عبد المنعم الديراوي في مشاهدات جغرافية

225

عبد المنعم الديراوي في مشاهدات جغرافية

أدب الرحلات بين غرائب وعجائب

حيدر علي الاسدي

اهداني مؤخرا الزميل الصحفي البصري (عبد المنعم الديراوي) كتابه (رحلاتي بين الغرائب والعجائب) وهو كتاب صادر عن دار الادب البصري بواقع 215 صفحة يجسد مشاهدات الديراوي حول مدن بلدان يجهل القارئ العربي الكثير عن حيثياتها ، موثقا تلك الرحلات بالصور والسرد والوصف الجميل ، وهي سياحة جغرافية وسياحة ثقافية متنوعة ومتنورة تقدم لقارئها وصفا دقيقا لتلك المدن وغرائبها وعاداتها وتقاليدها ، والرحال عبد المنعم الديراوي يعد اول عراقي وعربي يدخل جزر أندمان ونيكوبار.

تسلق جبل

ويعد اول عراقي وثالث عربي يتسلق جبل افريست اعلى جبال العالم فضلا عن نشاطه كصحفي رائد في البصرة ، وبداية لابد من الاشارة الى ان كتب الرحلات تعد أهم المصادر الجغرافية والتاريخية والاجتماعية، ذلك لأن كاتب تلك الرحلات يستقي المعلومات من مشاهداته الحية والمباشرة ما يجعلها ذات ابعاد تشويقية وثائقية باسلوب جميل وتوثيقي يرجع له الدارس والباحث مراراً، وقد عرف العرب ادب الرحلات قديما ومن اقدم تلك النماذج رحلة السيرافي عبر البحر إلى المحيط الهندي في القرن الثالث الهجري ورحلة سلام الترجمان إلى حصون جبال القوقاز عام 227 هجري، ومن الرحلات المشهورة كذلك (رحلة ابن جبير الأندلسي) اما النموذج الذي اشتهر لدينا في ادب الرحلات يتمثل في رحلات (ابن بطوطة) الذي بدأت رحلته عام 725 هـ من طنجة. اي ان ادب الرحلات كان ولازال حاضرا بقوة في موروثنا العربي ، ولعل ابرز من كتب هذا الادب وبرع فيه حول العالم هم ادباء لهم الحظوة والامتياز بمجالات الكتابات الادبية والنقدية ومنهم (صمويل جونسون، وهاينرش هاينه، وتشارلز ديكنز، ومارك توين، واوكتاف ميربو، وروبرت لويس ستيفنسون، وارنست همنجواي واخرين) ويمكن القول ان ادب الرحلات في المدون ضرورة ان يتمتع بعدة مزايا لجعل الكتابة اكثر سحراً وتشويقاً ، اذ يجب ان يتم الاعتماد على تقنية (الحوار) واستخدام الاسلوب القصصي (السردي) والاتكاء على الوصف بشكل كبير،وبخاصة في تفصيلات وصف الاماكن والطقوس والعادات والتقاليد ، واضافة مسحة من الفكاهة في عملية الوصف في ادب الرحلات لاضافة المتعة في عملية سرد تلك الرحلات ، وهذا ما تجده حاضرا في كتابة ( عبد المنعم الديراوي) في وصفه لرحلاته عبر كتابه ( رحلاتي بين الغرائب والعجائب) اذ يصف الاماكن التي زارها بدقة كبيرة ، وتفاصيل متناهية تصل الى ذكر جزئيات مهمة في تلك الرحلات والامكان ويركز بوصفه على المسائل الغامضة بتاريخ وتقاليد تلك الشعوب والبلدان ، ويدعم تلك الرحلات بصور فوتوغرافية وثقها بكاميرته الشخصية وهو يتجول في تلك البلدان ، فهو يفتتح كتابه برحلته الى (ميانمار بورما) وما تمثله من اشكاليات كبيرة ازاء الاخر وبوصفه بلد اكثر غموضا وجدلا وبخاصة بالنسبة للبلدان الاسلامية ، الديراوي في كتابه ورحلاته هذه وما دونه لم يكن مثاليا بصورة مفرطة بل كان واقعيا يتكلم عن كل ما يشاهده ويدون ما يعترضه من حواث ومواقف حتى وان كانت من قبيل (منعه) من دخول مكان ما ، او خشيته وقلقه من مكان ما او سلوك ما ، ولكن الاجمل هو روح المغامرة التي كان يتمتع بها ومحاولة كشف المضمر والغامض من اسرار تقاليد حياة تلك البلدان ، وما لاحظته بتدوينات الديراوي انه كان امينا بنقل ما يقابله وصادقا في تدوين ملاحظاته وكتب بموضوعية مطلقة ولم ينحاز لايدلوجية معينة او توجه فكري معين ، بل كان موضوعيا بوصف ما يعتريه من افكار ورؤى طيلة فترة رحلاته التي امتدت لبلدان متنوعة الطقوس والعادات والاديان ، الديراوي لا يصور الاماكن والطقوس في تلك البلدان وحسب ، بل هو يركز كذلك على سلوكيات افراد تلك البلدان (وحتى تصرفاتهم وردود افعالهم اليومية ازاء ما يحصل من يوميات) سواء معه شخصيا او بينهم وبين السائحين ، وهو يقدم لنا صورة لانسان تلك البلدان وجماليات اماكنه سوية ، والديراوي يبرع كثيرا في وصفه السردي وكانه قاص يكتب قصته الادبية بحرفية لغوية عالية ( انطلقت العربة ..رائحة المكان كانت كريهة جدا فالجو مشبع برائحة روث الخيول..عبرنا بالعربة العديد من بيوت الفلاحين ومزارع للرز والموز والاناناس وفواكه مختلفة اخرى…ص 47) وكذلك ( وقهقهات الاسبانيات مع اصدقائهن وحتى عطرهن الفواح الذي اتعمد من ملئ رئتاي به عندما اتقرب منهن وانا سائرا بالطريق وما بين غنجهن وقهقهاتهن وابتساماتهن اللواتي يرسمنها على وجوههن والتي تصلني كالسهام لتقطع ما تبقى من احشائي ولتزيد من وجعي انا الغريب التائه في هذه الجزيرة الجميلة في كل شيء…ص132) ويقدم الديراوي عبر كتابه هذا العديد من الارقام والاحصائيات الجغرافية والتاريخية والمتعلقة بتلك المدن التي زارها ، واسماء تلك المدن التي زارها وتاريخها وظروف تحولاتها وسيروتها الانثروبولوجية والسياسية، وكذلك قدم الديراوي مشاهداته لرحلته الى (موريتانيا) مبينا تركيبة المجتمع هناك ،ولغاتهم وعاداتهم البدوية ، وازيائهم وبخاصة بالنسبة للنساء ، مستعرضاً بعض المواقف الطريفة التي حصلت معه هناك ،

