عزيز شريف وكريم شنتاف وشفيق الكمالي وعبد الفتاح إبراهيم وثابت حبيب     1-2 – مليح صالح شكر

عزيز شريف وكريم شنتاف وشفيق الكمالي وعبد الفتاح إبراهيم وثابت حبيب     1-2 – مليح صالح شكر

شخصيات صحفية عراقية من مدينة على الفرات الأعلى

 تنويه

لكي لا يتكرر الخطأ أجدد هنا التأكيد على أنني بغدادي من محلة گهوة شكر، وتنتسب عائلتي من ناحية الأب الى قيس، ونزح جدنا من ديالى الى بغداد ، وفتح مقهى في محلة سميت بأسمه ، محلة كهوة شكر ، ولست عانياً كما توهم البعض ، بل قضيت سنوات الطفولة وحتى الصف الثاني متوسط  في قضاء عنه قبل ان  نعود إلى بغداد .

ولابد من أن أبدأ بالاعراب عن الشكر والأمتننان ، لجميع الأخوة والأصدقاء الذين ساهموا في مساعدتي لأستكمال المعلومات والتفاصيل الدقيقة عن سيرة حياة كل صحفي يتحدث عنه هذا البحث ومنهم من الأصدقاء  القدامى في  عنه وبغداد والمهجر وبعضهم من ذوي أؤلئك الرواد الصحفيين.

ولأن الصحافة هنا هي موضوع حديثنا حصراً فأنني أميل إلى إستخدام مصطلح ( صحيفة ) لكن المتداول أكثر هو مصطلح ( جريدة)،

أوراقي:

في بضعة أوراق من أوراقي عن الصحافة  العراقية ودورها في الاحداث الوطنية أثار أهتمامي كثرة عدد الصحفيين من مدينة واحدة ، وهم  ربما أكثر من عددهم من أية مدينة عراقية أخرى، خاصة في مجال إصدار الصحف وإدارتها وتحريرها.

ومنذ عقد الثلاثينيات من القرن العشرين أهتم رجال من هذه المدينة بالعمل الصحفي، ودأبوا على إصدار صحف وأغلبهم  أصبح معروفاً جداً في التاريخ السياسي والصحفي العراقي.

ولم أجد تفسيراً لأسباب أهتمام رجال من قضاء عنه بمحافظة الأنبار مبكراً بالعمل الصحفي سوى أنهم أستخدموا الصحف ضمن نضالهم الوطني لتحقيق أهداف سياسية أو أجتماعية أو أقتصادية أو ربما للوعي الثقافي بين صفوف العانيين.

ولا تكاد أن تجد صحيفة عراقية في مختلف مراحل التاريخ خالية من صحفي عاني يشتغل في أبوابها السياسية والاجتماعية والثقافية والرياضية وغيرها ، لكني سأقصر حديثي هنا على العانيين الذين اشتغلوا في المواقع الصحفية الرئيسية، صاحب أمتياز أو رئيس تحرير أو مدير مسؤول، وقد أحصيت ما لا يقل عن عشرة من هؤلاء الصحفيين كانوا عانيين وكثير منهم ترك آثاراً صحفية معروفة في تاريخ العراق .

ولعل أول العانيين الذي إشتغلوا في الصحافة مبكراً هو عزيز شريف الشخصية اليسارية المعروفة، ولكن محمد طه الفياض قد تقدم عليه في أدارة الصحف اليومية.

ولابد من التأكيد بأنني في أعداد تسلسل هذه القائمة لم يكن لي اي دافع معين ، سوى التسلسل التاريخي وهو الأعتبار الوحيد في ترتيب قائمة هذه الشخصيات والصحف.

الجزء الأول

عزيز شريف والاهالي والوطن

عزيز الحاج شريف عبد الحميد حسين عبد السلام من مواليد قضاء عنه في    6 تشرين الأول  1903 ? وكان والده الحاج شريف اماماً للجامع الكبير في محلة الحوش ،والذي كنا عام 1960 نمر للسلام عليه وهو يرتاح على كرسي خيزران امام المسجد خلال عودتنا على الدراجات الهوائية من دوامنا في الدراسة المتوسطة في ثانوية عنه.

وهنالك جزيرة غير مأهولة وسط نهر الفرات تسمى جزيرة الحاج شريف وتغطيها غابات الاشجار وتزرع صيفاً بالخضروات.

اشتغل  عزيز شريف في بداية حياته العملية معلماً للغة الانكليزية  في مدرسة عنه الابتدائية  بين عامي 1925 و1927 حتى استقال ليكمل الدراسة الثانوية ثم كلية الحقوق  ليصبح محامياً وحاكما في بغداد والبصرة

وأشترك المحامي الشاب عزيز شريف عام 1931 في هيئة الدفاع عن الوالد ابراهيم صالح شكر في الدعوى القضائية التي رفعها وزير الداخلية في حكومة نوري السعيد الاولى، مزاحم الأمين الباجه جي اشتكى  فيها على ابراهيم صالح شكر رئيس تحرير جريدة ( الاماني القومية ) وعلى عبد الرزاق شبيب مديرها المسؤول واتهمها بالقذف في المقال الذي كتبه الوالد ( حفنة تراب على قبر الباجه جي مزاحم الامين) في 10 تشرين الاول 1931 ?وتطوع 53 محامياً للدفاع عنهما، تقدمهم المحامي علي محمود الشيخ علي ، وضمت هيئة الدفاع أيضاً المحامين   إسماعيل الغانم ورافائيل بطي وتوفيق الفكيكي وسعد صالح ، وآخرون .

وأصبح  عزيز شريف أحد قادة جماعة الاهالي عند نشوئها في أوائل عقد الثلاثينات من القرن العشرين ويقول أنه أصبح المدير المسؤول لجريدة  ( الاهالي )  ، ففي الصفحة 21 من مذكراته التي نشرها إبنه عصام عام 2010 يوضح إن عبد الفتاح إبراهيم عرض  فكرة إصدار جريدة  ( وقدمت 50 ليرة ذهب لتأسيس الجريدة، وهي كل ما وفرته في حياتي معلماً واطلق اسم الاهالي على الجريدة واصبحت مديرها المسؤول. وتم إصدار العدد الأول من الجريدة في 2 كانون الثاني 1932 )? وسيرد الحديث عن عبد الفتاح ابراهيم لاحقاً.

وعموماً لست هنا في موقف يسمح بمناقشة رأي شخصية وطنية عراقية وعلاقتها بالصحافة ، لكني وجدت في مصادر أخرى أن اسم عزيز شريف لم يظهر على صفحات جريدة ( الاهالي) سوى لعدد واحد كما سنلاحظ في وقت لاحق من هذا البحث .

ومعروف في تاريخ العراق السياسي ان جماعة الاهالي تكونت في البداية من عبد الفتاح ابراهيم  وحسين جميل وعبد القادر اسماعيل وعزيز شريف  ومحمد حديد ثم إنضم إليهم آخرون ولعبت جريدة      ( الاهالي ) دوراً هاماً في نشر الوعي الديمقراطي  في العراق ، وبعد ذلك أسفر تفرق شخصياتها الى تشكيل عدة أحزاب سياسية  خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها .

ولاحظت أنه بالرغم من أن عزيز شريف قد ترك جماعة الاهالي ليتفرغ للعمل القضائي إلا أن شقيقه عبد الرحيم شريف أصبح مديراً للتحرير الى حين استقالته   في 22/ اذار / 1943 ويشترك الشقيقان في تأسيس حزب الشعب، ويصبح عبد الرحيم فيما بعد أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي .

وقطع الشقيقان عزيز وعبد الرحيم  صلتهما بجماعه الأهالي في مطلع عقد الأربعينيات من القرن العشرين عندما إنفرد كامل الجادرجي بسياسات الجماعة ، وسعى لإبعاد الشخصيات اليسارية تحت ذريعة علاقتهم بالشيوعية، ثم ما لبثا أن شكلا حزباً مع عدد من الشخصيات اليسارية  .

وهنالك وجهات نظر مختلفة بشأن دور عزيز شريف الصحفي في (الاهالي )، حيث يقول في الصفحة 21 من مذكراته انه كان مديراً مسؤولاً بينما يقول فؤاد حسين الوكيل في الطبعة الثانية لكتابه    (جماعة الاهالي في العراق ) الصادر عن دار الرشيد للنشر ببغداد عام 1980  أن أسم عزيز شريف ظهر على صفحات هيئة التحرير مرة واحدة في تشرين الاول عام 1932? بعدها استبدل بإسم عبد القادر اسماعيل ، قبل ان تعطلها حكومة نوري السعيد

ويعرض فؤاد حسين الوكيل في كتابه عن جماعة الأهالي طبيعة التغييرات التي تعرضت لها صحيفتهم بعد حوالي أربعة شهور من صدورها ، فيقول ان خلافاً ما وقع بين حسين جميل وعبد القادر البستاني فظهرت وعليها اسم البستاني صاحباً للامتياز فيما بقي جميل مديراً مسؤولاً، وبعد شهرين تخلى جميل عن أية مسؤولية في الصحيفة.

ولم تقتصر التغييرات على مغادرة حسين جميل ، بل أنتقل الامتياز في تشرين الأول 1932 الى أسم جديد هو عزيز شريف الذي لم يبق أسمه في واجهة الصحيفة سوى ليوم واحد ، ليعود أسم عبد القادر البستاني ولعدة أيام قبل ان تعطلها حكومة نوري السعيد لمدة ستة اشهر.

وبعد خلافاتهم  مع كامل الجادرجي عام 1942 شكل عزيز وعبد الرحيم وآخرون في نيسان 1946 حزب الشعب ، لكنه لم يتمكن من إصدار صحيفة ناطقة بلسان حزبه بنفس الاسم بل سماها  ( الوطن)، لأن يحيى قاسم كما كان مفترضاً حصل على إمتياز اصدار صحيفة ( الشعب) لكنه رفض استخدامها كناطقة بلسان الحزب، بعد أن أصدرها في 12 تشرين الاول عام 1944 خلال مرحلة الاعداد لتشكيل الحزب .

  ويلوم عزيز شريف في الصفحة 26 من مذكراته يحيى قاسم كثيراً  ويتهمه بالإنشقاق   عن المجموعة وإحتفاظه بإجازة الصحيفة ، ويقول ان يحيى قاسم كان يجري اتصالات دون علم الحزب مع الجادرجي ، ولعب دوراً خبيثاً في إثارة الجادرجي على حزب الشعب ، حتى انه يتهمه بالتعاون مع وزير الداخلية مصطفى العمري ، ثم نوري السعيد . وقد واصل يحيى قاسم اصدار الشعب حتى قيام النظام الجمهوري في 14 تموز 1958.

وأصدر عزيز شريف صحيفته (الوطن ) لأول مرة في يوم الثلاثاء 10 تموز عام 1945 وكتب لها مقالها الأفتتاحي وبعد أن أجازت  الحكومة حزب  الشعب في عام 1946 أصبحت ( الوطن ) اعتباراً  من العدد 66 الصادر في 25 شباط 1946 لسان حال الحزب . الذي عقد 26 نيسان 1946 وانتخب لجنته  المركزية  وفيها  عزيز شريف وتوفيق منير وعبد الامير ابو تراب وخليل مهدي وعبد الرحيم شريف وآخرين.

على أية حال ،تولى نوري السعيد  في عام 1947 رئاسة الحكومة مجدداً فقضى على الاحزاب والصحف ولجأ عزيز شريف للعمل السري وأصبح حزبياً شيوعياً عضواً احتياط في اللجنة المركزية ، وتعرض للمطاردة حتى أسقطت حكومة اخرى برئاسة نوري السعيد عام 1955 الجنسية العراقية عنه وعن عدد اخر من الشخصيات الوطنية ، وعاش متنقلاً بين الاتحاد السوفيتي ودول أخرى  فعاد الى العراق عقب قيام النظام الجمهوري عام 1958 ومرة اخرى أصبح في نيسان  عام 1959 السكرتير العام لحركة أنصار السلم  ، ومنح  جائزة لينين السوفيتية للسلام عام 1960? وعاد بعد شباط عام 1963 الى الاتحاد السوفيتي .

وأستوزر الرئيس أحمد حسن البكر ، في كانون الأول عام 1969 عزيز شريف وزيراً للعدل وبقي في منصبه حتى آب عام 1970 ? وعاش بقية حياته في الاتحاد السوفيتي ، وتوفي في موسكو في 21نيسان عام 1990.

