علماء ينجزون أدق قياس لكمية المادة الإجمالية في الكون

411

واشنطن‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أنجز‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬الفلكية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أدق‭ ‬قياس‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬لكمية‭ ‬المادة‭ ‬الإجمالية‭ ‬في‭ ‬الكون،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المسائل‭ ‬إثارة‭ ‬للإهتمام‭ ‬والفضول‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الفلك‭.‬

وقد‭ ‬أتى‭ ‬الجواب‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬حديثة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ “‬ذي‭ ‬أستروفيزيكل‭ ‬جورنال‭” ‬بأن‭ ‬المادة‭ ‬تمثل‭ ‬31‭,‬5‭ ‬‭%‬‭ (‬مع‭ ‬هامش‭ ‬1‭,‬3‭ ‬‭%‬‭ ‬نزولا‭ ‬أو‭ ‬صعودا‭) ‬من‭ ‬كمية‭ ‬المادة‭ ‬والطاقة‭ ‬الإجمالية‭ ‬التي‭ ‬يتشكّل‭ ‬منها‭ ‬الكون‭.‬

أما‭ ‬نسبة‭ ‬68‭,‬5‭ ‬‭%‬‭ ‬المتبقية‭ ‬فهي‭ ‬مكوّنة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬المظلمة،‭ ‬وهي‭ ‬قوة‭ ‬غامضة‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬توسع‭ ‬الكون‭ ‬وقد‭ ‬خلص‭ ‬العلماء‭ ‬إلى‭ ‬وجودها‭ ‬إثر‭ ‬ملاحظتهم‭ ‬الأحداث‭ ‬الفلكية‭ ‬المعروفة‭ ‬بـ‭”‬سوبرنوفا‭” (‬المستعر‭ ‬الأعظم‭) ‬في‭ ‬تسعينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭.‬

ويقول‭ ‬المعد‭ ‬الرئيسي‭ ‬للدراسة‭ ‬محمد‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الباحث‭ ‬في‭ ‬الفيزياء‭ ‬الفلكية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬في‭ ‬ريفرسايد،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬كمية‭ ‬المادة‭ ‬الإجمالية‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬المرصود‭ ‬توازي‭ ‬66‭ ‬ألف‭ ‬مليار‭ ‬مليار‭ ‬مرة‭ ‬حجم‭ ‬كتلة‭ ‬الشمس‭.‬

80‭ ‬‭%‬‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المادة‭ ‬يسمى‭ ‬مادة‭ ‬مظلمة،‭ ‬بطبيعة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غامضة،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬فرضية‭ ‬مفادها‭ ‬أنها‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬جسيمات‭ ‬دون‭ ‬الذرية‭.‬

هذا‭ ‬القياس‭ ‬الجديد‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬التقديرات‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬عنها‭ ‬فرق‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬الفلكية‭ ‬باستخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬علمية‭ ‬أخرى‭.‬

وتقول‭ ‬جيليان‭ ‬ويلسون‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الدراسة‭ ‬والأستاذة‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬عينها‭ “‬إنه‭ ‬استمرار‭ ‬لمسار‭ ‬طويل‭ ‬سمح‭ ‬منذ‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬بدقة‭ ‬متزايدة‭”.‬

وتضيف‭ “‬من‭ ‬الجيد‭ ‬التمكن‭ ‬من‭ ‬قياس‭ ‬أمور‭ ‬بهذا‭ ‬الطابع‭ ‬الجوهري‭ ‬عن‭ ‬الكون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مغادرة‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭”.‬

لكن‭ ‬كيف‭ ‬يقاس‭ ‬الكون؟

استعان‭ ‬الفريق‭ ‬بتقنية‭ ‬عمرها‭ ‬تسعة‭ ‬عقود‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬مدارات‭ ‬المجرات‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬تجمع‭ (‬قد‭ ‬يحوي‭ ‬كل‭ ‬تجمّع‭ ‬المئات‭ ‬أو‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬المجرات‭).‬‭ ‬ويمكن‭ ‬قياس‭ ‬قوة‭ ‬الجاذبية‭ ‬الخاصة‭ ‬بكل‭ ‬تجمّع‭ ‬مجرات،‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬استخلاص‭ ‬حجم‭ ‬الكتلة‭.‬

