عبد الله سلوم السامرائي وزير لا يحب الإعلام – صباح الراوي

عبد الله سلوم السامرائي وزير لا يحب الإعلام – صباح الراوي

ولد الدكتور عبد الله سلوم السامرائي في العام 1932 في مدينة سامراء، وتوفي في بغداد سنة 1996 وهو من الرعيل الأول للبعثيين في العراق ومن الذين تلقوا الأفكار في المرحلة المنتهية من دار المعلمين العالية يوم التقى الطالب السوري، آنذاك، شاعر البعث سليمان العيسى، ليصبح، بعدها، عنصراً فعالاً في نشر أفكار الحزب في قضاء سامراء ولاحقاً في لواء الرمادي عندما نقل للتدريس في مدينتي حديثة وراوة.

في العام 1963 بعد انقلاب 14 رمضان على الزعيم عبد الكريم قاسم الذي قاده البعثيون، تولى مسؤولية وكالة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وبعد 17-30- تموز 1968 يوم تسلم البعثيون السلطة في العراق، أصبح وزيراً للإعلام، ثم تولى، بعد ذلك، مناصب دبلوماسية عدة منها، ممثل العراق في الجامعة العربية، وخلال تلك الحقبة حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة عين شمس، ثم أصبح سفيراً للعراق في الهند، من منتصف العام 1971 إلى بدايات العام 1975 ليلتحق، بعد ذلك، سفيرا في بولونيا.

وخلال معايشته في حقبة تولي منصب سفير العراق في الهند فقد تطورت علاقة العراق بالهند خصوصاً بعد اتفاقيات البلدين الاقتصادية والثقافية والعسكرية، بعد زيارة المرحوم مرتضى الحديثي وزير الخارجية العام 1972. وفي المجال الثقافي كانت اتصالاته واسعة مع الجامعات وتمثلت باهدائهم مجموعة من الكتب الخاصة بتاريخ العراق والمجالات الثقافية الأخرى، بعد أن عرضت في معرض الكتاب العراقي بنيودلهي. وكان له دور متميز في اجتماعات مكتب الجامعة العربية في نيودلهي والذي يعقد شهرياً مؤكداً وحدة الأمة العربية والفكر القومي لحزبه، كما أنه كثف علاقاته مع الحزب الحاكم (حزب المؤتمر الوطني الهندي) بزعامة انديرا غاندي، انذاك، والحزب الشيوعي الهندي بجناحيه الماركسي واللينيني.

وعلى الرغم من توليه هذه المناصب لكنه ظل متأثرا بثقافته العامة وجذوره التي كانت في مجال التدريس والدراسة، وهو موسوعي في فهم التاريخ العربي الاسلامي، الذي لا يخلو من ممارسات دبلوماسية مهمة يعتمدها الدبلوماسيون الناجحون لحد الآن: (الحفاظ على شعرة معاوية)  أو (ما هكذا تورد الابل يا فلان)، تلك الامور التي لم تكن مرغوبة في كتابة التقارير السياسية الخاصة بالعمل الدبلوماسي، فضلا عن أنه كان يهتم بأمور بسيطة مثل التأكيد على دوام الدبلوماسيين صباحا في تمام الساعة التاسعة ولا يهتم كثيراً بالجهد الذي يقدمه الدبلوماسي، ومن المعروف أن الدبلوماسي ليس الذي يجلس على الكراسي، بل الذي يحاول جاهداً الحصول على المعلومة وترك دائرته لأداء مهماته، بعد إعلام السفير بالطبع، والتي قد تستغرق ساعات طوالاً، بعد انتهاء الدوام الرسمي. وقد يستمر ليلاً في حالة وجود برقيات مشفرة، وما يوضح انشغاله واهتمامه هذا أنه فتح سجل تواقيع لأوقات الحضور ولم يلتزم به الملحق الصحفي الإعلامي كاظم جواد المعروف بعصبيته التي جعلته يتجرأ على مواجهة السفير ويقول له: (حسبتك سفيراً ولم أتصور أنك لا زلت بعقلية مدير مدرسة). وبالطبع كانت النتيجة أن السفارة فقدت ركناً مهما في الجانب الإعلامي، بعد نقل الملحق الصحفي (أبو مصعب) رحمه الله.

معلوم ان العمل الدبلوماسي يتطلب علاقات مع أطراف مختلفة وتقديم الهدايا وإقامة الدعوات لكن لم يشجع ذلك، بل يعرقله من خلال عدم صرف المبالغ التي تغطي مثل هذه النشاطات، والتي تعود ايجابياً على تعزيز وتوثيق التقارير السياسية للسفارة المرفوعة إلى وزارة الخارجية.  ذلك كله بذريعة الحرص على ميزانية السفارة، بحيث أصبح لا يتم صرف شيء منها سوى رواتب الموظفين وإعادة المبالغ الأخرى إلى وزارة الخارجية، علماً أن مثل هذا غير محبب في العمل الدبلوماسي مما حدا بالرئيس الراحل صدام حسين ان ينتقد هذه الحالة عند زيارته للهند في العام 1974 ويتعامل مع رصيد السفارة بالوجهة المغايرة تماماً والتي تعكس مكانة العراق وثقل وزنه دولياً. وكان على السفير السامرائي أن يوقع  على صكوك الصرف وهو كظيم.

بالاتجاه نفسه، فقد عرقل عمل الملحقية العسكرية من خلال تقنينه لشراء (الويسكي) الذي يحتاجونه لتقديمه هدايا لضباط الاستخبارات العسكرية الهندية للحصول على معلومات تخص إيران التي كان العراق في نزاع معها حول شط العرب والجزر الثلاث، قبيل معاهدة 1975 والتي قبلها البلد على مضض.

أما الحالة المؤلمة فهي نقده للقيادة، كما يتصوره هو، أمام الآخرين من كادر السفارة مما حدا برجال المخابرات إلى كتابة تقارير خاصة عنه ترسل مع بريد الملـــــــحق العسكري المقدم نزار الخزرجي المحب لذلك، والتي لم يطلع عليها السفير، أدت هذه الحالة إلى التحـــــــقيق معه والاكتفاء بنقله، بعد حين، من الهند إلى بولونيا، الا أن حالة نقده للقيادة لم تفارقه منذ العام 1973 بعد اعتقال القيادي البعثي عبد الخالق السامرائي، وفي هذه المرة لم تسلم الجــــــرة، إذ تم تسجيل حديثه بوساطة ساعة خاصة كان يرتديها أقرب اصدقائه وكان السيد السامرائي قد تناسى موقفي معه بعد شهادتي لصالحه والتي أبديت فيها ريبتي بالمحقق المرحوم جعفر العيد. واخيراً يذكر نزار الخزرجي تلك الحقبة من عملة بالهند ما بين 1974- 1977 يذكرها وهو نادم، بعد توسع الخلاف مع السفير الذي وصفه بالمثقف والشخصية المرموقة في مقارنة مع السفير محمد سعيد الصحاف الذي أعقبه والذي ابتلع شخصيته أحد (الطراطير).

ولكني أقول إن السفير الصحاف كان دبلوماسياً ناجحاً بعيد النظر ترك ذلك الرجل يبتلع شخصيته ويتركه لجهله ويهتم بشؤون عمله كسفير مترفعاً عن الصغائر متابعاً الكبائر.

مشاركة