عزلة الكتب

593

عزلة الكتب

عوّاد ناصر
الكتب في عزلة.
وقد يقول قائل: أي كتب تعني؟
أجيب: أعني كتبنا العربية. إن كتب العالم المتمدن تعيش أفضل أحوالها، رغم منافسين شديدي العزيمة يركبون وسائل الاتصال الحديثة وهم مبتهجون بثورة المعلومات.
كثيراً ما تعرضت الكتب للحرق، سواء علي أيدي رجال دين «المؤسسة الحاكمة» أو رسام فاشل تزعم حزباً بإسم يولد القبول «الحزب القومي الاشتراكي» هو أدولف هتلر، ويبدو أن أعداء الكتب أحجموا عن تلك العادة «إحراق الكتب» لأنها قد تقضي علي أطنان من الكلمات المطبوعة علي الورق لكنها أعجز عن تقضي علي كلمة واحدة في خيال عبد من العبيد يحلم بالانعتاق.
لكن في العراق، مثلاً، أعرف الكثير من الناس الذين أقدموا علي حرق مكتباتهم المنزلية الصغيرة أو ألقوا بها في آبار بيوتهم أو دفنوها في حفر أعدت علي عجل، خصوصاً إثر مداهمات “الحرس القومي” لمنازل يعتقدونها تأوي أناساً يحتفظون بكتب خطرة علي النظام، عام 1963.
الكتب، اليوم، بعيدة عن متناول الناس لأسباب شتي، أبسطها: الكتب تورث الصداع!
هل أن الكتب في عزلة، حقّاً؟
الناس هم الذين في عزلة لا الكتب.
يعود زمن العزلة إلي عصر العبودية، فليس من المسموح أن يمسك “العبد” كتاباً يقرأه، لأن الجريمة تهدد الوجود الساكن لنظام عام لا يطيق أن يري أيا كان يقرأ، حتي لو كان يقرأ الكتاب المقدّس.
يورد ألبرتو مانغويل مؤلف الكتاب الرائع «تاريخ القراءة» – بترجمة مخلصة من سامي شمعون – ما يلي بشأن الكتب والعبيد:
«.. أما العبد ليونارد براون، الذي أُمسك به متلبساً بعملية القراءة، فقد جُلد بقسوة من قبل سيده “أطفأ فيها مبدئياً تعطشي للمعرفة ولم اقدم علي أي محاولة أخري حتي فراري”».
تلكم هي القراءة التي تجعل ذاك العبد، ليونارد براون، عبداً آبقاً!
فهل نحن عبيدٌ آبقون لأننا قرأنا فعوقبنا ففررنا؟
شهادة ثانية: «.. ويروي دوك دانيل دودي: “عندما كان المرء يُمسك به للمرة الأولي متلبساً بفعل القراءة والكتابة كان يجلد بسوط مصنوع من جلد البقر، وفي المرة الثانية بسوط مجدول من تسعة أشرطة، وفي المرة الثالثة كان يُقطع المفصل الأول من سبابته”».
بل إن الأمر بلغ حد الإعدام: “.. أما في الولايات الجنوبية فإن شنق أي عبد يعلّم عبداً آخر القراءة والكتابة كان من الأمور المتعارف عليها”.
كانوا، وما زالوا، أعني شرطة المجتمع البشري، يعتقدون أنهم يفرضون تلك العزلة الضرورية علي الكتب، في حين أنهم يفرضونها علي الناس، لأن الكتب تعلن عن نفسها وتؤكد حضورها في أكثر من مناسبة وصيغة:
يعلن الكتاب عن حضوره وهو يستوي، مثل رغيف من العجين بين يدي خبّازه، أي مؤلفه.
ثم يأتي الإعلان الثاني عندما يري النور علي شكل أوراق مجلّدة تحتوي كلمات غير مجلّدة.
الإعلان الثالث هو وجود كتاب بين يدي قارئ.
الإعلان الرابع يتمثل بتلك “التوصية” التي يبوح بها قارئ أو ناقد للآخر: “إنه كتاب ضروري وجميل، عليك به!”.
الكتب ليست في عزلة.. لكن ثمة من يدفع الإنسان إلي العزلة وهم كثيرون: رجل الدين المتعصب الذي يحرّم ويحلّل «يحلّل دم الكلمة»، ورجل الأعمال الجشع لأنه لا يري غير بضاعته جديرة بالترويج، وسمسار الإعلان الذي يسوّق نجمة البورنو التي لا تمتلك أي موهبة غير تأجير ما بين فخذيها.
كم كان الله والطاغية علي حق: الله لأنه أرسل أنبياءه الثلاثة وبيد كل منهم كتاب.
والطاغية لأنه رأي في الكتب مفسدة ومجلبة للشر فهي تجعل الإنسان قبل قراءة كتاب غيره بعد قراءة كتاب، حتي اليوم.

/2/2012 Issue 4119 – Date 11- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4119 – التاريخ 11/2/2012

AZP09