علماء‭ ‬يرصدون‭ ‬إشارات‭ ‬حياة‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬الزهرة

191

‭ ‬اكتشاف‭ ‬غاز‭ ‬يتولد‭ ‬من‭ ‬أنشطة‭ ‬عضوية‭ ‬وجرثومية

باريس‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬خلص‭ ‬باحثون‭ ‬إلى‭ “‬وجود‭ ‬ظاهري‭” ‬داخل‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬السحب‭ ‬في‭ ‬كوكب‭ ‬الزهرة‭ ‬لغاز‭ ‬الفوسفين‭ ‬الذي‭ ‬ينبعث‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬من‭ ‬كائنات‭ ‬حيّة،‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬اعتبره‭ ‬مدير‭ ‬وكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأميركية‭ (‬ناسا‭) “‬أهم‭ ‬حدث‭” ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬خارج‭ ‬الأرض‭. ‬وقالت‭ ‬جاين‭ ‬غريفز‭ ‬أستاذة‭ ‬علم‭ ‬الفلك‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كارديف‭ ‬البريطانية‭ ‬وهي‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬نشرت‭ ‬نتائجها‭ ‬مجلة‭ “‬نيتشر‭ ‬أسترونومي‭” ‬الاثنين،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إنها‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يُكتشف‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬المركّب‭ ‬في‭ ‬الكواكب‭ ‬الأرضية‭ ‬الأربعة‭ ‬في‭ ‬المجموعة‭ ‬الشمسية،‭ “‬باستثناء‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭”. ‬وقد‭ ‬اكتُشف‭ ‬غاز‭ ‬الفوسفين‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬مراقبة‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬لكوكب‭ ‬الزهرة‭ ‬بالاستعانة‭ ‬بتلسكوبين‭ ‬راديويّين‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬مصدره‭ “‬مسارات‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬من‭ ‬الكيمياء‭ ‬الضوئية‭ ‬أو‭ ‬الأرضية،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مشابهة‭ ‬للمسار‭ ‬الحيوي‭ ‬الخاص‭ ‬بإنتاج‭ ‬الفوسفين‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬بفضل‭ ‬وجود‭ ‬حياة‭”. ‬هذا‭ ‬المركّب‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الكواكب‭ ‬العملاقة‭ ‬الغازية‭ ‬في‭ ‬المجموعة‭ ‬الشمسية،‭ ‬مثل‭ ‬زحل،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬أصل‭ ‬بيولوجي‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأشكال‭ ‬الحياة‭. ‬أما‭ ‬آثار‭ ‬الفوسفين‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬الأرضي‭ ‬فمصدرها‭ ‬حصرا‭ ‬الأنشطة‭ ‬العضوية‭ ‬أو‭ ‬الجرثومية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وجود‭ ‬الفوسفين‭ ‬وهو‭ ‬مركّب‭ ‬عالي‭ ‬السمية،‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬الفائق‭ ‬الحرارة‭ ‬لثاني‭ ‬أقرب‭ ‬الكواكب‭ ‬قربا‭ ‬من‭ ‬الشمس‭. ‬فهذا‭ ‬الكوكب‭ ‬الذي‭ ‬يتألف‭ ‬غلافه‭ ‬الجوي‭ ‬من‭ ‬ثاني‭ ‬أكسيد‭ ‬االكربون‭ ‬بنسبة‭ ‬97‭ ‬بالمئة،‭ ‬يسبح‭ ‬في‭ ‬حرارة‭ ‬سطحية‭ ‬تقرب‭ ‬من‭ ‬470‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬مع‭ ‬ضغط‭ ‬أعلى‭ ‬بتسعين‭ ‬مرة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الموجود‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬جزيئات‭ ‬الفوسفين‭ ‬التي‭ ‬خلص‭ ‬فريق‭ ‬الباحثين‭ ‬بقيادة‭ ‬غريفز‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬وجودها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬طبقة‭ ‬السحب‭ ‬الفائقة‭ ‬الحموضة‭ ‬حول‭ ‬الكوكب‭ ‬عند‭ ‬علو‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬60‭ ‬كيلومترا‭. 

