عبدالغني الدلي خطب بالجامع الكبير في جموع من أهالي سوق الشيوخ ليذكرهم بنبذ الطائفية والتمسك بالوحدة الوطنية

565

عبدالغني الدلي خطب بالجامع الكبير في جموع من أهالي سوق الشيوخ ليذكرهم بنبذ الطائفية والتمسك بالوحدة الوطنية
عشائر حجام وخفاجة والمنتفك وبني ركاب وبني خيكان وبني أسد وتميم وآل نجي قادوا ثورة 1935 في الناصرية
إبراهيم الولي
اختلف المؤرخون في تفسير موضوعي للثورة 1935 ، وأنا أخص منها هنا ما يتعلق بسوق
الشيوخ. هذه المدينة التي كان عدد سكانها يقدر بـ 25 ألفا تحيط بها، كما أسلفت، عشائر ربما يصل عدد أفرادها الى اكثر من ضعف اهل المدينة، أهمها حجام وخفاجة والمنتفك وبني ركاب وبني خيكان وبني أسد وتميم وآل نجي وأكثر. إحاطة هذا العدد الضخم من العشائر بالمدينة، إحاطة السوار بالمعصم، كان دائما مصدر قلق لسكان المدينة نظرا لما تعانيه هذه العشائر من فقر لإعتمادها على زراعة النخيل فقط وعدم رغبة الفلاحين في زراعة الخضراوت والفواكه التي كانت تستورد من كربلاء وبغداد وديالى.
إذن فقد كان الهدف الإقتصادي دافعا قوياً يحمل أفراد العشائر المحتاجين الى التطلع الى ما بأيدي أبناء المدينة من ثروات. فضلآ عن أن الهجرة من الريف الى المدن أصبحت ظاهرة عالمية migration Rural urban) .
اغتنم الشيوعيون العراقيون هذه الفرصة فبادروا الى تفسير هذه الثورة بحسب التفسير المادي للتاريخ بأنها صراع طبقات، كان هناك عدد لا بأس به ممن يحملون الفكر الشيوعي في لواء المنتفك حتى أن سكرتير الحزب الشيوعي العراقي ــ فهد، ــ كان موظفا فنياً في دائرة كهرباء الناصرية.
أما تفسيري الشخصي لأسباب قيام الثورة وتفسير السلوك العدواني المتطرف للثوار المتمثل بنهب وحرق أموال ومخازن المواطنين وقتل عدد من رجال الحكومة وتخريب المنشآت العامة كالمدارس والمستشفيات والسكة الحديد لقطار بغداد البصرة، وطريق السيارات البري الى الناصرية وغيرها. كل ذلك جرى بذريعة الوصول الى الأهداف السياسية . وقد تقدم شرح الجانب السياسي الذي تمثل بمطالبة جانب من العراقيين الشيعة بحقوق أكثر في الحياة السياسية والإقتصادية والأجتماعية في البلاد بالتنسيق بين بعض شيوخ العشائر مع المرجعية الشيعية في النجف.
هنا تحضرني نظرية نادى بها عالم إجتماع ألماني هو السيد كارل وتفوكل Karl Wittfogel الذي كان يعزو إستبداد ودكتاتورية الدول وتخلف وتطرف أفراد بعض المجتمعات البشرية الى Hydraulic Society كونها تعيش في مجتمعات مائية حيث المسطحات المائية تصلح للزراعة الواسعة مما يقتضي قيام حكم مركزي يمكنه من إدارة مثل هذه المشاريع الواسعة. فتتركز ثروات هائلة لدى هؤلاء الحكام بما يشجع على قيام حكومات أتوقراطية مستبدة في الحكم. وقد فسر هذا العالم وغيره،النظرية بأنها سبب الإستبداد الشرقي فلو طبقناا هذ الوصف Oriental Despotism منطقتنا، أي سوق الشيوخ وما حولها وإمتداداتها جنوبا، لوجدنا أن في هور الحمّار ومداخله ومخارجه خير وصف للمجتمع المائي. وإن كان الرجل قد تحدث عن حالات مماثلة لميزوبوتاميا العراق ودلتا مصر وفي جنوب شرق آسيا مثل كمبوديا وتايلاند والصين وغيرها. ولست بحاجة لأن أذكر بأن التاريخ غير البعيد يشيرنا الى أن مياه الخليج العربي كانت تمتد شمالا لتغطي منطقة أور التاريخية. وقد تراجع هذا الكم الهائل من المياه ليخلف وراءه تربة رسوبية ملحية في معظمها منخفضات شكلت مسطحات مائية ودلتا تصب في شط العرب، ولعل هور الحمّار