عشر‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الحركة‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬التي‭ ‬هزّت‭ ‬إيران‭ ‬لأشهر‭ ‬طويلة‭.. ‬لماذا‭ ‬وكيف‭ ‬؟

263

طهران,-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬قبل‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬أثارت‭ ‬إعادة‭ ‬انتخاب‭ ‬الرئيس‭ ‬محمود‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد‭ ‬موجة‭ ‬احتجاجات‭ ‬وتظاهرات‭ ‬هزّت‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أشهر‭ ‬طويلة‭.‬

خلال‭ ‬19‭ ‬شهراً،‭ ‬تتالت‭ ‬تظاهرات‭ ‬المحتجين‭ ‬والاحتجاجات‭ ‬المضادة‭ ‬الداعمة‭ ‬للسلطة‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬البلاد‭ ‬«على‭ ‬حافة‭ ‬الهاوية»،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬قال‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬للجمهورية‭ ‬آية‭ ‬الله‭ ‬علي‭ ‬خامنئي‭.‬

وعلى‭ ‬مرأى‭ ‬العالم‭ ‬بأسره،‭ ‬كادت‭ ‬«الحركة‭ ‬الخضراء»‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بتظاهرات‭ ‬صامتة‭ ‬ضد‭ ‬إعادة‭ ‬انتخاب‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد،‭ ‬الرئيس‭ ‬المحافظ‭ ‬المتشدد،‭ ‬مطالبة‭ ‬بإعادة‭ ‬فرز‭ ‬الأصوات،‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬غير‭ ‬متساو‭ ‬بين‭ ‬المحتجين‭ ‬وقوات‭ ‬الأمن‭.‬

وفي‭ ‬عصر‭ ‬الإنترنت‭ ‬والهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬ساهم‭ ‬الانتشار‭ ‬السريع‭ ‬لصور‭ ‬الأحداث‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬ضد‭ ‬ما‭ ‬اعتبره‭ ‬المعارضون‭ ‬تزويرا‭ ‬انتخابيا‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬تندد‭ ‬بالقمع‭.‬

لكن‭ ‬تصميم‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬سوى‭ ‬محاولة‭ ‬«انشقاق»،‭ ‬نجح‭ ‬أخيراً‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬عليها‭.‬

وقال‭ ‬الصحافي‭ ‬والناشط‭ ‬الإصلاحي‭ ‬أحمد‭ ‬زيد‭ ‬آبادي‭ ‬الذي‭ ‬أوقف‭ ‬غداة‭ ‬الانتخابات،‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬«بالنسبة‭ ‬للتاريخ،‭ ‬ستبقى‭ ‬هزيمة‭ ‬الحركة‭ ‬الخضراء‭ ‬محفورةً‭ ‬كحدث‭ ‬مرير‭ ‬ترك‭ ‬مناصريها‭ ‬محبطين‭ ‬للغاية‭ ‬جداً»‭.‬

ويعتبر‭ ‬المحلل‭ ‬والسياسي‭ ‬المحافظ‭ ‬أمير‭ ‬محبيان‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬تغير‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬«أدركت‭ ‬الدولة»‭ ‬عام‭ ‬2009‭ ‬أن‭ ‬«المعارضة‭ ‬وأميركا»،‭ ‬العدوة‭ ‬اللدودة‭ ‬للجمهورية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬تقفان‭ ‬خلف‭ ‬الاضطرابات‭. ‬ويقول‭ ‬إن‭ ‬لهذه‭ ‬الأسباب‭ ‬استخدمت‭ ‬الدولة‭ ‬«كل‭ ‬وسائلها‭ ‬لاستعادة‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الوضع»‭.‬

‭- ‬‮«‬أين‭ ‬صوتي؟‮»‬‭ -‬

وشهدت‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬الحملات‭ ‬الأكثر‭ ‬حيوية‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬مواجهة‭ ‬بلا‭ ‬هوادة‭ ‬بين‭ ‬المرشحين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬المناظرة‭ ‬المتفجرة‭ ‬بين‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد‭ ‬ومنافسه‭ ‬الرئيسي‭ ‬مير‭ ‬حسين‭ ‬موسوي‭.‬

