على نفسها جنت براقش – لويس إقليمس

251

على نفسها جنت براقش – لويس إقليمس

كانت جريدة الصباح الرسمية العراقية قد نشرت في عددها ليوم الأربعاء 29  كانون ثاني 2020  ما مفادُه بأن “تقديرات المجلس الأعلى لمكافحة الفساد لقيمة الأموال المنهوبة المهربة من العراق توازي الموازنات الاستثمارية التي أُقرت منذ عام 2003 وحتى الآن”. وقد يفيدنا المختصون بالأرقام عن قيمة هذه المبالغ التقديرية وغيرها ممكّا في الكواليس، ليس كمعلومة عامة عابرة فحسب، بل لتكون من وثائق الجهات العدلية النزيهة التي تقبل بمتابعة هذا الملف الشائك، بالرغم من عدم وثوقنا جزئيًا بصدقية الجهاز القضائي القائم حاليًا بسبب اعتقادنا بمجاراته لأحزاب السلطة ومحاباتها، لكون نفر من عائلته يُعدّون من الأتباع والمجالسين لعدد من الفاسدين في السلطة. لذا لا نعوّل كثيرًا وتمامًا على الأجهزة العدلية والقضائية الحالية واية أجهزة رقابية أخرى في الوقت الراهن، بسبب تشابك الأحداث وتداخل العلاقات، ما طبع هذه الأخيرة بصفة المجاراة للواقع حتى انقشاع الظروف وتبدّل الوجوه والشخوص. ما دعانا للتذكير وإثارة الموضوع مجددًا ما بدا للمواطن العراقي وغيره، عن استعداد مكنون مشوبٍ بالحذر من جانب سابع رئيس لمجلس الوزراء في العراق بعد الغزو الأمريكي، لفتح أوراق هذا الملف الشائك ضمن منهاجه الوزاري، لكونه من المواضيع الساخنة المسكوت عنها بل المهمَلة من قبل مَن سبقه على هذا المنصب.

قد يكون ما نسمعه ونقرأه عن أرقام الفساد الخيالية “صادمًا جدّا”، لكنه في نظر شرائح من أرباب الطبقة الفاسدة وأتباعها يدخل ضمن خانة “العادي جدّا”. فحيث كانت صفة الفساد والسرقة والنهب والقتل حرامًا في العرف الاجتماعي العراقي “العربي”، أصبحت في ظلّ نظام الحكم بعد 2003? نوعًا من التفاخر والشيم المجتمعية لنفر ضالّ ارتضى لنفسه الانخراط ضمن منظومة الفساد التي تحكمها أحزاب السلطة، ولاسيّما الإسلامية. ويا للعار! ولكن، حسنًا فعل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد بمكاشفة الشعب بالمشكلة بل بالمشاكل الكبيرة والكثيرة التي تتقاطع مع جهود بعض أعضائه الذين نتوسم فيهم الرغبة الصادقة والنزاهة الشخصية. ونحن نعتقد أن هذا لن يكون ممكنًا إلاّ في حالة توفرت لديهم الحرية الوافية والمساحة الكافية للعمل وفق الضمير والمواطنة الصادقة للحفاظ على ثروات البلاد وحقوق المواطنين المحرومين منها بسبب ما شهدته البلاد منذ السقوط في 2003. فقد سمحت قوة الاحتلال الغاشم آنذاك لساسة البلاد بنهب الثروات على مرأى ومسمع بل ودعم من رموزها وعلى رأسها الحاكم المدني سيّء الصيت بريمر الذي مسك العصا من الوسط ووزع المناصب والمكرمات بموجب نظامه المحصصاتي البغيض الذي كان السبب المباشر في نشر الفساد واستشرائه وتمكنه من الاتساع بطريقة أخطبوطية وأميبية ماكرة لغاية الساعة.

