عزيز السيد جاسم.. عذراً – زيد الحلّي

394

فم مفتوح .. فم مغلق

عزيز السيد جاسم.. عذراً – زيد الحلّي

من جديد تطل علينا ، ذكرى تغييب الاستاذ عزيز السيد جاسم ، تطل مثل غيمة سوداء ، فانا شخصيا ، لم اشعر يوماً ان عزيزا ، غائب ، فهو يسكن الوجدان الوطني والشعبي ، فهل سمعتم يوما ان مفكرا كبيرا ، غاب فيما كتبه وافكاره ، مثل ضوع الزهور تملأ الضمائر النقية في كل مكان وزمان ..

انطلقت مسيرة ” ابو خولة ” النضالية منذ يفاعته .. ناضل في سبيل كرامة الإنسان وحرية الوطن وتقدمه، ولقي بسبب ذلك صعوبات جمة. عرفته السجون ، وذاق مرارة التشرد والملاحقات…لذلك ، اجد صعوبة في الكتابة عنه ضمن هذه المساحة من الجريدة ، فهو ، مثقف وكاتب موسوعي ، وانسان كبير، وشخصية تركت بصماتها على مساحة الوطن ، واسمه بات رمزا في الضمائر ، لاسيما عند من عرفوه ، وعايشوه .. مع قناعتي بأنه لا يمكن اعطاء صورة  شاملة عن هذا الرمز  ، لكن في الإطار الشمولي والرؤية العميقة يمكنني تحديد انطباع عام عنه ، لقربي منه لسنوات طويلة، وهي  بالمحصلة النهائية  تبقى انطباعات يحملها عقلي الباطن في سجله السري … الخاص !

 عرفتُ الأستاذ عزيز ، كاتباً لامعاً ، سهل الكلمة ، عميق التحليل ، له طريقة خاصة  في تناول الأحداث  ، عُرف بها  وحاول كثيرون الكتابة على  طريقته فلم  يفلحوا  ، فالمشترك الجمالي والموضوعي في كتاباته  هو انها كتابات استثنائية مختلفة عن سواها بعزائمها الصلدة ، وعطائها الوطني ، ودورها التاريخي وملامحها الإبداعية ، وهو لم يكن  كاتباً ومثقفاً و صحفياً ومفكرا متميزا ، إنما هو وجه من وجوه اسطورة الرجولة العراقية  ، وشريكاً في صنعها ، كونه يمتلك حساً يقظاً لا يرضى بهوان ، ولم يقبل بظلم يقع عليه او على غيره ، وبذلك اكد ” ابو خولة ”  ان الشجاعة هي مظهر من مظاهر الثقة بالنفس .. وبالشجاعة يمكن تقليص مساحة الشر ، ووعي الانسان هو شرارة الخير.. ورغم أن ظاهرة النسيان عند مسؤولي ( بلادنا )  بقيت  قوة غير منظورة، مع الاسف الشديد  ، حيث مسحت هذه الظاهرة الكثير من اسماء المبدعين ، وجعلتهم  دخانا مبثوثاً في فضاء النسيان إلا ما ندر، ومن هذه الندرة ، كان اسم الكبير عزيز السيد جاسم ، ساطعا في سماء العطاء الفكري ، والفضل هنا ، لجذور العطاء الفكري له ، ولإصرار عائلته على احياء ذكرى تغييبه في كل سنة ، بعيدا عن الدولة التي لم تنتبه الى مبدعيها.

 في كل عطاءات عزيز السيد جاسم ، سعى ان  تكون الثقافة الانسانية ، مستوعبة للكيان البشري بكل تفرعاته ، في ماضيه وحاضره ، وتعبيرا  عن مدلولات المستقبل ، على مستوى حي لا يتجرد ولا ينعزل ، انما بمشاركة حقيقية في غمار الحياة في شتى ارهاصاتها .. و، تسهم في تدوين التاريخ دون ان تطوف في فضاء المخيلة ، وهي خيال بملمس حرير يقتفي أثر الحقيقة ويلتصق بها .. ورغم الألم الذي تشيء فيه روحية مقالاته ،  وجدت الأمل يملأ قلب كاتبها ، وهو أمل بمثابة نور أقوى من كل الجراح والمصاعب وضربات الزمن ، وهذا ما يؤكد ، ان السطور التي يكتبها ابو خولة ، تمر بميلاد صعب دائم ، لا يصيبها العجز ولا تهزمها الأيام والسنين ، لان الابداع هوما يهدف اليه ويبتغيه ، وهي أفق حياته التي غُيبت!

لروحك السكينة الغالي ابدا عزيز السيد جاسم .. وعذرا لتخلفي عن حضور احتفالية هذا العام بذكرى تغييبك لظرف فوق طاقتي..!

[email protected]

مشاركة