وبلغت‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الانتخابات،‭ ‬الجمعة‭ ‬12‭ ‬حزيران/يونيو‭ ‬2009،‭ ‬نسبة‭ ‬85%‭ ‬رسمياً،‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الى‭ ‬تمديد‭ ‬عمليات‭ ‬التصويت‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬متأخر‭ ‬ليلاً‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المدن‭.‬

منذ‭ ‬الصباح،‭ ‬لاحظ‭ ‬الإيرانيون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬أمرا‭ ‬غير‭ ‬طبيعي:‭ ‬وقف‭ ‬خدمة‭ ‬نظام‭ ‬المراسلة‭ ‬الهاتفية‭.‬

واشتكى‭ ‬الإصلاحيون‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬لم‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬مراكز‭ ‬الاقتراع‭. ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬لاحق،‭ ‬أغلقت‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬المقار‭ ‬التابعة‭ ‬لموسوي‭ ‬في‭ ‬طهران‭.‬

وعقد‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬مؤتمراً‭ ‬صحافياً‭ ‬ليلا‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬عملية‭ ‬الاقتراع‭ ‬أعلن‭ ‬خلاله‭ ‬انتصاره،‭ ‬وحذّر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬معلومة‭ ‬مخالفة‭ ‬لذلك‭ ‬ستكون‭ ‬مؤشراً‭ ‬على‭ ‬تزوير‭.‬

وبحسب‭ ‬النتائج‭ ‬الرسمية،‭ ‬فاز‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد‭ ‬بحصوله‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬63%‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭. ‬وما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬حتى‭ ‬عمّت‭ ‬تظاهرات‭ ‬غاضبة‭ ‬طهران،‭ ‬وبعدها‭ ‬مدنا‭ ‬كبيرة‭ ‬أخرى‭. ‬بعد‭ ‬النشر‭ ‬المفصل‭ ‬للنتائج،‭ ‬ندّد‭ ‬الإصلاحيون‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬المخالفات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬الاتهامات‭ ‬بالتزوير‭. ‬في‭ ‬14‭ ‬حزيران/يونيو‭ ‬2009،‭ ‬أثار‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد‭ ‬غضبا‭ ‬عندما‭ ‬وصف‭ ‬المحتجين‭ ‬بـ»الأوغاد»‭ ‬أثناء‭ ‬تجمع‭ ‬احتفالاً‭ ‬بانتصاره‭.‬

ودعا‭ ‬موسوي‭ ‬والمرشح‭ ‬الإصلاحي‭ ‬الآخر‭ ‬مهدي‭ ‬كروبي‭ ‬اللذان‭ ‬حصلا‭ ‬على‭ ‬التوالي‭ ‬على‭ ‬34%‭ ‬و1%‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬‭ ‬إلى‭ ‬تظاهرة‭ ‬مضادة‭ ‬في‭ ‬15‭ ‬حزيران/يونيو‭.‬

كان‭ ‬التاريخ‭ ‬يوم‭ ‬خميس‭ ‬سارت‭ ‬خلاله‭ ‬حشود‭ ‬هائلة‭ ‬بصمت‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬حتى‭ ‬ساحة‭ ‬أزادي‭ ‬(الحرية)،‭ ‬ورفع‭ ‬المتظاهرون‭ ‬لافتات‭ ‬كُتب‭ ‬عليها‭ ‬«أين‭ ‬صوتي؟»‭ ‬وأعلاماً‭ ‬خضراء،‭ ‬لون‭ ‬حملة‭ ‬موسوي‭.‬

‭- ‬موت‭ ‬‮«‬مؤثر‭ ‬جدا‮»‬‭ -‬

وتوالت‭ ‬التظاهرات‭ ‬كل‭ ‬الأسبوع‭ ‬وتحدثت‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬مواجهات‭ ‬مع‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭.‬

