علي ..في ذكرى إستشهاده – عبدالهادي البابي

459

علي ..في ذكرى إستشهاده – عبدالهادي البابي

لقد وفّى أهل البيت الكرام (عليهم السلام) لرسولهم وإمامهم الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم ) فساروا على طريقه ومنهاجه مختارين حياة الزهد والكفاف والسمو والترفع عما في أيدي الناس ، فكانوا خير من علِمَ بعده وعمِل بقوله :(اليد العليا خير من اليد السفلى).. علي الذي نعيش هذه الأيام ذكرى شهادته – الإنسان  المسلم الحق الذي أقتفى أثر حبيبه وقائده المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)  في كل خطوة خطاها ، وفي كل أمر عمل به وأمر رعيته به ، كيف لا وهو ربيبه الحنون  ،ومعلمه الأول ،وملهمه العظيم..!! لقد كانت حياته ترجماناً أمينا لأقواله ووصاياه ، عاش عيشة الفقراء حتى وهو على رأس السلطة ! ومنع أهله وأقاربه من متع الدنيا والتبسّط فيها ليظلوا مثلاً يقتدي به المقتدون .. وكلنا قرأ وسمع عن قصة أخيه عقيل بن أبي طالب الذي أفتقر وأشتد به الفقر حتى أنه لا يجد مدّاً من طحين فيأتي أخاه أمير المؤمنين يسأله من بيت المال ما يسد به جوعة عياله الذين أسودت وجوههم وأغبرت ألوانهم وشعثت شعورهم فيرده رغم تكرار طلبه ومراجعته وكما ورد في نهج البلاغة ج2ص 217. لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى أستماحني من برّكم صاعاً، ورأيت صبيانه شعث الشعور ، غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظلم ، وعاودني مؤكدا وكرر عليّ القول مرددا ، فاصغيت اليه سمعي فظن أني أبيعه ديني وأتبع قياده مفارقا طريقي ، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئن من حديدة أحماها أنسانها للعبه ؟ وتجرني الى نار سجرها جبارها لغضبه؟! أتئن من الأذى؟ ولا أئن من لظى؟! ونقول اليوم : إننا نرى العار مجسماً يجلل أردية ولحى وعمائم كثيرة حين نقارن بين هذه الحالات وبين ما عليه أصحاب هذه الأردية واللحى والعمائم من غنى فاحش وترف وتخمة ورتع في أموال الناس … فهم يدعّون حبه وولايته ، ولكنهم أبعد الناس عن حقيقته ومنهاجه  .. لقد كان (عليه السلام) ينفق جميع ما في بيت المال ويوزعه على المستحقين من فقراء المسلمين وغير المسلمين على حد سواء ، ثم يكنسه بنفسه الشريفة ويرشه بالماء الخفيف ليصلي فيه ركعتين هما كل نصيبه منه… واليوم ..نجد الكثير الكثير من الذين يصرخون بوجوهنا ويلهجون ويصيحون بحبه وولايته قد كنسوا (خزينة العراق) كنساً بواسطة الفساد المالي المستشري بشكل مزمن ومن الأختلاسات والسرقات الهائلة التي لها أول وليس لها آخر، حتى أفرغوا (هذه الخزينة)  من أموال ثروات العراق وجهود أبنائه وشعبه  ونقلوها إلى بنوك ومصارف الأجانب وسجلوها بأسماء بناتهم وزوجاتهم وأقاربهم وشركاتهم الوهمية هناك ..حتى يلتحقوا بها بعد حين ، وكما فعل بعضهم .. لقد كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام)  يحصل على رزقه أيام خلافته من كدّ عمله في بستان يعمل فيه ظاهر الكوفة ، وكانت الزهراء (عليها السلام) تقوم بغزل الصوف لتاجر يهودي أسمه شمعون الخيبري مقابل صاع من التمر كل يوم تطعمه أطفالها حتى (مجلت – خشنت- أصابعها )  وهكذا كان أحفادهم الصالحون .. فأين هؤلاء الذين يأكلون  أموال الناس تحت شعار ولاية علي وشعارات حب أهل البيت …أين هم من أخلاق وسلوك وحياة أهل البيت عليهم السلام؟ لكن المصيبة – التي نكبنا بها فتركتنا كالسكارى لا نعي ولا نفكر في شيء ، أننا نقرأ هذه الأقوال ونرويها للأعجاب والتباهي دون شعور منا أن هذا لن ينفعنا عند الله مثقال ذرة ما لم نعمل أو نطالب أنفسنا ولو بجزء قليل من العمل بمقتضى هذه التوجيهات العظيمة ..فلقد أصبنا بمرض مزمن ،إنه تبلد الإحساس بما نقرأ أو نسمع من سير الصالحين وحكم الواعظين ، إنها لا تعني بالنسبة لنا أكثر من أننا نسمعها أو نرويها ، ونمر بها كما يمر (الشخص المدمن)  بمكتبة كبيرة حاشدة بالكتب العظيمة والمنشورات الملونة المختلفة وهو لايعي ما تعني بالنسبة إليه ولا يثيره منها إلا زخرفتها أو حسن رسمها وجاذبية ألوانها ! ولذلك حصل الأنشطار الخطير بين أقوالناوأفعالنا !

مشاركة