب عضوية مجالس قيادة الثورة والرئاسة، ووزارة الصحة والدولة، ورئاسة مجلس إدارة البنك اليمني للإنشاء والتعمير.

الوحدة والذوبان المؤسسي: يفصح علي محمد سعيد عن حقيقة الرصيد الوطني لمجموعة هائل سعيد وشركاه وتكوّنه من موارد المجموعة وليس من مورده الشخصي. ومرد ذلك حقيقةً إلى صدق الالتزام والإيمان بضرورة العمل المؤسسي والاهتداء إلى تكامل الجيل الأول بمختلف مشاربهم في المجموعة، والتي نمت جذورها بإيمان وتكامل الأب والأعمام والجد في نشاطهم الخيّر بالقرية. فانطبق فيهم قول الله حَقّ وصَدَق: «فتيةٌ آمنوا بربهم وزدناهم هُدى».

الاحترام وربط الأجيال: يميز علي محمد سعيد احتفاظه بالعلاقات الإنسانية مع مختلف الأطياف الوطنية على مدى عقود عمره، توطيداً لصلاته بمن واكب معهم الثورة اليمنية الأولى: فبراير 1948م المعروفة بالثورة الدستورية، وأيضاً الثورة اليمنية الثالثة: سبتمبر 1962م المعروفة بالثورة السبتمبرية، فكان العازل والمانع دون تمادي بعض الصغار على بعض الكبار.

النزوع إلى الخير: ألقيت بذرة النزوع إلى الخير في الجد سعيد ونمت في البنين وترعرعت في الأحفاد وأبنائهم يتصدرهم الآن علي محمد سعيد وأحمد هايل (رحمه الله) وإخوته عبدالرحمن وعبدالواسع وعبدالجبار ونبيل ومن بني عمومتهم محمد عبده سعيد وبقية إخوتهم وبني عمومتهم «جازم وعبده سعيد»? وأنجالهم من بعد “محفوظ” و”شوقي” و”وليد” و”طارق” و”رامي” ومجايليهم من إخوتهم وبني عمومتهم، والشاهد ما بنت أيديهم على امتداد الوطن شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً، من مدارس ومستشفيات ومراكز وجامعات ومؤسسات.. وغيرها من منافع للناس.

مشاركة