صعوبة العمل

لا ننكر صعوبة العمل التي يمكن ان يواجهها مجلس مكافحة الفساد وغيرُه من المؤسسات الرقابية في ملفات معقدة يعود جلُّها لحيتان الفساد الكبيرة من زعماء كتل وأحزاب في السلطة منذ 2003 أو تلك التي تعود لأتباعهم وذيولهم من مسؤولين ولدى قيادات مدنية وعسكرية تحظى بوصاية وحماية من لدن قادة الكتل والأحزاب التي يخشى القضاء التقرّب منها أو التعرّض لها لأسباب عديدة ومنطقية في مجملها. فقد صرّح زعيم كتلة مهمة في تصريح إعلاميّ سابق أن القضاء واقع تحت مطرقة الأحزاب والكتل السياسية وأنه يخضع لتأثيرات الأحزاب والساسة في البلاد. بل إنه تفاخر بذلك أمام الملأ. ولعلَّ من نماذج محددة ومعينة وبارزة لهذا التأثير ما حصل ومازال يحصل في معالجة حقوق مواطنية لموظفين وعسكريين سابقين ايام النظام السابق من حجب لمستحقات وتراكم مرتبات واستحقاق حقوق تقاعدية اسوة بالغير كما تنص عليه الحقوق الوطنية الأساسية، مقابل تسهيل حصول فئات غيرهم ومن أتباع أحزاب السلطة حصرًا على حقوق تفوق استحقاقاتهم بحجة الجهادية والمظلومية وبمسميات أخرى ما أنزل الحاكم الظالم من أوامر سلطانية.

 في اعتقادي أن السيد مصطفى الكاظمي، قد وضع نصب عينيه موضوعة الفساد وكيفية معالجتها ضمن أولويات كابينته الوزارية. فالشارع الغاضب منذ أكثر من سبعة أشهر لانطلاقة الانتفاضة التشرينية الوطنية السلمية، وأنا منهم مثل باقي أترابي من المفكرين والمثقفين والأكاديميين وغيرهم من محبي الوطن والمتمسكين بأرضه وحضارته وتراثه والمفتخرين بفسيفساء تعدديته الجميلة الملهمة للعالم أجمع، نتطلع لعمل وطني جماعيّ دؤوب مصحوبٍ بغيرة متقدة من الجهات الرقابية جميعًا وبغطاء من لدن رئيس مجلس الوزراء الحالي العازم على وضع حدود لهذه الآفة ومحاسبة ومتابعة اللصوص وناهبي ثروات البلاد من دون وجه حق . وهذا ممكن التحقيق في حالة انسلاخ هذه الجهات ومَن حولها وفي خطوطها الرقابية عن سطوة أحزاب السلطة وأزلامها وذيولها. ونحن نعلم أن في الأدراج الكثير من ملفات الفساد العديدة المركونة محظورة التقرّب منها لأنها لو فُتحت فإنّ رائحتها النتنة ستفسد البيئة القريبة من أبطالها من الرابضين في المنطقة الخضراء او الذين لاذوا بالفرار في دول الجوار وبلدان الاغتراب ومعهم الملايين من الورق الأخضر الذي سُرق ظلمًا من أفواه أهل العراق الطيبين واقتطع من حقوق الشهداء والثكالى والأرامل المستحقين ونُهب من أمام عيون الشباب العاطل الباحث عن فرصة عمل والخريجين الذين يفترشون الشوارع أو يعملون في العتالة في سوق الشورجة وبسطات الأسواق والساحات العامة رغم أنّي لا أنتقص من ايّ عمل او وظيفة مهما كانت طبيعتُها دنيا أو حقيرة في نظر البعض.

هناك مَن يتعامل أو يذكّر بأرقام فساد خيالية عالية تصل مبالغُها إلى أكثر من خمسمائة مليار دولار أو تتجاوز هذا السقف المفترض في ضوء حسابات خافية أخرى يجهلها القارئ والمتتبع البسيط الغافل. ناهيك عن اعترافات من مصادر القرار التي تحدثت وتتحدث صراحة عن أكثر من أربعمائة مليار دولار أو ما يقاربها مفقودة ولا أحد يعرف دهاليز مواقع صرفها وكيفية سرقتها. أمّا مَن فتحَ فاه من الجريئين، فكان مصيره التغييب. لكن المشكلة أنّ الكلّ مثل الكلّ متآزر في إبقاء الشرّ وأدوات الفساد وإدامة هذا الأخير وفق مبدأ “أنتَ هص وآني هص والاثنان بالنص”.  وهذا ممّا يحافظ على متانة العلاقة لغاية الساعة بين الأصدقاء الأعداء في مراكز القرار والمتسلّطين على رقاب الشعب ودوائر الدولة، حين توحُدِهم واجتماعِهم على كلمة واحدة عندما يوشك خطر الاقتراب بفضح مصالحهم وفسادهم أو عندما يحصل الخلاف بين الفاسدين ويجري التهديد والتلويح بالملفات المحفوظة التي تراكمت عليها الأتربة منذ سنوات.

