علماء العراق – عبدالزهرة الطالقاني

 

عين الزمان

علماء العراق – عبدالزهرة الطالقاني

 

تقليدٌ حميدٌ ان يُحتفى بعلماء العراق في حياتهم ومماتهم.. فهؤلاء شموع اناروا دروب الاجيال ورسخوا تقاليد البحث العلمي، والجد والإجتهاد من أجل الوصول إلى الحقيقة.. وهم أبناء بررة للوطن آثروا على أنفسهم أن يتميزوا ويرفعوا إسم العراق عالياً بين الشعوب والأمم، إنهم الأساتذة والمربون والذين حصلوا على أعلى المراتب في العلوم التي تخصصوا فيها.. فأما في حياتهم لابد من الإشارة إلى المتميزين منهم وتكريمهم في يوم العلم، ولا بأس من تخصيص يوم “للأستاذ الجامعي” يتم فيه الاحتفاء بكوكبة من الأساتذة الرواد ممن حصلوا على لقب الأستاذية وكذلك نخبة من الأساتذة الجدد ممن هم بعنوان مدرس مساعد والذين بدأوا مشوارهم لأول مرة. بالعلم تحيا الأمم، وبالعلم تبلغ مراتب الرقي، وتتسلق إلى القمم، إنهم معاهد العلم وأكاديميات المعرفة وسبل الرقي..

للأستاذ الجامعي منزلة عليا لا تضاهيها منزلة، فمهنة الطب مع جانبها الإنساني، وأنظمة الهندسة مع دورها في البناء والتقدم التقني والعمراني ، والمحاماة وهي تعانق العدالة في فضاء القضاء لإحقاق الحق ورفع المظلومية، كل هذه المهن مع تقدمها في مراتب العلوم. الا أن الأستاذ الجامعي تفوق على الجميع، فلولاه لاطبيبا ولامهندسا ولامحامي ولامسؤولا، فكل المسؤولين في السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تعلموا على أيدي اولئك مبادئ السياسة، رغم أن بعضهم تنكر لأساتذته بمجرد تسنمه منصبا رفيعا، فغير سكنه ورقم هاتفه والمقربين منه، على ضوء المهام الجديدة التي باشر بها.

غير ان ذلك لم  ينقص من شأنهم، إنهم قادة الحياة عرفوا العلوم الإنسانية والطبيعية والتطبيقية والصرفة، وعرفوا المنهج والبحث الدقيق، وتمرسوا في التحليل وكشف المضمون في النصوص وتحليل المحتوى وقياس الأثر، وخبروا التقييم وحسن الاداء، ومجموعة المعايير لبلوغ الغاية، ومتى أحسنا تكريمهم ووضعناهم في المواضع التي يستحقونها، ويسرنا لهم العيش الكريم الذي يبعدهم عن الحاجة، تحول ذلك إلى قيم ومخرجات ومجموعات من الطلبة المجتهدين الأذكياء الذين يتسلمون الراية من أساتذتهم بعد إحالتهم على التقاعد.. هذا في حياتهم..

فماذا بعد ذلك.. لعلها مرحلة جديدة من التكريم.. فهؤلاء خلاصة الخبرات المتراكمة عبر التأريخ، ليس من الإنصاف أن يناموا كما ينام الجهلاء.. فكما في الحياة، فإن الممات لا يساوي بين الناس الا في الجانب الفيزياوي، ويبقى كل وعلمه وتقواه، وحسن عاقبته، أو جهله وغوايته، وسوء عاقبته.. إنهم خالدون بجهدهم وإجتهادهم وما قدموه لإبنائهم وتلامذتهم، فزرعوا في كل منا بذرة نمت واينعت وازهرت وأثمرت، لذلك لابد من ذكرهم واحياء مناسباتهم والإشارة إليهم وتأبينهم وإظهار محاسنهم والإهتمام بتراثهم، وطباعة مؤلفاتهم التي لم يسعفهم الوقت لطباعتها ونشرها.. وهذا ما حصل تماماً مع الأستاذين الجليلين المرحومين الدكتور ظافر حسين رشيد، والدكتور إحسان كاظم القرشي. حيث أقامت الجمعية العراقية للعلوم الإحصائية وبالتعاون مع كلية الإدارة والإقتصاد وكلية الرافدين الجامعة حفلاً تأبينياً لهما بمناسبة مرور(40) يوماً على وفاتهما وحضر حفل التأبين الأمين العام لمجلس الوزراء الدكتور مهدي العلاق رئيس الجمعية، وممثل وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور موسى الموسوي، والدكتور غازي رحو رئيس إتحاد الإحصائيين العرب، ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات، وزملاء الفقيدين من الأساتذة، وذوي الفقيدين. إنها التفاتة رائعة من الجهات التي نظمت الحفل التأبيني الأستذكاري، الذي أتى على السيرتين العلميتين للعالميّن الفقيدين ومنجزهما العلمي ومكانتهما الرفيعة بين علماء العراق. طوبى لعلماء العراق والرحمة والرضوان لمن غادرنا منهم تاركين مؤلفاتهم صدقة جارية.. وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه.