عبد الله العروي يعيد رجل الذكرى إلى الوجود

1017

عبد الله العروي يعيد رجل الذكرى إلى الوجود

التأطير داخل جنس الكتابة المسرحية

صدوق نورالدين

دأب الدكتور عبد الله العروي على إعادة النظر في منجزه،سواء الموضوع أو الموصوف. فعلى مستوى الموضوع، أقدم على إعادة النظر في ترجمة”الإيديولوجية العربية المعاصرة” وكان أنجز ترجمتها المترجم الراحل محمد عيتاني. وأما الموصوف في شقه الروائي فنجده مثلا في قصة “الغربة” يضيف هوامش بمثابة مفاتيح لتسهيل وظيفة قراءة الرواية، بعد نشرها مستقلة عن رواية “اليتيم”.

وهذا الحرص،يطالعنا حال إعادة إصدار النص المسرحي”رجل الذكرى” عن المركز الثقافي العربي/(2014).

قصة كتابة:

 وقد قدم الدكتور عبد الله العروي نصه”رجل الذكرى”(ثمانون صفحة) من منطلق كونه صياغة جديدة لما أسماه”حوار تلفزيوني”، وذلك بتوضيحات لامس فيها ظرف التأليف المحدد بين صيفين:صيف1958?حيث حرر النص باللغة الفرنسية بمدينة أكادير.وصيف1960 حيث أعاد فيه النظر  بالقاهرة، ونقله إلى اللغة العربية.وأما فيما يتعلق بالنشر، فيشير العروي بأن مدير النشر بمجلة”دعوة الحق” رفض نشره لغموض معناه، ليتم الترحيب به غداة صدور العدد الأول من مجلة”أقلام”المغربية( 1964 ).بيد أن ما يغيب عن توضحيات التأليف والنشر التالي:

1/حين نشر(بضم النون) نص”رجل الذكرى” بمجلة “أقلام”، لم يوقع باسم”عبد الله العروي”، وإنما”عبد الله الرافضي”.

2/حين أصدر العروي قصة”الغربة”(1971) كما يؤثر تجنيسها،ألحق”رجل الذكرى”بالقصة لولا أنه في الطبعات اللاحقة ل”الغربة” أقدم على حذف النص (طبعة:2000).

بيد أن دواعي الإصدار اليوم، تكمن في المراجعة والترهين،مادامت الكتابة لا تتعلم إلا بالكتابة:

“..قرأت مؤخرا رجل الذكرى بعد مرور ما يقرب من أربعة عقود.استثقلت الأسلوب غير المتجانس وزدت قناعة أن المرء لا يتعلم الكتابة إلا بالكتابة.لذلك قررت مراجعة النص مراجعة تامة حتى لا ينفر من مطالعته قراء اليوم.”(ص/5 و6).

بيد أنه وبالإضافة للمراجعة والترهين،فإن الداعي الثاني يتمثل في كون”رجل الذكرى” يشكل نواة لما تم تأليفه موصوفا(نموذج:الآفة)، وموضوعا(نموذج:السنة والإصلاح):

“ما شجعني على نشره مجددا رغم عيوبه الجلية والكثيرة،هو أنه يتضمن نواة كل ما ألفت في ما بعد، أكان إبداعا أو نقدا ثقافيا.

حول ماذا تدور رواية الآفة؟ حول الذاكرة.

حول ماذا تدور تحليلات السنة والإصلاح؟ حول الذكر.”(ص/6).

وأما الداعي الثالث للنشر، فيتحدد في مفهوم”القطيعة” الذي شكل مدارا رئيسا لكتابات عبد الله العروي:

” لم أقل بالقطيعة كحافظ للماضي بل كداعية للإحياء والتجديد،بعث حياة جديدة،مستأنفة في نفس من كاد القديم، ترديد القديم أن يخنقه ويجمده.”(ص/7).

إن الدواعي السابقة هي العوامل التي اقتضت إعادة النشر راهنا.

     بنية النص:

وتتشكل بنية”رجل الذكرى”من تقديم، ومسرد للشخصيات ثم افتتاح للنص وثلاثة مشاهد حوارية.ويحق اعتبار الافتتاح جزء من النص،خاصة وأن الرابط الشخصيات المتحاورة وهي ثمانية:خمسة ذكور وثلات نساء بين البعض قرابة عائلية:عمر،حسون،عباس وحليمة والبقية صداقة:حمو،إيرين وسام.

ويختلف الزمن والمكان باختلاف الافتتاح والمشاهد.على أن شخصية عمر تمثل الثابت على امتداد النص.وهي ـ أساسا ـ شخصية عاشت غربتها لتعود إلى أرض الوطن.إذ ومن خلال تدخلاتها الحوارية تتضح معاناتها النفسية الموزعة بين الحنين، الفقدان والرغبة في تحقيق الوجود الذاتي.

“..ها أنا أستعمل عبارات عتيقة ومبتدلة.رجل يبحث عن ذاته.يا لها من كلمة تبعث على السخرية:نبحث عن ذاتنا؟ هل نحن مقتنعون بأن لنا ذاتا؟”(ص/17)

بيد أن تحقيق الوجود الذاتي يصطدم بصخرة الماضي.وهذه تتبدى من خلال علاقتين:عمر وسونيا،ثم عمر وحليمة.وهما علاقتان ستنتهيان إلى التفكك.فإذا كانت الأولى صورة عن حاضر، فالثانية تجسيد لماض.وبذلك يتضاعف قلق الشخصية النفسي ويحتمى بالنسيان الذي يغدو آلية للتذكر والاسترجاع.