وطلبت‭ ‬السلطات‭ ‬من‭ ‬المرشحين‭ ‬سلوك‭ ‬الطريق‭ ‬القانوني‭ ‬عبر‭ ‬تقديم‭ ‬طعون‭ ‬لدى‭ ‬مجلس‭ ‬صيانة‭ ‬الدستور‭ ‬المكلّف‭ ‬تنظيم‭ ‬الانتخابات‭ ‬والإشراف‭ ‬عليها‭.‬

وبعد‭ ‬إعادة‭ ‬فرز‭ ‬10%‭ ‬من‭ ‬الأصوات،‭ ‬تمّ‭ ‬تأكيد‭ ‬فوز‭ ‬أحمدي‭ ‬نجاد‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬معسكر‭ ‬الإصلاح‭ ‬رفض‭ ‬النتيجة‭ ‬وشكك‭ ‬بحيادية‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭.‬

في‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬حزيران/يونيو‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬تحوّلت‭ ‬تظاهرة‭ ‬حاشدة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬عنيفة‭ ‬مع‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭.‬

وحُظر‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المحلية‭ ‬والعالمية‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬التظاهرات،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يحل‭ ‬دون‭ ‬نشر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصور‭ ‬الصادمة‭.‬

وأثار‭ ‬مقطع‭ ‬فيديو‭ ‬يُظهر‭ ‬احتضار‭ ‬الطالبة‭ ‬ندى‭ ‬آغا‭ ‬سلطان‭ ‬البالغة‭ ‬20‭ ‬عاماً‭ ‬بعد‭ ‬إصابتها‭ ‬بطلق‭ ‬ناري،‭ ‬حزنا‭ ‬وغضبا‭. ‬وبعد‭ ‬بضعة‭ ‬أيام،‭ ‬وصف‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬القصة‭ ‬بأنها‭ ‬«مؤثرة‭ ‬جدا»‭.‬

بعد‭ ‬أشهر‭ ‬عدة،‭ ‬في‭ ‬27‭ ‬كانون‭ ‬الأول/ديسمبر،‭ ‬حصلت‭ ‬تظاهرة‭ ‬دامية‭ ‬أخرى‭.‬

تدريجياً،‭ ‬أصبحت‭ ‬وتيرة‭ ‬التظاهرات‭ ‬غير‭ ‬منتظمة‭ ‬وتراجعت‭ ‬وطأتها،‭ ‬ولم‭ ‬تتوقف‭ ‬فعلياً‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬شباط/فبراير‭ ‬2011‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬موسوي‭ ‬وكروبي‭ ‬في‭ ‬الإقامة‭ ‬الجبرية،‭ ‬ولا‭ ‬يزالان‭ ‬كذلك‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

ولم‭ ‬يُعرف‭ ‬عدد‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬قُتلوا‭ ‬وجرحوا‭ ‬وأوقفوا‭ ‬وسُجنوا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الاضطرابات‭ ‬هذه‭. ‬وتقول‭ ‬السلطات‭ ‬إن‭ ‬العشرات‭ ‬قُتلوا،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬بسبب‭ ‬أنشطة‭ ‬«منشقين»‭.‬

ويعتبر‭ ‬علي‭ ‬شاكوري‭ ‬راد،‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬الإصلاحيين‭ ‬النادرين‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬ناشطين‭ ‬سياسياً،‭ ‬أن‭ ‬الإيرانيين‭ ‬انتقلوا‭ ‬خلال‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬إلى‭ ‬أمور‭ ‬أخرى،‭ ‬وباتوا‭ ‬يهتمون‭ ‬اليوم‭ ‬«بمسائل‭ ‬غير‭ ‬السياسة،‭ ‬مثل‭ ‬وضعهم‭ ‬الاقتصادي»‭.‬

لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬الأجانب،‭ ‬فإن‭ ‬«صيف‭ ‬طهران»‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬بزوغ‭ ‬حركات‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬لحظة‭ ‬زوال‭ ‬«الحركة‭ ‬الخضراء»‭.‬

مشاركة