علي الوردي ما زال مغضوباً عليه – مقالات – نوزاد حسن
احيانا اسال نفسي هذا السؤال:لو كان هيجل الفيلسوف الالماني كتب كل فلسفته باللغة العربية ترى كيف كنا سنفهم ما كتب وكيف كنا سنعثر على المشاكل العامة في ضوء فلسفة تعتمد على صراع الفكرة ونقيضها..؟
سنسال اين هموم المواطنين من كل هذه الكتب الصعبة المعقدة..؟لو كان هيجل عراقيا لظل منسيا وغير معروف وربما لاحرقت عائلته كتبه فيما لو انها احتاجت الى حطب تشعل به تنورها الذي يصنعون فيه الخبز.لكني لن اسلم باي من هذه الاسئلة بل اتوقع ان نجد كل ماكتبه هيجل يذهب او يهاجر الى الخارج بوسيلة او باخرى.
سيكون هيجل العراقي مغضوبا عليه لانه لم يجد من يفهمه.هناك حواجز صلبة تمنع الحوار الثقافي او الديني او الشخصي بين الناس.فما بالك بفلسفة معجمها الفلسفي يحتاج الى شرح مطول.هيجل وحده له قاموس او معجم يشرحه.ونحن نريد ان نلتقط الافكار كما نتنفس وكل ما يهمنا من اي كتاب جملة واحدة فقط اما طريقة قول هذه الجملة فلا يعنينا.
لو غيرت السؤال السابق وقلت:هل فهمنا علي الوردي جيدا بعد رحليه عنا منذ سنوات..؟فساجيب اجابة قاطعة وهي اننا لم نفهمه وما زال عالم الاجتماع كاتب قال جملة واحدة هي ان الفرد العراقي مزدوج الشخصية.وانتشرت هذه الفكرة بيننا وتوقفنا عندها ولم نتجاوزها الى فهم كل كتابات هذا العالم الكبير وعلاقتها بزمنها وزمننا وكذلك بصلتها مع ثقافات العالم المختلفة.
في كل ثقافة من ثقافات هذا العالم الواسع يولد المثقف المتمرد وعلي الوردي احد اعظم متمردي ثقافتنا العراقية.هو يشبه رورسو وعمقه الفكري لكنه لم يفر ولم يعش في مكان بعيد عن بلده وكان بوسعه ان يهاجر .ظل الوردي متمردا وسط حالة اجتماعية وسياسية ودينية تضغط عليه.كان واقعيا جدا فكون اسرة وعاش استاذا منفتحا وقال كل ما في نفسه وتحمل ما تحمل.الوردي يسوع جديد بشر بافكار نورانية لكن المجمتع رفضه.ولو ان فكرة الصلب واردة ومقبولة لصلب كالحلاج. لكن عذابه كان من نوع اخر اذ كان مخالفوه كلهم جلادين من الطراز الاول. كان اعداؤه من اصحاب الفكرة الواحدة التي لا تقبل مناقشة او حوارا.واصحاب الفكرة الواحدة اقسى الجلادين على الاطلاق.
ما اريد قوله هو لماذا لم نقم حتى الان باعادة الاعتبار لعلي الوردي. اوعلى الاقل محاولة فهمه من جديد..؟
لماذا صار بالنسبة لنا كما كان هيجل بالنسبة الى طه حسين.فعميد الادب العربي كان لا يفهم هيجل ويرى صعوبة في قراءته.وكذلك نحن اليوم لا نفهم علي الوردي ونرى صعوبة كبيرة في قراءته.
ورغم بساطة اسلوب عالم اجتماعنا الكبير فاننا لم نفك حتى هذه اللحظة سر ذلك الرجل الذي بدا في اول محاضرة بالحديث عن العقل واسمى احد اهم كتبه بمهزلة العقل البشري وهو في هذا خالف مجتمعه الذي ما زال يعتقد باهمية العقل البشري.
ان الشيء الملفت للانتباه هو ان الوردي ما زال مغضوبا عليه في الوقت الذي كان على جميع المثقفين ان يقوموا بالبحث في كتبه عن نقطة ضوء تقربه منا اكثر.ولعل واحدة من مشاكلنا الفكرية هو ان كتابا تحليليا واحدا لم يكتب لعرض مسيرة الثقافة وكيفية تطورها.ظلت الثقافة عندنا عبارة عن كتب لا رابط بينها.وما حصل في اوربا من حركات تعارض الواحدة منها الاخرى كان عندنا مجرد سكون لغوي لا صراع فيه.كانت مشكلة المثقف مع السلطة السياسية وكان الواقع الاجتماعي ضاغطا على اعصابه.لكن الوردي غير المعادلة حين فسر لنا العقل وما قد يفعله في الانسان.وحين اشار الى ان العقل يتمتع بقدرة على التعصب فانه بهذا يكون قد اطلق اخر رصاصة على اهم قوة لها احترام كبير عندنا وهي العقل.
في الحقيقة يمكن لي تسمية كل كتب علي الوردي على انها مكتبة انسانية ضد تعصب العقل.وهنا يلتقي الوردي بفرويد لقاء فريدا كما اشار احد الباحثين.لكن القضية الاهم التي اريد التوقف عندها هي الى اي حد يمكن ان تكون كل كتابات الوردي خطوة باتجاه تكوين تيار معارض لكل ما هو موجود من افكار.كيف يمكن ان نصنف كتبه او نصفها من الخارج..؟هل هي كتب فكرية انطلقت من علم الاجتماع وملامسة قضايا المجتمع..؟هل هي ابحاث اجتماعية تلونت بمعرفة نقدية تنويرية..؟هل كتبه محاولات شخصية قفزت على سياج المعرفة الاكاديمية ولم تلتزم بانضباط عقلي جامعي..؟هل كتبه نبوءة عراف قالت قبل عقود بما نراه ونشهده ونلمسه اليوم..؟هل توجد فكرة داخلية في كل ما كتبه من سطور..لكن هل حقا ان في كتبه فكرة داخلية تطمح الى صياغة واقع جديد على خلاف هذا الواقع المتردي البائس.
كل هذه الاسئلة هي دخان لحرائق غابة الثقافة عندنا.ودون فهم ملامح سر الفكرة الداخلية للثقافة سيظل الوردي مغضوبا عليه وبعيدا عن حياتنا وستكون كتبه عبارة عن سطرو وافكار متناقضة.وربما سنقول ان الوردي مزدوج الشخصية ايضا.


















