
ياس خضير البياتي
عقل ينطق بالبيان ويكتب بشهد الزمان – إسماعيل نوري الربيعي
رجلٌ إذا ذُكر الإعلامُ ذُكر، وإذا ذُكر البحثُ استُحضر، وإذا عُدَّت القاماتُ التي شادت للعراق في ميدان المعرفة منابرَ لا تنقض، كان من أوائل من يلوح اسمهم لمعانًا، ومن أرسخهم في الذاكرة رسوخًا.
فهو أكاديميٌّ جمع بين صرامة الجامعة، ومرونة الصحافة، وسعة الكاتب الذي لا يضيق بأفقٍ واحد، بل يجعل من كل أفقٍ نافذةً على أفقٍ آخر.
مقال اسبوعي
ولعمري إن الرجل الذي يجمع بين الدرس الإعلامي، والنظر الاجتماعي، والاشتغال الرقمي، ثم يظل بعد ذلك وفيًّا لنبض المقال الأسبوعي، لَهو من أولئك الذين لا يسكن فيهم العلم سكون الخزائن، بل يجري فيهم جريان الدم في العروق.
وليس الفضل في الرجال بما تقلدوا من مناصب فحسب، ولكن بما أبقوا من أثر، وما تركوا من طريقة، وما بثوه في العقول من ملكةٍ تُحسن النظر قبل أن تُحسن القول. والدكتور ياس من هذا الضرب الذي لا يُقاس بالوظيفة، بل بما جاوز الوظيفة إلى الرسالة، وما عبر المنصب إلى البصيرة. فقد شغل مناصب أكاديمية رفيعة، وكان عميدا لكلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا بالفجيرة أعوامًا مديدة، وهي أعوامٌ لا تُقاس بطولها، بل بما حفلت به من بناءٍ للمناهج، وتثبيتٍ للتقاليد العلمية، وإرساءٍ لروحٍ أكاديمية تجعل من الإعلام علمًا لا مجرد صناعة، ومن الممارسة بحثًا لا مجرد تكرار.
وإذا كان بعض الناس يكتفي من العلم ببابٍ واحد، فإن البياتي قد جعل أبوابه متجاورة، لا يُغلق منها بابٌ على آخر، ولا يحجب منها فنٌّ فنًّا.
فهو أستاذ في الإعلام الرقمي، غير أن الرقمي عنده ليس ألفاظًا مستوردة، ولا أدواتٍ تقنيةً صماء، بل هو تحولٌ في الاجتماع، وتبدلٌ في طرائق الوعي، وانتقالٌ في سلطة الكلمة من الورق إلى الشاشة، ومن المطبعة إلى الفضاء الشبكي. ولذلك كان نظره إلى الإعلام نظر الفيلسوف الصحفي، الذي يرى في الوسيلة أثرها في المجتمع، وفي التقنية صداها في النفس، وفي الخبر سيرته من الحدث إلى الإدراك. وقد أحسن من نعته بالصحفي الفيلسوف، فإن الصحفي إذا خلا من الفلسفة صار ناقلًا، والفيلسوف إذا خلا من الصحافة صار معزولًا عن نبض الناس، أما إذا اجتمعا في رجلٍ واحد فقد تمت له آلة التأويل، وحسن له فهم العصر.
والدكتور ياس من أولئك الذين لم يقنعوا بوصف الظواهر، بل طلبوا عللها، ولم يرضوا بإحصاء التحولات، بل سألوا عن معناها، وما تنطوي عليه من تبدلٍ في الإنسان العربي، وفي المجتمع العراقي على الخصوص. ولقد كان له في الصحافة باعٌ لا يقصر عن باعه في الجامعة.
ترأس تحرير صحفٍ ومجلاتٍ عراقية، فكان في ذلك شاهدًا على أزمنة التحول، وفاعلًا في صناعة خطابها. ورئاسة التحرير ليست جمع مقالاتٍ وتنسيق صفحات، ولكنها سياسةُ معنى، وتدبيرُ خطاب، واختيارٌ لما ينبغي أن يقال، وما يجب أن يُؤخر، وما يحسن أن يُعرض على القارئ في وقتٍ دون وقت.