إضافة الى هور الحويزة المجاور لإيران هما من أوسع المسطحات المائية في المنطقة. في رأيي المتواضع ان نظرية السيد وتفوغل، التي ترى أن الإستبداد الشرقي منشأه الطبيعة الجغرافية لمناطق دلتا الآنهاربما يسميها المجتمعات المائية، فهذه الظاهرة تفرز قيام حكم مركزي يمكٌن من التصرف بالثروات المتحققة وبما يؤل في نهاية المطاف الى حكم اتوقراطي دكتاتوري، ولقد رأت النظرية تطبيقات لها في دول شرقية عدة.. أما أنا فأرى إضافة المجتمعات النفطية الشرقية لتندرج تحت نفس التوصيف مار الذكر، فبلدان شرقية، ولا أحدد، تعيش فوق ما يشبه دلتا نفطية أفرزت ثروات هائلة مما إقتضى ضرورة قيام حكم مركزي لازم لإدارة هذه الثروة، وهنا يبرز القصور البشري الذي يوسوس في نفوس حكام المركز لينزلقوا دونما إبطاء نحو حكم دكتاتوري من شأنه إشاعة سلبية نفسية لدى مواطني تلك الدول النفطية بمثل ما كان حال المجتمعات المائية في دلتا الأنهار، وفي الحالتين فإن جوأ متوترأ ; سياسيأ و إجتماعيأ و إقتصاديأ، يكون في هذه الحالة قد رسا على تربة رخوة تغذي عدم الإستقرار وما يجرٌ الى نتائج لا ترجى.
ولنعد للحديث عن الثورة، لابد من القول بأن ما حدث في سنة 1935وما قبلها من إرهاصات إمتدت جذورها الى ما قبل قيام الدولة العراقية، حين كانت تظهر بين الحين والآخر حركة تمرد على السلطة الحاكمة بشكل أو بآخر. وقد تصاعد التمرد حتى بدا واضحا في الأعوام 1926 و 1931 الى أن تبلور في 1935 مستخدما السلاح والتدمير لأول مرة. وأرجو أن لا نخلط بين ثورة العشرين الوطنية التي كانت تعني جميع العراقيين، فلم يكن لها طابع ديني صبغ الثورة.
والثورات في التاريخ تكون لها إستراتيجية وتكتيك. فالأهداف الإستراتيجية للثورات هي إحداث تغيير في البنية السياسية أو الإجتماعية أو الإقتصادية في منطقة أو في بلد ما بعد اليأس من إحداث التغيير المطلوب بوسائل سلمية أخرى. والثورات عموما، كما يقرر علماء السياسة إنما يقف وراءها جانبان مستفيدان من قيامها. الأول طبقة حاكمة أو مستفيدة من نتائج الثورة، والثاني عامة شعب البلاد التي ينشد فيها التغيير.
ثوراتهم وثوراتنا
الثورة إنما تحدث على شكل إنفجار ينفس عن ضغط متزايد على شعب أو جماعة بشرية لا طاقة لهم في تحمله. والثورات ترينا عبر التاريخ أنماطا من هذا التغيير. ففي إنجلترا مثلا حدثت سنة 1640 و سنة 1650 ثورة قضت على نظام الملكية المطلقة في البلاد فأسست لحياة دستورية ولبرلمان. والثورة الأمريكية طردت المحتلين الإنجليز من أمريكا الشمالية وأسست الحكم الجمهوري في البلاد. وفي فرنسا أقامت ــ أم الثورات ــ كما تسمى، سنة 1789 جمهورية الحرية والمساواة والإخاء. كما أطاحت الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917 بحكم القياصرة، فأقامت نظاما إقتصاديا وسياسيا جديدا، هو النظام الشيوعي الذي ألهم الصين في ثورتها سنة 1949. وتوالت الثورات على المسرح العالمي فوقعت في مصر سنة 1952 وبعدها في العراق سنة 1958 وكوبا سنة 1959 وفيتنام سنة 1972 ونيكاراغوا سنة 1979 وهكذا. ولعل ما يجري الآن في الوطن العربي من ثورات على النظم السياسية القائمة بما أطلق عليه الربيع العربي، مثال على فشل ألنظم السياسية الحاكمة في الإستجابة للمطالب المادية والثقافية لشعوبها بما يراكم ضغطا نفسيا مآله اللجوء الى الإحتجاج السلمي أو العنيف لتحقيق التوازن في الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية.
