عبرات ساخنة على الرصيف – عامر العيثاوي

423

قصتان قصيرتان

عبرات ساخنة على الرصيف – عامر العيثاوي

خمسة أعوام وسبعة أشهر وثلاثة أيام المدة التي قضاها الشاب الثلاثيني “عبد الرزاق” حتى انتزع أخيراً موافقة منظمة الهجرة بمنحه حق اللجوء للولايات المتحدة الأميركية، وأتم أوراقه وترتيباته بانتظار الطائرة بعد ثلاثة أسابيع لا غير. وطوال فترة غربته الطويلة في الدولة التركية برفقة زوجته وولديه أضطر للتنقل بين مهن عديدة، بدأها بطلاء أساسات الأبنية بعوازل الإسفلت، وفي ورشة نجارة يقضي عشر ساعات بتحميل الألواح الخشبية ونشرها على منشار كهربائي، ونادل مطعم لأثنتي عشرة ساعة يومياً، وبمخزن للفحم كان يترك في وجهه ومنخريه آثار الغبار الأسود. وانتهى بمعمل للنسيج متخصص بـأغطية المفروشات وإضافة لعاملات ماكنات الخياطة التركيات كان يشاركه سبعة من الشباب السوريين يمتلكون مهارة وسرعة بالتغليف ويمضون بمرح معظم أوقاتهم بالتراشق بشتائم لاذعة، وعامل إيراني واحد يدعى “حسن”  وهو الآخر ضمن قوائم اللجوء المتأخرة، اعتادا تبادل الهموم بمفرداتهما التركية الركيكة و نقاشات لا تحمل أية ضغائن عن حرب الثماني سنوات ، ومرحلة العنف ما بعد 2003. وتسببت أشغاله بحصول انزلاق بسيط في عموده الفقري، ونوبات من ضيق التنفس نتيجة للرذاذ المتطاير من الأقمشة، لكنه في النهاية نال مراده  بحصوله على حق اللجوء وفي ذهنه تعويض كل سنوات التعب. وما بدا له مفرحاً كان لوالديه المسنين كحكم نهائي بالموت وترجمة لبكائهما منذ الأشهر  الأولى لسفره شوقاً لرؤيته وللحفيدين. تعكزت أمه على عجز سنواتها الخمس والسبعين وقررت السفر جواً برفقة شقيقه الأكبر، وحدث يوم وصولهما مفارقة عجيبة، فقد أخطأ موظفو الجوازات وأعطى للشقيق وثيقة سفر لشخص آخر ولم يتم اكتشاف الالتباس إلا في مطار انطاليا، فأجبر على العودة على أن يلحق تالياً. من منفذ الاستقبال شاهدها تتقدم على كرسي متحرك يدفعه أحد الموظفين، وفوجئ لملامحها كم أصبحت مسنة وتنبه للمرة الأولى كم أن عينيهما متماثلتان بلونهما البني. كانت ترتدي “جلبابا” صيفيا خفيفا اسود بدلاً من العباءة، وتغطي رأسها فوطة بذات اللون، أبتسم ليخفف عنها عناء السفر:-

– مازلت شابه، “يابخت” والدي بك.

بمرآب الحافلات المغلق والمكيف استعانت بعصا المسنين خاصتها وجلست على أحد المقاعد الطويلة، شزرت بنظرة جانبية فتاة ترتدي فانيلة منحسرة عن أسفل بطنها، فقالت من بين أسنانها:-

-سقطت نقطة الخجل من جبينك تماماً.

ابتسم عبد الرزاق وربت على يدها، عندما انطلقت حافلة الركاب أخيراً وسارت في الطرقات المرصوفة بين الجبال والوديان والغابات الخضر الممتدة على الجانبين، أخذت تردد منبهرة:-

– سبحان الله على هذا الجمال.

كان احتفال الأولاد بجدتهم عظيماً وعامراً بدموع الفرح، وفي البداية اكتفت بالجلوس بالمنزل لتشبع ظمأ عينيها برؤيتهم، لكنه ألح عليها بضرورة الخروج بنزهات يومية. فتعرفت بمدة قياسية على متاهة السوق الشعبي حتى أنها كانت تشير عليه بدفع عربتها داخل الأزقة المتشعبة لابتياع احتياجاتها، فهذه الناحية لبائعي البهارات، والآخر للمكسرات والحلوى، وهذا الممر الضيق يعرض مناشف بأنواع متعددة. ذات مرة طلبت منه التوقف وسط ساحة تتناثر مقاعدها الطويلة حول نقطة ماء مصدرها من الجبال المحيطة، تأملت جموع الناس بعينين مسنتين ورددت بتنهيدة:-

– ملامح شيوخنا أكثر ملاحة من شيوخهم، بل ان كل شيء هناك أجمل.

ضحك عبد الرزاق:-

– يبدو انكِ اشتقتِ لأبي.

نجح شقيقه البكر باللحاق بهم وكان قدومه فرصة لتذوق “الصمون” العراقي بعد فراق طويل وتشكيلة من الفلافل والكباب، وتمت إجراءات العودة على نحو أدهش الأم لسرعة الزمن المتدفق. في الظهيرة الأخيرة أجلست حفيديها بحجرها وولديها عن يمينها ويسارها والتقطوا صورة تذكارية، وعند المساء وفيما هي تهم بالمغادرة بكى الطفلان خلف مركبة الأجرة التي اقلتهم لموقف الحافلات. جلس عبد الرزاق بينهما وهو يعيد النظر في ساعته اليدوية، سألته أمه بقلق بأن الوقت متأخر فهل سيأتي الباص؟، ابتسم لها:- – لا تقلقي كل شيء يسير هنا حسب الوقت والتاريخ.

فركت ما بين راحتيها وبكت قائلة:-

– منظر الولدين فطر قلبي، ما تقول لو تلغي قرار سفركم.

– ما فائدة الدموع يا أمي، تعرفين بأني لن أعود، مات الوطن بداخلي منذ زمن طويل.

حركت رأسها علامة الموافقة والدموع تجري على وجنتيها، كان موعد الحافلة قد حان ، ودعهما من الخارج بيده ملوحاً، حينما اختفت المركبة شعر عندها فقط بثقل الاغتراب في صدره. قفل راجعاً بخطوات متعبة والسكون من حوله مطبقاً إلا من بضعة كلاب تجوب الأنحاء، كانت الخواطر تجول في مخيلته، ما هذا الذي صنعه، وكيف سيمكنه العيش مع ذكرى دموعها؟. لازال في الوقت متسع وسيقوم غداً وعلى وجه السرعة بإلغاء طلب اللجوء لكنه تذكر تعب أعوامه السابقة والحياة الواسعة التي تنتظره، كان رأسه خاوياً من أي حل للموازنة بين الأمرين، تهاوى على أقرب رصـــــــيف وأخذت عبراته الحائرة تتســاقط دون رحمة.

مشاركة