ومن تولى هذا الأمر سنين، ثم خرج منه وفي يده رصيدٌ من الثقة والاحترام، فقد دل ذلك على حسن ميزانٍ في العقل، وعدلٍ في التقدير، وبصرٍ بما يصلح للناس في فكرهم وذوقهم.
ثم إن للرجل في التأليف منزلةً لا تُنكر، فقد صدر له ستةٌ وعشرون كتابًا في الإعلام والاجتماع، والكتب أبناءُ العقول، ولا يكثر نسل العقل إلا إذا كان خصيبًا، ولا يتتابع عطاؤه إلا إذا كان صاحبه موصولًا بالقراءة، مأهولًا بالفكرة، حاضرَ النفس عند كل حادثة. وهذه الكتب ليست عددًا يُذكر للتفاخر، وإنما هي شواهد على سعة اشتغال، وامتداد همة، وصبرٍ على البحث لا يعرف الملل.
فمن الكتابة ما يكون صدى لحظة، ومنها ما يكون بناء عمر، والرجل من أهل البناء لا من أهل الصدى.
ومن أخص ما يميز مشروعه الفكري عنايته بالتحولات الرقمية. فإنه أدرك، كما يدرك أصحاب النظر البعيد، أن العالم لم يعد كما كان، وأن الكلمة لم تعد تسير في الطرق القديمة، وأن الجمهور نفسه قد تبدل من قارئٍ ينتظر إلى متلقٍّ يشارك، ومن سامعٍ يُملى عليه إلى فاعلٍ يعيد إنتاج المعنى.
صناعة الراي
فبحث في الصحافة الرقمية لا بوصفها منصةً فنية، بل باعتبارها انقلابًا في بنية المجال العام، وتحولًا في صناعة الرأي، وتبدلًا في علاقة السلطة بالمعلومة، وعلاقة الفرد بالجماعة.
وما كان هذا النظر ليقف عند حدود العالم العربي، بل تجاوزه إلى التأمل في التجربة الصينية، وهي تجربةٌ لا يلتفت إليها إلا من اتسع أفقه عن المحلي إلى الكوني، وعن العابر إلى البنيوي. فإن الصين في نظر الباحثين ليست دولةً فحسب، بل مختبرٌ للتحولات الكبرى في الاقتصاد والتقنية والإعلام والاجتماع.
ومن تأملها بعين الباحث الإعلامي رأى كيف تصنع الأمم الكبرى خطابها، وكيف تحرس سرديتها، وكيف توائم بين التطور التقني والبناء الرمزي للدولة والمجتمع.
وليس من اليسير أن يجمع رجلٌ بين هذا كله ثم يبقى موصولًا بالكتابة الأسبوعية في الصحف العراقية والعربية، ولكنها سجية من سجايا الكبار، أن يجعلوا الفكر في خدمة اليومي، واليومي في خدمة الفكر.
فالكاتب الأسبوعي الحق ليس من يملأ الفراغ، بل من يمد الجسور بين الحادثة العابرة والمعنى الباقي، بين الخبر الذي يمضي والسؤال الذي يبقى. ومن هنا كانت مقالاته أشبه بمرايا تعكس وجه اللحظة، ولكنها في الوقت نفسه تكشف ما وراء الوجه من قسمات التاريخ والاجتماع. ثم انظر إلى عضوياته في نقابة الصحفيين العراقيين، واتحاد الصحفيين العرب، والاتحاد الدولي للصحفيين، تجد أنها ليست أوسمةً تُعلق، بل دوائرُ انتماءٍ مهني وفكري، تشهد بأن الرجل لم يكن فردًا معزولًا في برج الجامعة، بل عضوًا فاعلًا في جماعة المهنة، حاضرًا في همومها، مشاركًا في قضاياها، مدافعًا عن تقاليدها. والمهنة إنما تكرم من خدمها، لا من انتسب إليها اسمًا. ومن لطيف ما يلفت في مسيرته انصرافه إلى البحث في التلوث البيئي وعلاقته بالإعلام الرقمي، وهو بابٌ يدل على ذكاءٍ في التقاط موضوعات العصر، فإن البيئة لم تعد شأن الطبيعة وحدها.