‭ ‬مصير‭ ‬الكون

توضح‭ ‬جيليان‭ ‬ويلسون‭ ‬أن‭ ‬التقنية‭ ‬اختُرعت‭ ‬في‭ ‬ثلاثينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬عالم‭ ‬الفلك‭ ‬السويسري‭ ‬فريتس‭ ‬زفيكي‭ ‬وهو‭ ‬رائد‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬هذا‭ ‬العلم‭ ‬كان‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬فرضية‭ ‬وجود‭ ‬مادة‭ ‬مظلمة‭ ‬في‭ ‬تجمّع‭ ‬المجرات‭. ‬وهو‭ ‬لاحظ‭ ‬أن‭ ‬الكتلة‭ ‬التجاذبية‭ ‬للمجرات‭ ‬في‭ ‬تجمّع‭ ‬كوما‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬لإبقائها‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬معللا‭ ‬ذلك‭ ‬بإمكان‭ ‬وجود‭ ‬مادة‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭. ‬وحسّن‭ ‬فريق‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬تقنية‭ ‬فريتس‭ ‬زفيكي‭ ‬وطوّر‭ ‬أداة‭ ‬مسماة‭ “‬غال‭ ‬ويت‭” ‬للمساعدة‭ ‬على‭ ‬تصنيف‭ ‬انتماء‭ ‬أي‭ ‬مجرّة‭ ‬لأي‭ ‬تجمّع‭ ‬بصورة‭ ‬أفضل،‭ ‬ثم‭ ‬طبق‭ ‬العلماء‭ ‬الأداة‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الخرائط‭ ‬الثلاثية‭ ‬الأبعاد‭ ‬الأكثر‭ ‬تفصيلا‭ ‬عن‭ ‬الكون،‭ ‬وتُعرف‭ ‬باسم‭ “‬سلون‭ ‬ديجيتال‭ ‬سكاي‭ ‬سورفي‭”.‬

وقاس‭ ‬هؤلاء‭ ‬كتلة‭ ‬1800‭ ‬تجمّع‭ ‬مجرات‭. ‬ثم‭ ‬أجروا‭ ‬عمليات‭ ‬محاكاة‭ ‬معلوماتية‭ ‬لتحديد‭ ‬الكميّة‭ ‬الفضلى‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬الموازية‭ ‬لعدد‭ ‬تجمعات‭ ‬المجرات‭ ‬الفعلي،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬إيجاد‭ ‬القيمة‭ ‬الفضلى‭.‬

ما‭ ‬الفائدة‭ ‬من‭ ‬ذلك؟‭ ‬تجيب‭ ‬جيليان‭ ‬ويلسون‭ ‬بأن‭ ‬السعي‭ ‬لتحديد‭ ‬كمية‭ ‬المادة‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬بدقة‭ ‬سيساعد‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬الألغاز‭ ‬الكونية‭ ‬الحالية،‭ ‬وهي‭ ‬طبيعة‭ ‬المادة‭ ‬المظلمة‭.‬

إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ “‬الكمية‭ ‬الإجمالية‭ ‬للمادة‭ ‬المظلمة‭ ‬والطاقة‭ ‬المظلمة‭ ‬ستكشف‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬الكون‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬ويلسون،‭ ‬فيما‭ ‬يجمع‭ ‬العلماء‭ ‬حاليا‭ ‬على‭ ‬أننا‭ ‬متجهون‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ “‬التجمّد‭ ‬الكبير‭” ‬أو‭ “‬الموت‭ ‬الحراري‭” ‬للكون،‭ ‬وهو‭ ‬وضع‭ ‬تصبح‭ ‬فيه‭ ‬النجوم‭ ‬مجردة‭ ‬من‭ “‬الوقود‭” ‬أو‭ ‬المواد‭ ‬المطلوبة‭ ‬لتكوينها‭.‬

مشاركة