فإذا ما أخذنا بهذه المعايير لتوصيف ثورة 1935 فلست أرى فيها غير هدف واحد رسمه القائمون بها لتحقيقه وهو المطالبة بعدالة أكبر لفئة من أبناءها في تسيير أمور البلاد.
ذلك عن ستراتيجية الثورة، أي تحقيق الهدف النهائي من الحركة. أما التكتيك وأقصد به السلوك الآني للثوار ووسائل تحقيق فاعلية الثورة على الأرض، فقلمّا خلا ذلك السلوك من نهج عدواني منفلت حين تتحكم إنفعالات آنية غير منضبطة في سلوك الثوار بما يتراوح بين العنف المطلق المدمر الذي غالبا ما يتسبب في ضياع الرؤية الواضحة للثورة، وبين سلوك منهجي مسؤول مردَه الى قيادة حكيمة تلجم الإنفعال الزائد كي لا يضيع الهدف من التغيير.
أود الإشارة الى أنني إستعنت بالمراجع التالية في كتابة هذا الفصل
1 Key Concepts in Politics (Andrew Heywood)
2ــ شيعة العراق The Shi’is of Iraq ( Yitzhak Nakash)
3ــ تاريخ الوزارات العراقية ــ عبدالرزاق الحسني
4 Oriental Despotisim (K. Wittfogel)
5- (Hydraulic Civilisation)
6ــ قراءة في بعض مؤلفات الأستاذ الدكتور على الوردي
7ــ تأريخ مدينة سوق الشيوخ ــ عبدالكريم محمد علي
الوزارات العراقية من 20»3»1933 الى 23»2»1935 وهي الفترة التي تغطي أحداث الكتاب.
الوزارة رقم 16 برئاسة رشيد عالي الكيلاني 20»3»1933
نوري السعيد ــ الخارجية
حكمت سليمان ــ الداخلية
ياسين الهاشمي ــ المالية
محمد زكي ــ العدل
جلال بابان ــ الدفاع
رستم حيدر ــ إقتصاد مواصلات
سيد عبدالمهدي ــ المعارف
الوزارة رقم 17 الثانية برئاسة رشيد عالي الكيلاني 9»9» 1933
نوري السعيدالخارجية
حكمت سليمان الداخلية
ياسين الهاشمي ــ المالية
محمد زكي ــ العدل
جلال بابان ــ الدفاع
رستم حيدر ــ إقتصاد مواصلات
سيد عبدالمهدي ــ المعارف
يلاحظ أن الوزارة رقم 16 قد إستقالت بسبب وفاة الملك فيصل الأول في برن ـ سويسرة ليلة 8»9»1933 فأعقبه الملك غازي على العرش. مما إقتضى بحسب الدستور العراقي أن تقدم إستقالتها، وقد أعيد تأليفها كما مبين أعلاه.
الوزارة رقم 18 برئاسة جميل المدفعي 9»11»1933
ناجي شوكت ــ الداخلية
نصرت الفارس ــ المالية
نوري السعيد الخارجية الدفاع
جمال بابان ــ العدل
رستم حيدر ــ الإقتصاد المواصلات
محمد صالح جبر ــ التربية
الوزارة رقم 19 برئاسة جميل المدفعي الثانية 21»2»1934
جميل المدفعي ــ الخارجية إستقال وخلفه توفيق السويدي 18»7»1934
ناجي شوكت ــ المالية
جمال بابان ــ العدل
رشيد الخوجة ــ الدفاع
عباس مهدي ــ الإقتصاد المواصلات
جلال بابان ــ التربية
الوزارة رقم 20 برئاسة علي جودت الأيوبي رئيس الديوان الملكي ووزير داخلية وكالة
27»8»1934 الى 23»2»1935
نوري السعيد الخارجية
يوسف غنيمة ــ المالية
جمال بابان ــ العدل
جميل المدفعي ــ الدفاع
أرشد العمري ــ إقتصاد مواصلات
عبدالحسين الجلبي ــ التربية
لعل من المناسب والمفيد في سياق تأليف الوزارات العراقية أن أثبت هنا تشكيل أول وزارة عند تأسيس الدولة العراقية 2»11»1920
رئيس الوزراء سيد عبدالرحمن النقيب
جعفر العسكري ــ الدفاع
سيد مصطفى الآلوسي ــ العدل
عزت كركوكي ــ أشغال عامة
عبداللطيف المنديل ــ التجارة
محمد على فاضل ــ الأوقاف
سيد محمد الطبطبائي ــ التربية
وزراء دولة
عبدالرحمن الحيدري
عبدالجبار الخياط
فخر الدين الجميل
عبدالمجيد الشاوي
شيخ عجيل السمرمد
عبدالغني كبة
شيخ سالم الخيون
أحمد ساني
شيخ ضاري السعدون
نجم البدراوي
شيخ محمد الصيهود
وعندما توج الملك فيصل الأول ملكا على العراق أعيد تشكيل الوزارة ذاتها في 20»9»1921. تلتها وزارة النقيب الثالثة في 30»9»1922 لغاية 17»11»1922. فجاءت بعدها الوزارة السعدونية الأولى من 18»11»1922 الى 15»11» 1923.
