عشق الوطن بريشة علامة بارز

1191

عشق الوطن بريشة علامة بارز

محسن حسن الموسوي

هذا كتابُ أدبٍ وحكمةٍ وكشوف عن النفس الإنسانية في سموّها وانحطاطها  ، وقد أفاض فيه سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر حفظه الله  ، عن خبايا النفوس وما يساورها من مطامع وهواجس ورغبات وغرور وجحود وغرور  ، كما رسم طريقاً أريحياً للإنسان المؤمن،  التقي،  العفيف حين تكون دنياه قنطرة للآخرة والفوز بعالم الخلود حيث جنات عرضها كعرض السماوات والأرض أُعدّت للمتقين.

ويأخذنا سيدنا العلاّمة الصدر حفظه الله  ، إلى مراقي النور وفيوض الإلهام ومراقي السعادة حينما يجول في رحاب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله  وسلم وأهل بيته الأطهار  ، وحيث منابع النور التي أعطت للإنسان معاني الإنسانية الحقة والكرامة وما تحفل به الأخلاق الإسلامية من مزايا وخصال يندر وجودها في دنيا غير دنيا القرآن الكريم وسيرة الرسول محمد  صلى الله عليه وآله  وسلم،   فهناك حيث تحطّ ركابه؛ تتألق كلماته فتصبح أنشودة عشقٍ لاتنتهي  ، ومزمار ولاءٍ متواصل الإبداع  ، وحيث تلك العوالم القدسية التي تتنفس فيها الكلمات تنفّس الصباح.

وهذه (السطور من كتاب عشق الوطن  ).تعطي المعنى الحقيقي لمعنى العشق ولاتجعله بدون ضوابط ومحدّدات ومعالم وأهداف  ( إنّ حب الوطن من الإيمان  ، وليس معنى الحب أنْ نتغنى بجمال الوطن الحبيب وما ضمّت مرابعه مِنْ سِحْرٍ وروائع  .

إنّ معنى الحب للوطن هو إيثار مصلحتِهِ على المصالح الشخصية ، والعمل الدؤوب من أجل رفعته وازدهاره واستقراره  ) .

ولا يكون الوطن ناجحاً ومتقدماً إلا بشروط التقدم والنهضة التي من دونها تتراجع الأوطان وتبقى رهينة التخلف والانهيار  ، وأول هذه الشروط هي حب الوطن  ، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة  ، كما يقول سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، ولا تكون المناصب غاية لتحقيق مآرب ومصالح ذاتية ضيقة،  وفسح المجال أمام الكفاءات العلمية والإخلاص الوطني  ، لأن  ( أصحاب المواهب والمَلَكات والبراعة العلمية والفكرية والأدبية يأنفون من الركض وراء المناصب  ، لأنهم يرون أنفسهم أعلى منزلةً واشمخ مكانةً  ، وأوسع أفقاً من أعلى المناصب  ، فضلاً عن أوسطها وأدناها   ) .

وإذا كان الغرب متفوقاً بحضارته المادية  ، فنحن متفوقون بحضارتنا الإنسانية والأخلاقية  ، وهي رصيد عظيم العطاء  ، ( فمكارم الأخلاق هي الغاية وبها كانت أمتُنا خيرَ أمّةٍ أُخرجت للناس  :

وإنّما الأممُ الأخلاقُ ما بَقِتْ

                          فإنْ هُمُ ذهبتْ أخلاقُهُمْ ذهبوا

وإذا ذهبت الأخلاق ذهبت الحياة الكريمة  ؛

وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقِهِم

                        فَأَقِمْ عليهم مأتماً وعويلا )

وللقرآن الكريم في كلمات سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، وصايا  وارشادات متواصلة في كتاباته وأحاديثه ، يدعو فيها أن لايكون القرآن الكريم مهجوراً ومعطَّلاً  ، وحيث يجيء الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله  وسلم يوم القيامة يشكو إلى ربه من أن المسلمين هجروا القرآن الكريم  ، وهذه هي أعلى درجات الشكوى.

( فالقرآن عندنا اليوم  مهجور معطَّل يوضع في البيوت للبركة  ، وتتلى آياته كلما أغمض حبيبٌ من أحبابنا عينيه وأغفى في نومةٍ طويلة )

إن  القراءة غير المتدبِّرة للمعاني والمغازي ومعرفة الكنوز التي في كل آية  ، (( فآيات القرآن خزان فينبغي حين تقرأ القرآن أن تنظر ما في الخزائن من كنوز  )) .

فلا تكن ممّن ( يقرؤون القرآن ويواظبون على قراءته فإن قراءاتهم في الغالب تأتي لتحصيل المثوبة من القراءة لا لاستيعاب الدروس )

ويتطرّق سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، إلى أهمية( الصلاة ) في حياة الفرد والمجتمع  ، ( إن الصلاة اليومية هي وسيلة الإتصال الأمثل بالله رب العالمين  ، حيث تقف بين يديه خاشعاً متذللاً حامداً له على نِعَمه ومستعيناً به على مواجهة التحديات الحياتية كلها بإيمان عميق ، واستقامة تامة وثبات على خط الطاعة  ، وإخلاص كامل ، فيُفيض عليك من كرمه ولطفه ما يغنيك عن سواه  ، ويجعلك العزيز الذي لا ينحني لأحد من خلقه  ، تفعل ذلك خمس مرات في كل يوم  ، نعم ، إن الصلاة هي همزة الوصل القوية بين الخالق والمخلوق،  وهي أعظم وسيلة تربوية لصيانة الإنسان من الانزلاق إلى المهاوي ومن الانحرافات  ، إنها وكما قال الله سبحانه في محكم الكتاب : (( تنهى عن الفحشاء والمنكر  )) .

