عدنان حسين في أسفاره.. شاعر يقرن عمق المغزى والمعنى
أحمد البياتي
إنّ أول ما يطالعنا في أيّ نصٍّ من نصوص مجموعة الشاعر عدنان حسين ( أسفار .. في ذاكرة الجمر ) هو عنوانه ، فاختيار العنوان المناسب للنص دليل على تفاعل الشاعر مع نصه وعمق رؤيته ، عند صياغته للعنوان يتجاوز الشاعر في أغلب الأحيان الجملة البسيطة موظفاً الحكي والإنزياح والتصوير ، إذ تتميز قصائده بترابط المفردات والمعاني بخيوط تبدو شفافة أو حتّى غير مرئية ، لتكون أقرب إلى الوحدة الموضوعية في الشكل والمضمون ، وهناك ثمة موسيقى خافتة تنبعث من أنماط العبارات والكلمات المستخدمة .
في قصيدة ( هرمونطيقيا ) ص 15 يقول:
اتركيني وقلبي
لأمضي إلى ما لستُ أبصر
من تفاصيل الكارثة
ربّما سوفَ أنسى ، ما أورثتني الحروبُ اللواتي تركنَ تواقيع الشظايا
في جلد قلبي ( سبعُ جراحٍ يابساتْ )
ليس من شأن الليالي أن تعقّمْ
خرير الذكريات بثقب الجمجمة
تبقى القصيدة الشعرية المكتملة الفن الأكثر تأثيراً في المتلقي لما لها من خصائص فنية ومضمونية ومن قدرة على استشراف الواقع والغوص في أعماقه وحينئذٍ تكون قريبة من التحليق الشعري والعمق التعبيري ، فالكلمة والحرف والحسُّ الشجي بالتعبير والأسلوب الجميل باستخدام ألفاظ وعبارات وتركيبات تشحن النصوص الشعرية بالدلالة وتجعل المتلقي شاعراً بالارتواء من منهل عذب دون عناء أو مكابدة لفهم فحوى النص الشعري .
في قصيدة ( فُوضَى كثيفةُ العُتمة ) ص 55 يقول :
كيف لي أنْ أكونَ بلا أكونْ !؟
كيفَ لي أنْ أروّض
خيلَ الجنونِ الجامحة
أو أرمّمَ ، ما أصابَ القلبَ من عطبْ
أسحبُ الروحَ ، من شوكِ صبّارِ التعــــبْ !
لستُ محتاجاً إلى أسئلة …
الصور المختلفة التي يبثّها في شعره بأسلوبه الجميل وبخاصّة عندما قرن عمق المغزى والمعنى بقوة عالية ، كان شعره حقيقياً ومكتنزاً للصور المعبرّة الجميلة ، أما فيما يخص الأسلوب والموضوع والصورة فكانت رومانسية واضحة وهذا ما اكتشفته من قراءتي لقصائده وهو يتغنّى بأحلامه وآلامه ، أغلب قصائده تجنح إلى إثارة التساؤلات العديدة عن العالم والإنسان والزمان والمكان :
يا أنا أيّها المسكونُ بي
من يدوّنُ اغترابَ النوارس ، عندَ تيهِ المنافي
وانكساراتِ التزامنْ
في تفاصيلِ المكانِ المضطرب !
وحدي أنا من سوفَ يسألْ :
– كم سوف أعطي من قرابينَ على رحلة التيه الطويلة ؟
– كم خطىً سوف أحرقْ
عندَ بابِ المتاه ؟
– كم سوف أكتب
للنهاياتِ وصايا الأنبياء ؟
حتّى أرى .. في ممراتِ المغاور
ضوءاً يقودُ خطاي …
فالشاعر في تساؤلاته الوجودية يكون مفصحاً عن يقين اللحظة التي عاناها واكتوى بلظاها ، معتصماً بكبريائه لا يستذلُّ ولا تنحني هامته ، في شعره لمسة الروحانية المتصاعدة من نفسه الساعية للعثور على الحقيقة والإمساك بخيوطها ، باحثاً عن السعادة في عالمه الميت المفتقد للحرية ، المكبّل بالقيود ، ممسكاً بيقينه وخياله للبوح عن الجراح التي يحاول النأي عنها في عالم شابه التعثّر ، ففي فلسفته الشعرية توجد ذاتية وعمق أعطاه التميز والقراءة الرصينة في تكوين النمط الشعري للغته الشعرية العالية التي جسدها ، وكانت أغلب قصائده معبرّة عن واقع حال الشاعر وما كان يتصارع في ذاته من مشاعر وأحاسيس ، فهو يريد أن يوصل ما في نفسه إلى الآخرين فله رسالته الشعرية المؤمن بها .
في قصيدة ( الأصابعُ .. في موقد الشعر ص 85 والتي أهداها إلى الناقد الكبير المجدّد الدكتور حاتم الصكر ) يقول :
( 1 )
كنتَ تقرأ ..
أو فلنقلْ – في منتهى الغموض –
كنتَ تُبْصِرْ …
مابينَ المدى
اختصاراتِ الغيابْ
في ظلال الصدى .