تزوج عزيز شريف خلال عمله حاكماً في البصرة  من كريمة الشخصية الوطنية المعروفة سليمان فيضي ولهما إلهام وعصام . وله عدة أشقاء، منهم حمدي وعبد الرحيم ، والدكتور حكيم شريف الذي كان الطبيب الوحيد في مستوصف عنه لعدة سنوات، وهو أبن عم المحامي توفيق منير الذي قتل في 8 شباط عام 1963.

وسترد مواقف وآراء عزيز شريف السياسية في القضية الفلسطينية عند الحديث عن شريف الشيخ لاحقاً.

 العدد الاول لجريدة الاهالي وحسين جميل صاحبها ومديرها المسؤول وكتب عبد الفتاح ابراهيم مقالها الافتتاحي ( الشعب فوق كل المنافع)

 عبد الفتاح إبراهيم والأهالي وصحف أخرى

عبد الفتاح ابراهيم عبد الحميد ابراهيم المدرس العاني ولد في مدينة الناصرية الجنوبية عام 1907 وسافر للدراسة في بيروت وعمره 18 عاماً، وعاد منها عام 1928 فأشتغل معلماً لبعض الوقت ثم سافر عام1930 الى الولايات المتحدة للالتحاق بجامعة كولومبيا في نيويورك لكنه قطع دراسته  وعاد الى العراق.

ينتمي عبد الفتاح ابراهيم الى عائلة عانية دينية كان جده يدرس أصول الدين في مساجد محلة الحوش في قضاء عنه القديمة فاكتسب لقب المدرس ، وهاجر الى بغداد ليصبح واعظاً في مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني ، واتخذ من بيت مقابل المسجد سكناً له حتى إنتقل ليصبح واعظاً في مسجد فالح باشا السعدون بالناصرية حيث ولد عبد الفتاح ثم إنتقلت عائلته  الى البصرة وإلتحق إبنها بالمدرسة الابتدائية واستكمل دراسته الثانوية في بغداد بعد ان عادت العائلة الى بغداد، وغادر عبد الفتاح  الى بيروت طالباً في الجامعة الاميركية لدراسة التاريخ ، وتعرف على الافكار الديمقراطية  والاشتراكية فعاد الى بغداد مؤمناَ بها، وكان ناشطاً مع زملاءه في الجامعة في انشاء جمعية النشىء الجديد ، ثم النادي العراقي بمشاركة محمد حديد ونوري رفائيل وعلي حيدر سليمان وآخرون.

وبقدر تعلق الامر بهذه الشخصية العراقية ، فقد أخترت بهذه النبذة التركيز على نشاطاته الصحفية حصراً وليس ريادته لعلم الاجتماع في العراق ولا لنشاطاته السياسية .

قيل وكتب الكثير  عن نشأة جماعة الاهالي وجريدتهم المشهورة بنفس الاسم وتداول على ادارتها شبان شاركوا في تحريرها منهم حسين جميل وعزيز شريف وعبد القادر اسماعيل البستاني دون أن نرى دوراً صحفياً واضحاً لعبد القتاح ابراهيم بالرغم من ان جميع المصادر تجمع على أنه كان صاحب فكرة اصدار جريدة  لنشر افكار الجماعة  على الرأي العام، وهو الذي كتب مقالها الأفتتاحي الاول  ، بل وكانت مساهمته المالية اكثر من مساهمات الاعضاء المؤسسين الاوائل ، ويوضح  حسين جميل ان عبد الفتاح سلمه ألفي روبية دفعها له والده ابراهيم كنفقات اصدار الجريدة  .

وصدرت  ( الأهالي) لأول مرة في 2 كانون الثاني 1932 وكان المحامي  حسين جميل صاحبها والمدير المسؤول  لتعذر ذلك على الآخرين  ، فعبد الفتاح إبراهيم كان موظفاً في الحكومة ولا يحمل شهادة في الحقوق ، بينما كان عبد القادر إسماعيل قد تعرض للسجن لمدة سنة ، وقد تتخذ الحكومة ذلك ذريعة لرفض الطلب.

وكما عرضنا حالة ( الأهالي) في حديثنا عن عزيز شريف ، فقد عادت الجريدة إلى الأسواق  ، وهي تحمل اسم البستاني صاحباً للامتياز مرة أخرى ، والمدير المسؤول في آن واحد وحتى 7 كانون الثاني 1934 عندما عطلتها الحكومة الجديدة برئاسة جميل المدفعي لمدة شهر بسبب منشور سياسي  قيل ان الشرطة عثرت عليه، واتهمت البستاني بأعداده للتوزيع .