وهذه النفس ، نفسك التي بين جنبيك  ، كم هي عزيزة عليك ، كم تحافظ عليها من طوارق الزمن ومن الآفات والدواهي  ، فهلاّ أوردتها سُبُلَ السلام والأمن والاطمئنان والراحة  ، ولا تكلِّفها منعرجات الطريق ومضلاّت الفتن  ، لكي تأتي إلى ربها يوم القيامة فتكون من السعداء  ، فأحرص عليها  ، واجعلها ثمينة بكل ما استطعت  .

( أنشد الأصمعي ابياتاً منسوبة للإمام جعفر الصادق عليه الســلام  :

أثامنُ بالنَفْس النفيسة ربها

                   وليس لها في الخَلْقِ كُلِّهُمُ ثَمَنْ

بها تُشترى الجنّات إنْ أنا  بعتُها

                         بشيءٍ سواها إنّ ذلِكُمُ غَبَنْ

لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها

               لقد ذهبتْ نفسي وقد ذهبَ الثَمَنْ  ) .

لايشفع للإنسان شيءٌ حين يستبدُّ به الجحود للقيم السماوية والإنسانية والأخلاقية  ، وخصوصاً حين يختم حياته بهذا الجحود والنكول عن تلك القيم الإنسانية العليا  ، فماذا بعد الخاتمة  ؟ فلايمكنه الإعتذار والتراجع  ، ولايمكنه التبرير مما قاله أو فعله  .

( وقد ختم سعدي يوسف حياته بأسوء خاتمة على الإطلاق  ، حيث تنكر لوطنه وتطاول على القامات الشامخة فيه واصطبغت بلون طائفي قاتم  ، هذا فضلاً عن انتهاك القيم والحرمات المقدسة في منحى استفزازي لا يقبله أحد  !!

ولقد نُشرت بعض صحائفِ أعماله المخزية عَبْرَ ما كتبه عن موته كُتّاب أسِفوا عل ما أختاره من خيارات متدنية شوهاء  ، ومَن يبرءُ من الوطن يبرءُ منه الوطن والمواطنون  ) .

وفي الوقت ذاته ( نُعيت إلينا الشاعرة الراحلة لميعة عباس عمارة بعد أن عاشت أكثر من تسعة عقود من الزمن  ، لم يغب فيها العراق وأهله عن خواطرها وأشعارها  ، وظلت تتغنى به وبجماله ورجاله فاستحقت بذلك التكريم والثناء ) .

وللبلاغة حصّتها في كلمات سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ،والبلاغةهي مطابقة مقتضى الحال عند الكلام  ، وهذه المَلَكة لا تتأتى لأي أحد  ، وإنما تحتاج إلى مقومات وعوامل كثيرة لتكون من حصة ذلك المتكلم  ، ولا شكّ أن الإنسان القريب من أصحاب العِلْم والمَلَكات السامية يحصل له بعض الشيء من ذلك  ، وأهل البيت عليهم السلام هم أهل الفصاحة و البيان والبلاغة  ، والذي يعيش معهم لابدّ أن ينال من ذلك الفيض العلمي والأدبي الشيء المعقول وإن كان خادماً في ديارهم  ، سلام الله عليهم ؛

( سُئلت  جارية عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام فقالت  :

أُطيلُ أم أختصر  ؟

فقيل لها  : اختصري

فقالت  : ما قدّمتُ  له طعاماً بنهار  ، وما فرشتُ له فِراشاً بِلَيْل .

ومعنى ذلك أنه عليه السلام كان صائما ً نهاره  ، وقائماً ليله  ، ومن هنا صار زين العابدين  ) .

ونواصل،  معكم  ، السَفَر مع هذا الكتاب المفيد والممتع  ، الذي ضمَّ ( 42 ) مقالاً متنوعاً  ، وكل مقالٍ فيه كأنك قرأت كتاباً كاملاً  ، ونختم هذه الجولة الممتعة  في هذا المقال  الذي وضع له عنواناً ملفتاً  ؛ ( السفر المغفول عنه !! ) جاء فيه  :

( جاء فيروس كورونا فأصاب عمليات السفر وشركات النقل والطيران بضربة موجعة  ، أعلنت من بعدها شركات طيرانٍ كبرى إفلاسها  ، وتسريح موظفيها والعاملين فيها… )

( والسؤال الآن  :

وماذا عن سفر الآخرة  ؟

إنّ السفر هنا حتميٌّ وليس اختيارياً ، ولا يعلم بموعد حلوله إلاّ الباري عزّ وجلّ .

وبهذا السفر ينقطع الإنسان عن الدنيا وما فيها  ، ويتعذر عليه الإتيان بأيّ عمل صالح  ، أو أو مبّرة  من المبرات بعد أن يكون تحت الثرى  .

إن السفر إلى الآخرة لا بدّ له من زاد  ، فما هو الزاد ؟

والجواب:

اقرأ بتمعن قوله تعالى  :

( وتزوّدوا فإن خير الزاد التقــــوى  ) .

قال بعض الحكماء :

في الآية تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار القرار  .

ومن هنا جاء التذكير بسفر الآخرة  .

وليس ثمة من زادٍ أهم من التقوى  ، فالتقوى مفتاح الدخول إلى الجنة ) .

ونحن نختم هذه الجولة السريعة بين صفحات هذا الكتاب القيّم  ، الذي تركنا ما فيه من النافع والمفيد لمن يطالعه كاملا ً  ، نســــــأل الله أن يحفظ سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر  ويبارك فيه وله وعليه .

{{{

الكتاب : سطور من كتاب عشق الوطن

تأليف   : العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر  ، حفظه الله

الطبعة  : الأولى  ، بغداد ، 1442هج  / 2021م

عدد الصفحات  :  152  صفحة

مشاركة