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الموضع،‭ ‬تكون‭ ‬حرارة‭ ‬السحب‭ “‬معدلة‭” ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬30‭ ‬درجة‭ ‬مئوية،‭ ‬وفق‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستبعد‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬تشكل‭ ‬الغاز‭ ‬على‭ ‬علو‭ ‬أدنى‭ ‬وبحرارة‭ ‬أكبر‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يصعد‭ ‬إلى‭ ‬الأعلى‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الغاز؟‭ ‬ردا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬تأمل‭ ‬غريفز‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الدراسة‭ “‬أخذت‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬كل‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬تفسير‭ ‬وجوده‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬لكوكب‭ ‬الزهرة‭”. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الفرضيات‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الغاز‭ ‬متأتيا‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أشكال‭ ‬الحياة‭.‬

وفي‭ ‬حال‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية‭ ‬صحيحة‭ “‬نرى‭ ‬أن‭ (‬شكل‭ ‬الحياة‭ ‬هذا‭) ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬بحجم‭ ‬صغير‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يطفو‭ ‬بحرية‭”‬،‭ ‬بحسب‭ ‬الباحثة‭ ‬التي‭ ‬شددت‭ ‬دراستها‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬رصد‭ ‬الفوسفين‭ ‬ليس‭ ‬دليلا‭ ‬صلبا‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬حياة،‭ ‬بل‭ ‬فقط‭ ‬عن‭ ‬كيمياء‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬الطبيعة‭ ‬ولا‭ ‬تفسير‭ ‬لها‭”.‬

وتلاحظ‭ ‬الدراسة‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ “‬الكيمياء‭ ‬الضوئية‭ ‬لقطيرات‭ ‬السحب‭ ‬الخاصة‭ ‬بالزهرة‭ (‬من‭ ‬حمض‭ ‬الكبريتيك‭) ‬مجهولة‭ ‬تماما‭”.‬

وتتألف‭ ‬مادة‭ ‬الفوسفين‭ ‬من‭ ‬ذرة‭ ‬فوسفور‭ ‬وثلاث‭ ‬ذرات‭ ‬هيدروجين‭. ‬ويشكل‭ ‬الفوسفور‭ ‬أحد‭ ‬العناصر‭ ‬الكيميائية‭ ‬الستة‭ ‬لنشوء‭ ‬الحياة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬وجوده‭ ‬على‭ ‬الزهرة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬وجود‭ ‬حياة‭ ‬وفق‭ ‬الباحثة‭ ‬غريفز‭.‬

وقالت‭ ‬غريفز‭ “‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬كوكب‭ ‬ما‭ ‬يحوي‭ ‬الفوسفور‭ ‬بكميات‭ ‬كبيرة،‭ ‬قد‭ ‬يفتقر‭ ‬عنصرا‭ ‬آخر‭ ‬لازما‭ ‬للحياة،‭ ‬كوجود‭ ‬عناصر‭ ‬أخرى،‭ ‬أو‭ ‬لكون‭ ‬وسطه‭ ‬شديد‭ ‬الحرارة‭ ‬أو‭ ‬الجفاف‭”.‬

‭- “‬أهم‭ ‬حدث‭” -‬

سارع‭ ‬مدير‭ ‬وكالة‭ ‬الفضاء‭ ‬الأميركية‭ (‬ناسا‭) ‬جيم‭ ‬برايدنستاين‭ ‬إلى‭ ‬الترحيب‭ ‬بهذا‭ ‬الاكتشاف،‭ ‬معتبراً‭ ‬إيّاه‭ “‬أهم‭ ‬حدث‭” ‬في‭ ‬مسيرة‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬خارج‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض،‭ ‬وداعياً‭ ‬إلى‭ ‬تحويل‭ ‬مسار‭ ‬الأبحاث‭ ‬من‭ ‬المريخ‭ ‬إلى‭ ‬الزهرة‭.‬