ومن الواضح أن عبد الفتاح ابراهيم قد أبتعد عن جماعة الاهالي بعد انضمام كامل الجادرجي وحكمت سليمان للجماعة وهيمنتهما وخصوصاً الجادرجي على شؤونها.

وقام عبد الفتاح ابراهيم بعد تجربته( الاهالي)، بمحاولته الصحفية الثانية عام 1937 عندما اصدر خلال حكم انقلاب بكر صدقي الذي شارك زملاؤه السابقون من جماعة الاهالي فيه مجلة نصف شهرية اسماها ( العصر  الحديث ) وبالإتفاق مع المحاميان عبد الرسول الخالصي وسليم رؤوف ، والتي واصلت الصدور حتى عام 1938? وقد أخطأ بعض الكتاب في تسميتها ( العصور الحديثة).

وأسس عام 1944 جمعية الرابطة الثقافية التي ضمت عدداً من الذين يفضلون العمل السياسي العلني ومنهم  عبدالجبار عبدالله  وعبدالله مسعود القريني ،ومحمد مهدي الجواهري الذي أنسحب فيما بعد  ، وكامل قزانجي وذنون ايوب وناظم الزهاوي وخدودي خدوري وغيرهم.

وأصدرت هذه الجمعية مجلة (الرابطة) لأول مرة في 26 آذار 1944 وبلغت اعدادها حتى عددها الاخير في  تموز عام 1946? 45 عدداً،  عندما قضت وزارة أرشد العمري عام 1946 عليها وعلى الجمعية.

وللتذكير كانت وزارة أرشد العمري من اكثر الوزارات بعد الوزارات التي ترأسها نوري السعيد وصالح جبر قسوة على حرية الصحافة وقمعتها بشدة .

وفي آذار عام 1946 شارك مع زملاء له في تأسيس حزب الاتحاد الوطني وأصبح عبد الفتاح رئيساً للجنته السياسية  ،  وإتخذت الهيئة المؤسسة للحزب من جريدة ( الرأي العام ) التي أصدرها الشاعر الجواهري لساناً شبه رسمي لها ،  لعرض آراء الحزب وفلــــــــسفته ، وبعد استقالة الجواهــــــــري من الحزب وســـــــــحب جريدته استبــــــــدلوها بجريدة (السياسة) ثمّ بجريدة ( صوت السياسة ) بعد إغلاق السياسة ، وقد رأس تحريرها ناظم الزهاوي ، وصدر العدد الأول منها في العاشر من كانون الأول من السنة نفسها .

ولم تتوفر معلومات كثيرة عن محاولات عبد الفتاح ابراهيم الصحفية عقب قيام النظام الجمهوري في العراق في تموز عام 1958 ? وقد توظف في وظيفة مختصة بالشؤون النفطيةً ، وتحدثت بعض المصادر عن محاولته تأسيس حزب علني مستفيداً من قانون الاحزاب الذي اصدرته حكومة عبد الكريم  قاسم في عام 1960 لكنها رفضت منحه الاجازة بالعمل.

ويبدو أن عبد الفتاح قد أحس بالامتعاض من رفض وزارة الداخلية  منحه اجازة تأسيس الحزب الجمهوري ،  فإعتكف مبتعداً عن الشؤون السياسية وأقام في خارج العراق لبعض الوقت حتى وصلته أنباء سيطرة النظام الجديد في 8 شباط 1963 على مطبعة الرابطة ، ليصدر صحيفته اليومية    (الجماهير) منها.

وكانت المصادر القانونية قليلة جداً  في توثيق مصير مطبعة الرابطة  لكن من المؤكد ان السلطات الجديدة قامت بصرف تعويضات مالية لحملة الاسهم اصحاب المطبعة وفقاً للقانون رقم 60 الذي نشرته جريدة (الوقائع العراقية) في العدد824 بتاريخ 28-6-1963  ونقل ملكية مطبعة الرابطة الى القطاع العام ، والتي أصبحت  تعرف لاحقاً بأسم دار الجماهير ثم دار الجمهورية ودار الجماهير مرة اخرى حتى الاحتلال الامريكى عام 2003? وأشترك ( صحفيو المارينيز ) في التسابق على نهب مطابعها ومطابع دار الحرية ورولات ورق الصحف ومكائنها، وبعضها كان ما يزال في صناديقه الخشبية ولم يستعمل .

