
الفصائل والدولة
عقدة قديمة تعود إلى صدارة العلاقات الأمريكية العراقية – محمد علي الحيدري
على مدى سنوات، ظلّ ملف “حصر السلاح بيد الدولة” واحدا من أعقد الاختبارات التي واجهت الحكومات العراقية المتعاقبة في علاقتها مع واشنطن، ليس فقط بوصفه مطلبا أميركيا متكررا، بل لأنه يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة وبنية الدولة وقدرتها على احتكار القرار الأمني والعسكري. وقد تعاملت الإدارات الأميركية مع هذا الملف على قاعدة منح الوقت والفرص، انطلاقا من قناعة بأن دمج الفصائل المسلحة ضمن الأطر الرسمية أو دفعها تدريجيا نحو العمل السياسي المدني يمثل المسار الأقل كلفة والأكثر استدامة.
غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما أسابيع الحرب الخمسة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أعادت هذا الملف إلى الواجهة بحدة أكبر. فالمواقف العراقية الرسمية – من بيانات حكومية وقرارات برلمانية وتصريحات سياسية – بدت في نظر واشنطن غير كافية لطمأنتها إلى وحدة القرار الأمني. بل إن تلك الأسابيع عززت قناعة راسخة لدى دوائر صنع القرار الأميركية بأن بعض الفصائل لا تتحرك فقط خارج الإطار المؤسسي للدولة، بل ضمن تنسيق وتحالف عملي مع القرار العسكري الإيراني، بما يتجاوز حدود التفاهم السياسي إلى مستوى الفعل الميداني.
هذا التقييم الأميركي لا ينطلق بالضرورة من إنكار الأدوار التي لعبتها هذه الفصائل في مراحل مفصلية من تاريخ العراق، ولا من تجاهل السياقات التي نشأت فيها، خصوصا في مواجهة تنظيمات إرهابية هددت وجود الدولة نفسها. لكنه يعكس تحولا في مقاربة واشنطن، التي باتت ترى أن التداخل بين السلاح غير الحكومي والمحاور الإقليمية يشكل خطرا مضاعفا، لا على مصالحها فحسب، بل على استقرار العراق وعلاقاته الخارجية.
ضغوط امريكية
من هنا، يبرز احتمال انتقال الضغوط الأميركية من مستوى التوصيف السياسي إلى أدوات أكثر تأثيرا، سواء عبر إعادة صياغة التعاون الأمني، أو ربط ملفات الدعم الاقتصادي والمالي بتقدم ملموس في ضبط السلاح، أو من خلال مقاربات إقليمية أوسع تضع العراق أمام خيارات أكثر صعوبة. ومع ذلك، لا يبدو أن واشنطن تميل حتى الآن إلى مقاربة صدامية مباشرة، إدراكا منها لحساسية الداخل العراقي، وخطورة أي خطوات قد تُفهم على أنها استهداف داخلي أو مساس بالتوازنات الاجتماعية والسياسية القائمة.
في المقابل، تجد الحكومة العراقية نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تطمئن شركاءها الدوليين إلى جدية مسار بناء الدولة، من دون أن تنزلق إلى صدام داخلي، أو تبدو وكأنها تنفذ إملاءات خارجية. وهذا يتطلب مقاربة عراقية خالصة، تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والفصائل، لا من موقع الإقصاء، بل من منطق الاحتواء القانوني والمؤسسي، وترسيخ مبدأ أن القرار الأمني والعسكري يجب أن يكون واحدا، واضح المرجعية، ومحصنا من الارتدادات الإقليمية. في المحصلة، لا يبدو أن ملف السلاح سيُحسم بضغط خارجي وحده، كما لا يمكن تركه رهينة للوقت والتوازنات الهشة. إنه اختبار لإرادة الدولة العراقية وقدرتها على تحويل الضغوط إلى فرصة لإعادة ترتيب بيتها الداخلي، بما يحفظ السيادة، ويقلل من كلفة الاصطفافات، ويجنب البلاد أن تكون ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز حدودها ومصالحها الوطنية.
□ كاتب
