على نفسها جنت براقش

جميلٌ جدًا، أن يُفرد السيد رئيس مجلس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي في منهاجه الوزاري مادة منفردة ومستقلة عن مكافحة الفساد والإصلاح الإداري (المادة الخامسة). وهذا من الدليل على حرصه، في حال صدقت هذه النية، للتعامل الجادّ مع هذه الآفة التي تُعدّ من التحديات الكبيرة التي ستواجه برنامجه. وبطبيعة الحال لن يكون بمقدوره منفردًا أن يزيل هذه الغيمة السوداء الثقيلة الجاثمة على صدر البلاد والتي نحتت جسم الخارطة الوطنية بسبب المشهد السياسي الفاسد الذي تديرُه أحزاب السلطة، والدينية منها بصورة خاصة. وهذه دعوة للسادة في المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في حالة استئناف عمله الوطنيّ، بعدم الانزعاج من طروحات أبناء الوطن الطيبين، والأصلاء منهم بصورة خاصة ولاسيّما في هذه الأيام العصيبة الصعبة التي يمرّ بها اقتصاد البلاد المتهاوي بسبب الانخفاض الحادّ في أسعار النفط الذي يشكلُ الدخل القومي الريعي للبلاد، وما يعانيه أو قد ينتظره من مصير صحّي مجهول بسبب عدم الامتثال الصحيح لإرشادات الوقابة من الوباء الفتاك المتمثل بفايروس كورونا القاتل. لسنا هنا بصدد فضح هذا أو ذاك، أو الانتقاص من قيمة هذا أو ذاك ممّن قدمَ على ظهور دبابات المحتل، أو ممّن جاءت بهم صناديق الاقتراع المزورة إلى السلطة من غير أهلية ولا جدارة وفي خلوٍّ من أية مسحة وطنية أو شعور بالولاء للوطن وأهله.

كان الأمل وسيبقى هدف كلّ الطيبين والحريصين في الإصلاح والبناء والتنمية عبر التصدي للفاسدين وإعادة ما أمكن ممّا تمّ نهبه وسرقتُه وتهريبُه من الأموال السائبة. فالزمن الصعب الحالي يستدعي تعاونًا ملموسًا من الجميع من أجل المساهمة والعمل على إيجاد حلول شافية وآنية للأزمه المالية والاقتصادية الراهنة. وهذا جزءٌ أساسيٌّ أيضًا من مطالب الشارع المنتفض في وسط وجنوب العراق. ونعتقد جازمين وقوف باقي مواطني المحافظات الشمالية والغربية مع مطالب المنتفضين واللحاق بهم قريبًا جدًا بالانتصار للمواطنة الحقيقية ووضع حدّ لاستهتار المنظومة السياسية القائمة على حكم البلاد بنظام المحاصصة التوافقي الذي يديم نهب الثروة الوطنية وسرقة مستقبل الأجيال التي لم تولد بعد، بل ستكون  مدينة لدول العالم بسبب سوء إدارة أساطين الحكم الفاسدين.

منبر اعلامي

نحن انطلاقًا من هذا المنبر الإعلامي الوطنيّ السمتقلّ، فقط نريد التذكير بنقاط إضافية قد تساهم وتساعد في حثّ النيات الطيبة لدى بعض أعضاء المؤسسات الرقابية الوطنية، تذكيرًا وتشجيعًا ليس إلاّ.

