عذابات الحرب – حسن النواب

350

كلام صريح

أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تر‭ ‬القذيفة‭ ‬تنفجر‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أمتارٍ‭ ‬من‭ ‬قدميكَ؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تر‭ ‬نزيف‭ ‬الجنود‭ ‬تحت‭ ‬مشاعل‭ ‬التنوير؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تسمع‭ ‬صفير‭ ‬القنبلة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تسقط‭ ‬قرب‭ ‬خندقك؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬أنَّ‭ ‬الموز‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬هو‭ ‬العتاد؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تحمل‭ ‬شهيداً‭ ‬تحت‭ ‬وابل‭ ‬القصف؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تشرب‭ ‬ماء‭ ‬المستنقعات‭ ‬من‭ ‬العطش؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تأكل‭ ‬العشب‭ ‬من‭ ‬الجوع؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬فراق‭ ‬أهلك‭ ‬لمدة‭ ‬شهرين‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬موحش‭ ‬وبعيد؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تحلق‭ ‬ذقنكَ‭ ‬وتصبغ‭ ‬بسطالكَ‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬صباح؛‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تطبخ‭ ‬الشاي‭ ‬والطعام‭ ‬ببارود‭ ‬القنابل؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تنم‭ ‬بجوار‭ ‬جندي‭ ‬جريح‭ ‬في‭ ‬الرمق‭ ‬الأخير؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تقرأ‭ ‬أشعار‭ ‬ناظم‭ ‬حكمت‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬فانوس؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬يتعفَّر‭ ‬وجهك‭ ‬بالغبار‭ ‬وتراب‭ ‬مسرفّات‭ ‬الدبابات؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تستيقظ‭ ‬فجراً‭ ‬على‭ ‬هدير‭ ‬المدافع‭ ‬وزعيق‭ ‬رئيس‭ ‬عرفاء‭ ‬الوحدة؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تتعرَّض‭ ‬إلى‭ ‬الإهانة‭ ‬في‭ ‬السيطرات؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬لوعة‭ ‬اليوم‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬الإجازة؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الهجوم‭ ‬المقابل؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬القتال‭ ‬التراجعي؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬هلع‭ ‬الحجابات‭ ‬والمشي‭ ‬بين‭ ‬الألغام؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬رعب‭ ‬الإحاطة‭ ‬وخطَّ‭ ‬الصد؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬حركة‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تجلس‭ ‬تحت‭ ‬شمس‭ ‬تموز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سبع‭ ‬ساعات؛‭ ‬لتسمع‭ ‬محاضرة‭ ‬فجَّة‭ ‬عن‭ ‬عبقرية‭ ‬القائد‭ ‬الضرورة؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تدخل‭ ‬خيمة‭ ‬الغاز‭ ‬لاختبار‭ ‬قناع‭ ‬الوقاية؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تشهد‭ ‬معركة‭ ‬في‭ ‬عاصفة‭ ‬وضباب؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تقف‭ ‬خلف‭ ‬‮«‬الدوشكا‮»‬‭ ‬في‭ ‬ظهيرة‭ ‬حارقة‭ ‬وزمهرير‭ ‬شباط؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تستحم‭ ‬في‭ ‬الشتاء‭ ‬بماء‭ ‬بارد؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تستجوب‭ ‬في‭ ‬استخبارات‭ ‬الشعبة‭ ‬الرابعة‭ ‬لأنَّك‭ ‬مستقِّل؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تغسل‭ ‬ملابسك‭ ‬بماء‭ ‬المطر‭ ‬والبُرك‭ ‬الآسنة؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬هدير‭ ‬طائرة‭ ‬معادية‭ ‬فوق‭ ‬رأسك‭ ‬بأشبار؛‭ ‬أنتَ‭ ‬لم‭ ‬تستيقظ‭ ‬فجراً‭ ‬لتقف‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬العرضات؛‭ ‬فلا‭ ‬تسألني‭ ‬أيها‭ ‬السياسي‭ ‬الساكن‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الخضراء؛‭ ‬لماذا‭ ‬أنا‭ ‬قانطٌ‭ ‬ومحبطٌ؛‭ ‬لا‭ ‬أضحك‭ ‬ولا‭ ‬أنام؛‭ ‬ولماذا‭ ‬لا‭ ‬أحبَّكَ؛‭ ‬وأبدو‭ ‬أمامكَ‭ ‬مثل‭ ‬متمرَّد‭ ‬ومجنون‭!‬

‭* ‬الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

ينامُ‭ ‬بخوذتهِ

خشيةً‭ ‬من‭ ‬شظيةٍ‭ ‬تباغتهُ‭ ‬

الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

يبدو‭ ‬معتوهاً‭ ‬أمامَ‭ ‬الناس

لأنَّ‭ ‬صفير‭ ‬القنابل

مازال‭ ‬يدوّي‭ ‬في‭ ‬مجاهيل‭ ‬رأسهِ

الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

وصل‭ ‬إلى‭ ‬أستراليا

وكلَّما‭ ‬انتشى‭ ‬في‭ ‬حانةٍ

توهمَّ‭ ‬إنَّهُ‭ ‬اليوم‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬إجازتهِ

الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

يتكلَّم‭ ‬همساً‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يسمعهُ‭ ‬العدو

الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

غريبٌ

غريبٌ

غريبٌ

وكلَّما‭ ‬تناول‭ ‬الطعام‭ ‬

تذكَّرَ‭ ‬جُثثَ‭ ‬رفاقه

التي‭ ‬تفسَّختْ‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬الحرام

فيداهمهُ‭ ‬الغثيانْ

الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

يتعذَّبُ‭ ‬يتلظَّى‭ ‬ويتمنَّى

لو‭ ‬أنَّ‭ ‬الحرب‭ ‬أكلتهُ

الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

تطاردهُ‭ ‬الكوابيس

ويرى‭ ‬أحلامهُ‭ ‬تتعفَّنُ‭ ‬في‭ ‬بركةٍ‭ ‬راكدةٍ

الجنديُّ‭ ‬الذي‭ ‬عادَ‭ ‬من‭ ‬الحربِ

ستقتلهُ‭ ‬الذكرياتْ‭.‬

‭* ‬في‭ ‬معركة‭ ‬شرق‭ ‬البصرة؛‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬كتيبة‭ ‬دبابات‭ ‬الكندي؛‭ ‬احترقتْ‭ ‬دبابتي‭ ‬بإصابة‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬صاروخ‭ ‬‮«‬تاو»؛‭ ‬ونجوتُ‭ ‬بأعجوبة؛‭ ‬وفي‭ ‬معركة‭ ‬الفاو‭ ‬الأولى؛‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬كتيبة‭ ‬دبابات‭ ‬أشبيلية؛‭ ‬واحترقت‭ ‬دبابتي‭ ‬بصاروخ‭ ‬قاذفة؛‭ ‬ونجوتُ‭ ‬أيضاً؛‭ ‬خرجتُ‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬بشظيَّةٍ‭ ‬بحجم‭ ‬حبَّة‭ ‬الحمُّص؛‭ ‬من‭ ‬قنبرة‭ ‬هاون‭ ‬أخرس؛‭ ‬انفجرتْ‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أمتار‭ ‬منّي؛‭ ‬مازالت‭ ‬تسرحُ‭ ‬في‭ ‬رأسي؛‭ ‬تؤلمني‭ ‬في‭ ‬الصيف؛‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬باقي‭ ‬الفصول‭ ‬فتذهبُ‭ ‬بسباتٍ‭ ‬طويلٍ؛‭ ‬الشظيَّة‭ ‬أصابتني‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الفكَّة؛‭ ‬وفي‭ ‬مشفى‭ ‬العمارة‭ ‬العسكري؛‭ ‬خيَّرني‭ ‬الطبيب‭ ‬بين‭ ‬إجازة‭ ‬لمدة‭ ‬عشرة‭ ‬أيام؛‭ ‬وبين‭ ‬البقاء‭ ‬لحين‭ ‬وصول‭ ‬الدور‭ ‬لي‭ ‬لاستخراجها‭ ‬من‭ ‬رأسي؛‭ ‬أخذتُ‭ ‬الإجازة؛‭ ‬لم‭ ‬أتوجَّه‭ ‬إلى‭ ‬أهلي‭ ‬في‭ ‬كربلاء؛‭ ‬إنَّما‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭! ‬وفي‭ ‬حانة‭ ‬الحمراء؛‭ ‬رفعتُ‭ ‬كأسي‭ ‬نخب‭ ‬الشظيَّة‭ ‬التي‭ ‬منحتني‭ ‬هذه‭ ‬الإجازة‭ ‬الباذخة؛‭ ‬وشعرتُ‭ ‬أنَّها‭ ‬كانت‭ ‬تحتسي‭ ‬معي‭ ‬ابنة‭ ‬الكروم؛‭ ‬ومازلتُ‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الحال؛‭ ‬بمهجري‭ ‬البعيد؛‭ ‬برغم‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬أكثر‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً؛‭ ‬صداقة‭ ‬وطيدة‭ ‬تربطني‭ ‬بهذه‭ ‬الشظية؛‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬متى‭ ‬تنتهي؟‭ ‬ربَّما‭ ‬ستهجرني‭ ‬ذات‭ ‬غربةٍ؛‭ ‬عندما‭ ‬تعرفُ‭ ‬أني‭ ‬أصبحتُ‭ ‬مجنوناً؛‭ ‬ولا‭ ‬رجاء‭ ‬من‭ ‬صحبتي‭ ‬بعد‭ ‬الآن‭.‬

مشاركة