قراءة رحلات

وكذلك قدم قراءته لرحلاته الى جمهورية جنوب غرب افريقيا ، وتحدث عن الاعراق البشرية في تلك الجمهورية ، والجميل في تدوينات الديراوي انه لا يغادر مدينة الا وسجل كل الملاحظات المتعلقة بتلك الاماكن ، يقول الديراوي ( واصلت سافايا القيادة الى ان وصلنا الى منطقة منبسطة وشاسعة جدا اعتقد ان اول وهلة بانها ربما مزارع للحنطة او غيرها ولكنها كانت بالحقيقة مجرد حشائش نبتت بسبب الامطار، توقفت سافايا على حافة نهر عرضه حوالي عشرة امتار كان الماء يجري فيه سريعا…ص126) وقدم المؤلف كذلك رحلاته الى (المعابد) في عدة بلدان ومنها الهند والنيبال ، وحصوله على كنز ثمين من المعلومات من تلك الاماكن ، فقد ولج هناك (معبد القردة) ودكات حرق الموتى الهندوس ، ومعبد الفئران ، وغيرها من الاماكن والديانات التي تحدث عنها وعن مقدساتها والمحظور فيها وممارساتهم اليومية، الكتاب يجب ان يدرس بصورة اكاديمية وربما يعد من اهم الكتب في البصرة حول ادب الرحلات ، وهو تحفة سياحية ثقافية جميلة تستحق القراءة فالديراوي يقدم لكم رحلات تكلف جهد سنوات واموال طائلة يقدمها على طبق من ذهب للقراء ليطلعوا على كل تلك الثقافات وما نجهله عن تلك الاماكن والبلدان والديانات كل هذا واكثر حتما ستجدونه في هذه التحفة الادبية.

مشاركة