شخصيات لا تنسى
حقا إن الباري عز وجل يهب بعض خلقه تميزا على غيرهم. فتجدهم يبرزون على مسرح الحياة بأعمال تنفع الناس فيتركون بصمتهم الواضحة على محيطهم بما يدل على الإبداع وصفاء البصيرة. هؤلاء المميزون بين المتميزين، كما يرمز لهذا باللاتينية primus inter pares. إنما نذكرهم ونسأل الله الرحمة على من توفاه منهم، وبالدعاء بطول العمر لمن على قيد الحياة منهم.
وفي نظري، هنا بعض الشخصيات التي لا تنسى، والتي تركت أثرا واضحا عليَ وعلى الآخرين في سوق الشيوخ في حينه ـ
1 أول هؤلاء هو السيد عبدالغني الدلٌي، أبو حازم. هذا الرجل المفكٌر الذي درس الإقتصاد في بريطانيا في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي. وتقلد فيما بعد بكفاءة مناصب مهمة في الدولة..فكان سفيرا ووزيرا. وما جعلني أعده شخصية لاتنسى، الى جانب إعجابي به، كان موقف له شهدته وأنا بعد صبي، حين وقف، عند عودته من بريطانيا، يخطب في الجامع الكبير في جموع من أهالي سوق الشيوخ ليذكرّهم ويلحّ بنبذ الطائفية والتمسك بالوحدة و بالوطنية. كان ذلك موقف يصعب قبوله بين أهالي مدينة غارقة في الطائفية متحمسة لإذكائها ما أمكن. فكان الرجل في موقفه هذا وطنيآ حكيما وشجاعا. وحياة الرجال مواقف تحسب لهم أو عليهم، فهاكم مفكر سبق زمانه وشخصية لا تنسى أطال الله في عمره مع تحيتي و إحترامي له.
2 ــ السيد محمد داوود، شاب من أهل الموصل جاءنا معلما للرياضة في المدرسة الإبتدائية. كان يعلمنا معنى القومية ويشعرنا بأننا جزء من وطن عربي كبير يجب أن نفخر به. فما كان من هذا الرجل ذو البصيرة إلا أن طلب منا في الصف الثالث والرابع أن نسجل أسماءنا فردا فردا، بادئا بي سائلا من أنت؟ قلت ابراهيم علي حسين الولي. ثم سأل تلميذا آخر من أنت؟ فأجابه قفل إبن طبكه فقال له ما هذا… بل أنت قمر بن بدر هذه أسماء رمزية تجنبا للأسماء الحقيقية التي كانت قريبة من هذه المدلولات . وهكذا كان، فقد أبدل هذا المربي الفاضل جميع الأسماء ذات المعاني التي قد تثير السخرية فتسبب لحاملها عقدة نفسية ومركب نقص في المستقبل. لهذا أمر ونفّذ بتغيير أسماء بعض التلاميذ بل ولبعض ذويهم تأسيّا بالرسول الكريم محمد صلعم حين أمر بتغيير أسماء بعض الصحابة التي كانوا يحملونها قبل ظهور الإسلام. فقد أبدل على سبيل المثال لا الحصر، إسم الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف من عبدالكعبة الى إسمه الجديد. والعديد من الأسماء الأخرى التي حملت صفات العداء والخشونة وأحيانا أسماء الأصنام، وكان ذلك في غاية الحكمة التي عرف بها قائد الأمة عليه الصلاة والسلام فقد كان يغير الإسم القبيح. وقد قلد السيد محمد داوود في هذا ما قام به رسولنا العظيم قبل 1359 عاما. أفلا يستحق هذا المربي الفاضل أن يصنف بأنه شخصية لا تنسى
/6/2012 Issue 4230 – Date 20 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4230 التاريخ 20»6»2012
AZP07