والقانون رقم 60 لسنة 1963 هو واحد من محفوظاتي الخاصة بالتشريعات الصحفية العراقية، وأتضح لي  من مراجعة مواده  ان المادة الاولى منه قد نصت على ( تحول شركة الرابطة للطبع والنشر شركة مساهمة حكومية برأس مال تملكه وزارة الارشاد على أن يتم دفع قيمة الأسهم خلال عشر سنوات وبأقساط سنوية متساوية).

ولكي لا يفسر ذلك القانون خطأ بأنه مصادرة ، كما زعم البعض ، فقد ضمن القانون 60 لسنة 1963  الحقوق المالية لحملة الأسهم ، حيث نصت المادة الثالثة على ما يلي : (   تعوض وزارة الارشاد حملة الاسهم عن حقوقهم بالقيمة الاسمية للاسهم التي يمتلكونها وقدرها عشرة دنانير للسهم الواحد) ، وأكد أحد المصادر الموثوقة  لي نقلاً عن كريم شنتاف رئيس تحرير جريدة ( الجماهير) أنذاك ان الدولة صرفت تعويضاً جيداً بهذا الشأن .

 ولما عاد عام 1967 أقام عبد الفتاح في منزله بشارع الضباط قرب جامع العساف  في الاعظمية وله مجلس  يرتاده اصدقاء ومحبون حتى وفاته في تموز عام 2003 بعد حوالي اربعة شهور من الغزو الامريكي للعراق ، ودفن جثمانه في مقبرة الشيخ معروف ببغداد ، وله سبعة اولاد وبنات.

ومن الضروري الاشارة الى ان شهاب أحمد حسن الحميد تولى جمع تراث عبد الفتاح ابراهيم وأعاد اصدارها  ببغداد في القرن الماضي والصور المرفقة مقتبسة من كتبه  ، وفي الوقت نفسه نشير الى الجزء الأول لموسوعة ( أعلام عانيون) لمؤلفه الدكتور نوري عبد الحميد العاني لما تضمنه من تفاصيل مهمة عن حياة عبد الفتاح ابراهيم.

الجزء الثاني

محمد طه الفياض والسجل والفجر الجديد

     وفي عقد الثلاثينات من القرن العشرين دخلت  معترك الصحافة شخصية عانية أخرى، وأعني بذلك محمد  طه الفياض الذي ولد في  محلة حگون ( حقون ) وسط المدينة

إنضم محمد طه الفياض لدار المعلمين في بغداد وذهب إلى الاستانة فدخل المدرسة الحربية ليتخرج منها برتبة نائب ضابط وبعدها ترفع إلى ملازم ثان فذهب إلى الحجاز ثم مع القوات العثمانية  في فلسطين ووقع  أسيراً لدى القوات الانكليزية. وبعد إطلاق سراحه عاد إلى  مسقط رأسه في مدينة عنه ، وأنتقل الى البصرة ، وفي عام 1931 أبعد من البصرة إلى أربيل ولما عاد الى البصرة أصبح من الناشطين في  تأسيس جمعية الشبان المسلمين وكان سكرتيرها  ، ثم سكرتير جمعية الهداية الاسلامية وجمعية الدفاع عن فلسطين .

وأصدر محمد طه الفياض في البصرة في نيسان عام 1934 صحيفة (السجل) وكانت يومية جامعة وحرر فيها نخبة من المثقفين العراقيين ومعظمهم من أبناء البصرة ومنهم محمود الحبيب وكاظم محمد الصائب ومقبل الرماح وكاظم مكي حسن وغيرهم  وكانت صحيفة ذات توجهات قومية ودينية.

وتوقفت ( السجل ) البصرية عن الصدور عند أحتلال القوات البريطانية البصرة للمرة الثانية في أعقاب ثورة مايس 1941 لكن محمد طه الفياض أصدر في بغداد صحيفة ( اللواء) المناهضة لسياسات رئيس الوزراء نوري السعيد ، وتمكن عام 1952 من شراء مطابع لطباعة الصحف .

وعطل مرسوم المطبوعات الذي أصدرته حكومة نوري السعيد عام 1954 جميع الصحف والمجلات تقريباً ومن بينها صحف محمد طه الفياض.