يقول عمر مخاطبا سونيا:”وداعا يا فتاة.لا تندمي على حلم لم يتحقق.ما حصل لنا أمر عارض يمحوه عن قرب النسيان.”(ص/16).

وأما حليمة فتواجه عمر بحدة:” لماذا رحلت ولماذا عدت؟”(ص/30).

على أن تمثل الماضي كزمن انتهى،أو كزمن يقتضي الإحياء وإعادة التشكيل من الداخل يتباين على مستوى وعي الشخصيات.إنه الذكرى أحيانا، والتذكر أخرى، وهو النسيان كما الحنين.بيد أن التفاوت هو اختلاف في درجة التعامل يقوله التقليد كما عبرت عنه شخصيات ك:حمود،عباس وحليمة.والنزوع إلى التغيير لتحقيق الطموح.وأما حلم التقدم فيعكسه عمر، سونيا وإيرين.والتقليد أيضا، صيغة تفكير لا يراد له الخلخلة:

” اعلم يا شيخ أنك ترتاب من الفن والفنانين،ارتيابا موروثا.تخل عنه لحظة، تصور ولو مرة أن في الأمر لغزا للحل،آية قابلة للتأويل.”(ص/66).

وأما التغيير فتكريس لمفهوم”القطيعة” كموضوعة نواة لهذا النص المسرحي الذي عمقه الدكتور عبد الله العروي بترجمات في الجنس ذاته.وكما في كتاباته الفكرية، وخاصة”الإيديولوجية العربية المعاصرة”(1996/صيغة جديدة).

يرد على لسان سونيا ما يلي:

” إلى حد الآن كنت تجعل من الماضي صنما يعبد، تعيد تشكيله في وجدانك ثم تتحداني كل مرة بما أبدعت.هل كان في مقدوري أن أهدم ما رسمت بعطف وعناية؟ أما وقد قبلت أن تنسلخ عما مضى وتنظر إليه كما أفعل أنا فالقسمة إذن بيننا عادلة.”(ص/52).

ويختصر الدكتور عبد الله العروي بنية”رجل الذكرى” في القول:”هذه مشاهد متناثرة نزعتها نزعا من ذهني لأضعها تحت نظري وأفحصها بعناية.”(ص/79).

على أن ما يمكن استنتاجه بصدد نص حاولنا الاجتهاد لفك ترميزاته، ما يلي:

1/إن نص”رجل الذكرى” يتأطر في جنس الكتابة المسرحية،ويحق القول بأنه الوحيد الذي ألفه الدكتور العروي في هذا السياق،سياق الموصوف.

2/ لقد جاءت بنية المعنى في هذه المسرحية ذهنية خالصة،وذلك أن العروي راهن من خلال”رجل الذكرى” الذي كتب أصلا باللغة الفرنسية وتحقق تعريبه،على إيصال أفكار مدارها الأساس مثلما سبق مفهوم”القطيعة”.وبذلك فإن:

أ ـ هذا النص بالذات،شكل نواة ما ثم تأليفه لاحقا.ومن ثم ضرورة إعادة نشره كاملا،إذا ما كانت غاية التلقي تشكيل تصور جامع عن المسار الفكري والإبداعي للدكتور عبد الله العروي.

ب ـ إن الصورة التي شكل النص بناء عليها، تطالعنا بالذات في رواية”أوراق”، وهي سيرة “إدريس”الذهنية.وذلك أن ما يتم تصريفه بالكتابة إبداعا يعد جزء من الفكري.إنه التكملة في سياق التوسيع كما التنوع.ومن ثم صعوبات تلقي المعنى في المنجز الإبداعي اللهم على مستوى اليوميات(يصدر جزؤها الرابع تحت عنوان:المغرب المستحب أو مغرب الأماني/2015).

3/ إن العلاقة التي تربط عمر بسونيا، هي ذاتها ما سيطالعنا في النص السردي الروائي الأول “الغربة”،حيث تجمع العلاقة بين إدريس و مارية، وهي الثابتة على امتداد الرباعية:

(الغربة،اليتيم،الفريق وأوراق). والواقع أن نموذج هذه العلاقة تجسد حداثة في الوعي

والتفكيروالموقف.إلا أنه وعلى النقيض، فإن شخصيات ك”حمود”،”عباس” و”حليمة”،صورة

عن الفقيه”شعيب” باعتباره نموذج وعي تقليدي محافظ يكرس الثابت ويناهض التغيير.

ويبقى القول بأنه وإذا كانت المفاهيم وليدة سوء الفهم الذي استنتجه الدكتور عبد الله العروي تأسيسا من مؤلفيه:”الإيديولوجية العربية المعاصرة”و”العرب والفكر التاريخي”،فإن إعادة نشر”رجل الذكرى”سيؤسس لنوعية من التلقي مغايرة، ومن منطلق كون هذا النص بالذات شكل على امتداد المسار الفكري للعروي،النواة الأساس لما تفرع لاحقا موضوعا و و وصفا، وهو ما يستلزم قراءته والاجتهاد في فك معانيه المستغلقة./.

ــــــــــــــــــ

°صدرت مسرحية رجل الذكرى عن”المركز الثقافي العربي”(2014).

°توضيح: نشر الدكتور عبد الله العروي نص”الغربة” في 1971 مجنسا تحت قصة. وفي طبعة ثانية صدرت كل من”الغربة واليتيم” تحت(روايتان). وأعاد العروي طبع”الغربة” في آخر طبعة لها(2000/المركز الثقافي العربي/بيروت/الدار البيضاء)،وفق التحديد الأول:

قصة، وأضاف لها مجموعة من الهوامش لتسهيل وظيفة القراءة. ولقد بنى العروي تحديده وفق المتداول أمريكيا باسم”نوفيل”:Novel

مشاركة