وقال‭ ‬برايدنستاين‭ ‬في‭ ‬تغريدة‭ ‬على‭ ‬تويتر‭ “‬حياة‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬الزُهرة؟‭ ‬اكتشاف‭ ‬الفوسفين‭” ‬هو‭ “‬أهمّ‭ ‬حدث‭ ‬حتّى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬خارإج‭ ‬الأرض‭”.‬

وأضاف‭ “‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لإعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬للزُهرة‭” ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المريخ‭ ‬الذي‭ ‬تركّزت‭ ‬عليه‭ ‬لغاية‭ ‬اليوم‭ ‬معظم‭ ‬مهمّات‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬خارج‭ ‬الأرض‭.‬

كذلك‭ ‬أوضح‭ ‬عالم‭ ‬الفلك‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬سوينبورن‭ ‬الأسترالية‭ ‬آلان‭ ‬دافي‭ ‬أن‭ ‬اكتشاف‭ ‬الفريق‭ ‬العلمي‭ ‬بقيادة‭ ‬غريفز‭ ‬يشكل‭ “‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬العلامات‭ ‬إثارة‭ ‬التي‭ ‬رأيتها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬للوجود‭ ‬المحتمل‭ ‬للحياة‭ ‬خارج‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭”.‬

ويتوافق‭ ‬العلماء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬في‭ ‬الزهرة‭ ‬ليس‭ ‬ملائما‭ ‬بالمبدأ‭ ‬لنشوء‭ ‬الحياة‭ ‬بسبب‭ “‬مستويات‭ ‬التجفاف‭ ‬القصوى‭ ‬والحموضة‭ ‬الفائقة‭”. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تصح‭ ‬على‭ ‬السحب‭ ‬الخاصة‭ ‬بالكوكب‭.‬

وكانت‭ ‬وكالة‭ ‬ناسا‭ ‬قد‭ ‬اكتشفت‭ ‬قبل‭ ‬عقد‭ ‬آثار‭ ‬حياة‭ ‬جرثومية‭ ‬في‭ ‬الطبقات‭ ‬العليا‭ ‬للغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬الأرضي‭.‬

لهذا‭ ‬تدعو‭ ‬غريفز‭ ‬وفريقها‭ ‬إلى‭ ‬مراقبة‭ ‬معمقة‭ ‬أكثر‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭. ‬وهذا‭ ‬يمر‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬الفضلى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ “‬مصفاة‭” ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭ ‬الأرضي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تلسكوب‭ ‬فضائي،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تليه‭ ‬ربما‭ ‬زيارة‭ ‬جديدة‭ ‬بواسطة‭ ‬مسبار‭ ‬إلى‭ ‬الزهرة‭ ‬أو‭ ‬غلافه‭ ‬الجوي‭.‬

ويبدو‭ ‬أن‭ ‬عودة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بهذا‭ ‬الكوكب‭ ‬الذي‭ ‬لطالما‭ ‬كان‭ ‬مهملا‭ ‬باتت‭ ‬منحى‭ ‬عاما،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬مهمتين‭ ‬من‭ ‬المهمات‭ ‬الأربع‭ ‬المتنافسة‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬الاستكشاف‭ ‬المقبل‭ ‬للمجموعة‭ ‬الشمسية‭ ‬من‭ ‬وكالة‭ ‬ناسا‭ ‬تخصان‭ ‬كوكب‭ ‬الزهرة،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ذكّر‭ ‬المدير‭ ‬العلمي‭ ‬للوكالة‭ ‬توماس‭ ‬زوربوكن‭. ‬ومن‭ ‬المقرر‭ ‬إنجاز‭ ‬عملية‭ ‬الاختيار‭ ‬العام‭ ‬المقبل‭.‬

مشاركة