وبعد قيام النظام الجمهوري في 14 تموز عام  1958 أصدر الفياض صحيفة أسبوعية سماها (الفجر الجديد) ، ثم تمكن من إصدارها يومياً حتى ألغت الحكومة أمتيازها عام1961 ثم عاودت الصدور بعد 8 شباط عام 1963. وأنتخب انقيباً للصحفيين مرتين في عام 1961 وفي عام 1962.

وتعرضت مكاتب ( الفجر الجديد) وصحيفة ( الحرية ) لقاسم حمودي، وصحيفة ( اليقظة) لسلمان الصفواني الكائنة في محلة جديد حسن باشا اواخر عام1959  للتدمير والحرق  واتلاف مكاتبها ومطابعها، ونثر شيوعيون غاضبون  أوراقها في منطقة الحيدرخانة.

وتوفي الحاج طه الفياض في 30تشرين الثاني عام 1964 فواصل أبنه الكبير حيدر إصدار         ( الفجر الجديد) حتى قضى عليها وعلى كل الصحف الخاصة قانون تأميم الصحافة الذي أصدرته حكومة طاهر يحيى  في الثالث من كانون الأول عام 1967 وحصرت إصدار الصحف وطباعتها  بالدولة. ومن أبناءه أيضاً حسن الفياض المختص بالشؤون السياحية حالياً ببغداد,

شريف الشيخ والأساس

ولد شريف محمد سعيد  الشيخ عام 1916 في قضاء عنه مع انه راوي الأصل ودرس في مدارسها واكمل في بغداد دراسة الحقوق وأصبح محامياً ، وفي اواخر الاربعينيات كان من قادة الحزب الشيوعي العراقي ، وأصدر عام 1948 صحيفة ( الأساس) الواضحة في موالاتها للافكار الشيوعية.

ينتسب شريف الشيخ إلى عائلة من السادة وجدهم الشيخ رجب الراوي إنتقل احد فروعها الى محلة السدة في عنه ، ولهم  فيها تكية  معروفة دفن فيها الشيخ أحمد ونقلتها الدولة  الى المدينة الجديدة قبل غرق عنه القديمة في مياه بحيرة سد القادسية في حديثة ، وكذلك نقلت ديوان محمد سعيد والد شريف وهو ديوان كان معروفاً  في محلة السدة.

وشريف الشيخ  هو شقيق كلا من ثابت الراوي وتوفيق الراوي ، وخال عزيز الشيخ المرشح لعضوية المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وكلاهما انقطعت علاقته بالحزب بعد 8 شباط 1963

كذلك هو عم الأشقاء الدكتور عادل  والدكتور سعد اخصائي العظام والدكتورة زينب اخصائية النسائية  أبناء وبنات توفيق الراوي .

ولم تحدد المصادر كيف ومتى أصبح شريف الشيخ شيوعياً ، لكن الثابت أنه تبنى هذه الافكار بعد الحرب العالمية الثانية بقليل، وقد تولى هو وزكي خيري تشكيل ( اللجنة الوطنية الثورية ) التي قال مالك سيف في اعترافاته انها كانت تضم حوالي 25 شخصاً.

ولكن من المعروف تاريخياً عن زكي خيري أنه كان حزبياً شيوعياً منذ الثلاثينيات ، بل احد  القلائل الذين بدأوا أول نشاط شيوعي في العراق ويبدو أنه أبتعد عن التنظيم الرئيسي ولذلك نجد ان فهد من سجنه طلب عودته للحزب ، والاستفادة من صحيفة  شريف الشيخ ( الاساس ) .

ومن الممكن القول ايضاً ان الشيخ كان مع زكي خيري  يمثلان إتجاهاً شيوعياً آخر أراد فهد إلحاقه بالحزب الرئيسي وان ينفرد هو فقط بالقيادة الحزبية، حتى وإن كان مسجوناً.

ومن الثابت تاريخياً أيضاً ان ( الأساس) كانت صحيفة تخضع لتوجهات قيادة الحزب الشيوعي خلال تولي مالك سيف موقع المسؤول الاول الذي كان يقود الحزب وفقا ً لتعليمات سرية مكتوبة تصله من  زعيم الحزب فهد  ، ولم يحصل على لقب السكرتير الاول إطلاقا لأن فهد كان ما يزال حياً في السجن.