هناك قوانين جائرة ولصوصية شرّعتها الأحزاب الحاكمة لنفسها ضمن الموازنات التشغيلية بغية تمكين سطوتها بنهب ثروات البلاد وشرعنتها في غفلة من الشعب. فالمرتبات الخيالية والامتيازات الغريبة العالية للرئاسات الأربع وأصحاب الدرجات الخاصة ممّا أنزل الله بها من سلطان من التي ليس لها مثيل في العالم إلاّ ما ندر، ومثلها ما يُخصّصُ ويُنفق أصلاً من موازنات على هيئات خاصة وعلى الوقفين الإسلاميين، وكذا الصرف غير المشروط وغير المحدود للإيفادات عمومًا لأمور ومهام غير منتجة، وما يتبع هذا وذاك من مرتبات غير مشروعة ومخصصات وامتيازات بمسمّيات مظلومية وجهادية ونضالية ورفحاوية، وكلّها تستهلك موارد الدولة وتنخر ميزانيتها. ونحن اليوم أحوج ما نكون لادخار دينار إضافيّ لصالح ميزانية الدولة الهزيلة التي تهاوت بفعل هبوط أسعار النفط عالميًا واعتماد حكوماتنا على هذا المورد الريعي ولم تتمكن من سدّ الثغرات الأخرى في المنافذ الحدودية التي يمكن أن تساهم بموارد إضافية مهمة إلى ميزانية الدولة في حالة سيطرة أجهزة الدولة على إدارتها وخضوعها لسلطة الحكومة بدلاً من تركها سائبة بأيادي ميليشيات أحزاب السلطة في شمال الوطن ووسطه وجنوبه على السواء. وممّا يُؤسف له عدم تنفيذ البرلمان العراقي لوعوده بإيقاف مهزلة هذه الامتيازات والتخصيصات والنفقات غير الضرورية إضافة للتشريعات غير العادلة التي كان قد سنّها نواب الشعب ظلمًا وإجحافًا لصالح فئة أصحاب المنافع الاجتماعية الخياليين من جيوش صناديق الاقتراع غير الشريفة. فكان تحرّك رئاسة البرلمان ساخنًا حينذاك سخونة الشارع المنتفض. وما أن هدأت الزوبعة حتى تم ركن كل تلك القرارات الإصلاحية التي تبجحت بها رئاسة البرلمان جانبًا ولم يتمّ تفعيلُها أو تنفيذُها.

كما لا ننسى أن نذكّر بأدوات فساد غيرها تتمثل بظاهرة ابتزاز أرباب الشركات والأعمال من أجل تسهيل متابعاتهم لأعمالهم في دوائر الدولة والوزارات الإقطاعية التي تخضع في مجملها للرشاوى ولفساد الجهات التي تهيمن على هذه الوزارة أو تلك المؤسسة. وما يتبع ذلك من استغلال المواطنين البسطاء لدى وقوعهم ضحايا فساد الموظف غير الوطني الذي يضع كل العراقيل بهدف إعاقة إنجاز المطلب المشروع في أحيان كثيرة.

 ومثل هذا الموظف الفاسد لم يكن له أن يتصرف وفق هذا الأسلوب لو لم يجد مَن يشجعه ويدعمه مثالاً سيئًا أمام باصريه وسمعًا بأذنيه وقراءة لفضائح ترد هنا وهناك. فهذه جميعًا جزءٌ من أشكال الفساد أيضأ وبانتظار المتابعة والملاحقة والمحاسبة.

أخيرًا، إذ نشدّ على أيدي الجهات الرقابية الرصينة المؤمنة بالمواطنة والوطنية بالقصاص من كلّ ظاهرة تنبع منها رائحة فساد، نترجى الكثير من المجلس الأعلى لمكافحة الفساد مدعومًا برغبة رئيس الوزراء الجديد، حين وقوف الجميع فعلاً في خانة الوطن والمواطن وبجانب مطالب الشعب المنتفض ضدّ الفساد وظلم الفاسدين من ساسة الصدفة والذيول المحترفين. فالبلاد لا يمكنها أن تنهض وتُبنى إلاّ بالقضاء على اشكال الفساد وأنواع الشرّ المستشري بسبب النظام السياسي الفاشل وإيداع الفاسدين والمفسدين في الأرض في الموقع الذي يستحقونه لنيل ما ينتظرهم من مصير محتوم. فعلى نفسها جنت براقش!

مشاركة