كنتَ ترى
مابين أفقِ اللا انتهاء
صوتَ اهتزازِ الحروف / اللغة
في بيتِ شعرٍ جاهلي
موشّىً بالكواكبْ .. تخضرُّ فيه النجوم .. تمتدُّ فيه الصحاري
الشعر يمكنه عن طريق الرؤية المتأجّجة أن يصل بالعام إلى حرارة الجزئي والخاص ويستطيع أن يملأ ما هو شخصي وفردي بفيض من الدلالة الشاملة التي تغمر الإنسان في عموميته وإطلاقه ، والنقطة التي يتماس فيها الشاعر مع محنة الإنسان ليست نقطة خارجية بل هي في حقيقتها تداخل محتدم ينضح بالدم والحرارة والشفافية ، ففي الشعر نبحث عن الإبداعات وبخاصّة ما يتعلق بالجانب الإنساني ؛ كي نفهم طبائعنا ونتعرّف على سرِّ وجودنا في هذه الحياة ، كما أنّ العنوان يمثل العتبة الأولى التي يلج منها القارىء إلى عالم النص ، والشاعر عليه أن يبذل عناية قصوى لمسألة اختيار العناوين باعتبارها نصوصاً موازية لها أهمية كبرى في عملية القراءة والتأويل ، إن الذخيرة المعرفية والتجارب الحياتية للشاعر والتي كانت محفوظة مكنته من اثبات شروحه ومراميه للقارئ بدقة متناهية بتحديد الدلالة في القصيدة ، كون النص الذي ينتجه يبقى مفتوحاً على آفاق قرائية متعددة .
في قصيدة ( غرانيقُ الفجيعة ) ص 10 يقول :
فوقَ دمائِنا حطّت غرانيقُ الفجيعةِ في عجافِ التيهِ
وامتصّتْ جذورُ العوسجِ الوحشيِّ ألوانَ الفراشة .
لم يبقَ معنىً أنْ نحبَّ الوردَ في زمنِ الحصارِ
ونتركَ القمحَ المعتّقِ بالعفونةِ والمرارةِ للحمام .
عندَ الحصارِ تحاصرتْ خطواتُ أمنيتي الأخيرة
حينما حاطتْ بها أشواكُ ملحِ اليأسِ في قبوِ الخضوع .
الشعر يمكنه عن طريق الرؤية المتأججة ان يصل بالعام إلى حرارة الجزئي والخاص ويستطيع ان يملأ ما هو شخصي وفردي بفيض من الدلالة الشاملة التي تغمر الإنســـــــــــــــــــــان في عموميته وإطلاقه كما بيّنّا ســــــــابقاً ، والنقطة التي يتماس فيها الشاعر مع محنة الإنسان ليست نقطة خارجية بل هي في حقيقتها تداخل محتدم ينضح بالدم والحرارة والشفافية .
شكلت اللغة عند الشاعر عدنان حسين في كتاباته الشعرية ركناً أساسياً ومهماً على اعتبار أنها موطن الهزّة الشعرية وإنعاش وتجسيد للفاعلية الشعرية واختزال لكيانها المادي ، لذلك جعلنا الشاعر في هاتين المجموعتين نتحسّس الدلالات الساطعة من حيث البناء في هيكل القصائد الممتلئة بالحرارة والشاعرية .
في قصيدة ( رسائلُ مؤجّلة ) ص 103 يقول :
أكلّما ينتابني الظلامْ
أراكِ تهطلينْ …
على مرايا غربتي بوجهكِ الحزينْ .
فتقربي من ابنكِ الكفيفْ.
تهتزُّ من أنفاسِكِ ستائرُ الأنين .
تلملمينَ شوقيَ المخضّرِ بالأسى بصدركِ المخضّرِ بالحنينْ .
وتمسحَي بكفِّكِ الرؤومْ
نشيجيَ السجين .
لتهدأَ الدموعْ
ويخفتَ الأنين .
يبقى هدف كلّ شاعر هو كتابة النصّ الشعري الذي يحقّق من خلاله التواصل مع المتلقي بشكل إبداعي خلّاق بعيداً عن التقريرية والخطابية ، ولهذا تتطلب قصيدة التفعيلة التي تمكّن إلى حدٍّ بعيد من معطياتها الفنية والموضوعية والفكرية الشاعر عدنان حسين مرجعية ثقافية واسعة ، إضافة إلى الوعي بخصوصيتها الصعبة الولوج والتي لا تتأتى إلا للشاعر المتحصّن بالثقافة والوعي الشعري المتميز والقادر على خلق مسافات دلاليّة وتعبيريّة في نصّه الشعري .
( أسْفَارٌ .. في ذاكرةِ الجَمْر ) مجموعة شعرية للشاعر عدنان حسين صدرت عن دار الجواهري للنشر والتوزيع – بغداد – العراق ، وتضمنت ( 17 ) نص شعري …



