ووفقاً لما اورده الجزء الأول  في الصفحات  رقم  32 و238 و261 و308 ? من الموسوعة السرية الخاصة بالحزب الشيوعي العراقي التي أصدرتها دائرة التحقيقات الجنائية ( الأمن العامة) عام 1949 كان فهد زعيم الحزب يؤكد من سجنه في رسائله الى مالك سيف بوجوب ضم شريف الشيخ الى الحزب.

على أية حال صدرت ( الأساس) عندما أغتنم شريف الشيخ الأنفتاح المحدود لوزارة  محمد الصدر التي تولت السلطة بعد احداث كانون الدامية ضد وزارة سلفه صالح حبر ومعاهدة بورتسموث مع بريطانيا، ووزع أول عدد لها في 18آذار عام 1948.

 ولم يكن صحيحاً التاريخ 3-4-1948 الذي ذكره عزيز سباهي في موسوعته عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ، وقد أسفر إعلان الأحكام العرفية بسبب الحرب في فلسطين الى إغلاق  ( الأساس) في شهر حزيران من نفس العام ولم تعد الى الحياة بعد ذلك، كما أغلقت الحكومة صحفاً عدة تحت ذريعة الاحكام العرفية.

ومن المؤكد ان القياديين اليهود في الحزب كانوا يمتعضون من بعض ما كانت تنشره جريدة ( الاساس  ) في اعدادها الاولى من الدفاع عن عروبة فلسطين حتى أنها كانت تواصل في  نشر نداء الى القراء بمواصلة الكفاح للحفاظ على عروبة فلسطين وهزيمة المشروع الصهيوني قبل ان تغيير نهجها لاحقاً وفقاً  لتعليمات فهد وانسجاما  مع موقف الاتحاد السوفيتي وتصبح ضد الموقف العربي في فلسطين ، وتنتقد عدم لجوء العرب للحل السلمي ، وكان رأيها هذا نتيجة لإعتراف الاتحاد السوفياتي بإسرائيل ، وتميزت سياستها التالية بالسلبية تجاه السياسة العربية ، بينما شن  عزيز شريف في صحيفته ( الوطن ) حملة قوية ضد تقسيم فلسطين وندد بالمزاعم أن ( اليهود قومية) ، ونشر في عام 1948 كراس         ( السياسة الصحيحة لحل القضية الفلسطينية) وبقي طيلة حياته محافظاً على موقفه تجاه القضية الفلسطينية ، وفِي مذكراته يستغرب عزيز شريف من موقف الاتحاد السوفيتي من تقسيم فلسطين ، حتى انه في عام 1982 وكان في الثمانين من عمره اعلن عن تطوعه في الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية لمحاربة الاحتلال الاسرائيلي.

وكانت صحيفتا ( الوطن) و( الأساس) على طرفي نقيض تجاه القضية الفلسطينية ، ونشرت صحيفة شريف الشيخ سلسلة مقالات كتب بعضها القيادي الشيوعي زكي خيري تهاجم عزيز شريف وصحيفته واشارت الى أن الموقف الجديد تجاه القضية الفلسطينية يأتي إنسجاماً مع الموقف السوفياتي بعد الإعتراف بإسرائيل .

 ونلاحظ  ان كلاً من عزيز شريف وشريف الشيخ وزكي خيري قد أصبحوا في وقت ما في الخمسينيات من القرن الماضي رفاقاً  ، أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي.

وأصدر شريف الشيخ  48 عدداً من ( الأساس) اي انها لم تدم سوى أقل من ثلاثة اشهر ، مع انها اثارت بالرغم من قصر عمرها جدلاً واسعا صحفياً وسياسياً وقضائياً، ولم يعد صاحبها شريف الشيخ للصحافة بعدها أبداً.

وخلال سفره الى السليمانية لترشيح نفسه نائباً عنها اعتقلته الشرطة السرية ونقلته الى بغداد لتقدمه الى المحاكمة بأدلة كانت في غالبيتها ذات صلة بعمله الصحفي وأنكر بعضها الاخر وادعى عدم معرفته بمصدرها ، بالرغم من أن فهد في احدى رسائله من السجن الى مالك سيف شدد على الحزبيين ضرورة شراء صحيفة ( الأساس).

مشاركة