عـن الـرأي والـرأي الآخـر سألونـي – صبـاح الربيــعي

208

اما بعـــــــــــد

عـن الـرأي والـرأي الآخـر سألونـي – صبـاح الربيــعي

سألني سائل عن ” الرأي والرأي الآخـــر ” فشعرت  بالحَرج ، لأن السؤال ذاته، سبق أن أعيا آرسطو وإفلاطون ومدني صالح ! بل وأعيا ايضا أساطين الكلام وأعـمدة الحكمة  فما عساني ان أقول له، وأنا الفقير لله !! إن الآختلاف في الرأي أمر طبيعي ومقبول  ولايفسد للود قضية كما يفترض ولكن المشكلة تكمن في عدم تقبل هذا الإختلاف والتعصب الى الرأي الفردي ، كونه هو الأصح ! مما يفسد العلاقات بين البشر ويزرع  الكره والحقد في قلوبهم ، وقد يتطور الخلاف الى ما لا تحمد عقباه ، وقد تطور! لعدم تبادل وجهات النظر بتجرد واريحية ولأن بعض النفوس لم تستطع التخلص من أدرانها  والارتقاء نحو الافضل المأمول !

والحق إن هناك ثمة مجموعة من الناس تكره الاستماع الى الرأي الآخر ولاعلاقة لها بما قاله فولتير ذات يوم : ” قد أختلف معك في الرأي ، ولكني مستعد أن ادفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك ” ! ذلك لان قلوبهم تحجرت وضمائرهم اصابها ما اصابها ، من اسباب الفساد ، فراحوا يتخبطون خبط عشواء كما يقال !!  فعميت قلوبهم قبل عيونهم ، وماتت ضمائرهم قبل أجسادهم واستمرأوا الرقص على الحبال ! وسيلة جديدة للابتزاز مدعين حقا هو الباطل حدّ النخاع ! غير مدركين أن الرأي والرأي الآخر  فيه منفعة لهم  لو اخلصوا النية حقا واستندوا الى مقاصد شريفة وحرص حقيقي على مصلحة عامة ينشدها الجميع .. متذكرين وعلى الدوام أن الشورى هي تعميق مبدأ الإجماع اولا وأخيرا ! وبها وحدها يمكن ان تستقيم الأمور  ، وتنفتح الدروب للخروج من عنق الزجاجة الذي يزداد ضيقا يوما بعد يوم  ، وإلا  فما جدوى ان يتغنى الكل بالشعب ، واطفاله اليوم يبحثون عن كِسرة خبز في مكبّات القُمامة ، وشبابه يتسكعون هنا وهناك ، لايلوون على شيء سوى البحث عما يملآ الفراغ القاتل الذي يلفهم من الجهات الاربع ، وهم لو اتيحت لهم الفرصة  الحقيقية لبنوا ( سور الصين ) في بغداد !  ولكن من المسؤول ،  عما وصل اليه الحال ؟ ومَن يحاسب مَن يسرقون الكحلَ من العيون !  متوهمين انهم يمكن ان ينجوا بفعلتهم تلك من عقاب لن يفلتوا منه أبدا .. “إن الله يرى “، وكل ُشيء بحساب ولن يضيع الظلم  والجور والاضطهاد سدى !! دون ان يناله عقاب !! هل سالتم انفسكم يوما ، لماذا خرج “شباب تشرين” مطالبين بـ ( وطن ) !! وهل فكرتم بالاستماع الى رأيهم الآخر الصريح ، والتعرف منهم مباشرة ، عن اسباب هذه الانتفاضة العارمة ! كنتم تخافون من الحوار  بعد ان تورطتم بسفك دم الابرياء الميامين  ورفضتم  التشاور في الامر، وهو مانصّ عليه القرآن الكريم ، وتناسيتم ان ” الشورى ” هي من الأصول الاولى للنظام السياسي الاسلامي ! وهي منهج واضح في الحياة ، وهي من السنن العظيمة  التي يجب اتباعها إقتداء ً بالنبي محمد عليه افضل الصلاة والسلام  ، ولكن اين انتم من هذه المثل والقيم السامية  ، وقد ضاعت منكم فرصة اخرى لاثبات حسن الظن والفطن !!  وبقيتم كما انتم !! اختلط لديكم حساب الحقل بحساب البيدر وتضاربت اقوال النهار مع اقوال الليل ، وضاع من بين ايديكم كل ماكان سيمكث في الارض ، وفقدت ابتساماتكم امام شاشات التلفزيون  معانيها

لااعرف تماما ، لماذا تخشون ” الشورى ” وهي ليس بها غضاضة  عليكم ، بل لها منفعة لكم لو تعلمون ، وهذا بشار بن برد ، يذكركم بذلك فيقول :  ( ولاتحسبُ الشورى عليك غـَضاضة  / فريـشُ الخوافي قوةٌ للقوادم ) ! اليس حراما ان تضيع على ايديكم حضارة عمقها اكثر من سبعة آلاف سنة  وما الذي ستأخذونه معكم الى آخرتكم من دنياكم التي لم تصونوها  وعثتم بها فسادا وإفسادا ، لقد اضعتم كل شيء ،  وتماديتم  في غطرستكم الفارغة ، وارتضيتم العيش في الظلام بعد ان ادرتم ظهوركم لكل اسباب الحوار الموضوعي البناء  ورفضتم الاستماع الى الرأي الآخر واحترامه..وبدأتم تلعبون الشطرنج ، مع انفسكم وكفى الله المؤمنين شر القتال  !

ايها السادة : ثمة نصيحة أخيرة : غادروا المسرح سريعا ، مادامت الابواب  لا تزال مشرعة ومادام في الوقت بقية ! ، فالعرض المسرحي قارب على الانتهاء ، وفي دقائقه الاخيرة  وبهذا وحده قد تكتب لكم النجاة ، خاصة بعد ان فقدت المسرحية بريقها المفترض ، وصارت مملة  تاليفا وتمثيلا وإخراجا !! بعد استمرار عرضها الباهت على مدى سبع عشرة من السنين العجاف ، فهل  ستستمعون الى صوت العقل ولو مرة واحدة في العمر ! لااحد يعرف بعد ان ضاع كل شيء واستوى عندكم  الليل والنهار ، واختلطت الحقيقة بالباطل  ، ونسيتم الفرق مابين الرأي والرأي الآخر !! وعلى نفسها ،جنت براقش !

مشاركة