عبدالحليم مهودر : ظل إستثنائي – جبار النجدي

470

عبدالحليم مهودر : ظل إستثنائي – جبار النجدي

سحرية القص وعجائبه

يسرد القاص والروائي عبدالحليم مهودر في مجموعته (ظل استثنائي ) عبر براعة تميزه في اللغة والارتقاء بما هو أسمى من الحدث والشخصيات والبطل وبذلك يتغلب على محدودية السرد القصصي في حالة من انضباط الذات الملامسة للظواهر الخارقة عبر خيال ملئ بالحيوية والمذاق الفنتازي إذ لاوجود لنقاط استدلال بينه وبين اي سارد آخر وذلك يثير ضربا من الأعجاب في سروده فثمة خلط بين الأعجاب والأدانة الموصولة بعدم اليقين في قصصه ذلك إن الأنسان يهم بمشاطرة صفات المدينة بالفرد باشتراطات صارمة فيما تصبح القوى الخارقة جزءا من حياتها اليومية وبأسلوب متصاعد الأهمية في القص وتقنياته غير المعتادة الموصولة بمعرفياته العجائبية التي تتقن التفريق بين وجودين لمدينة واحدة هذه التقنية تظهر بأنها أشد اقترابا من تقنيات المونولوج الداخلي وتداعي الأفكار وترك النص يمضي قدما في تجلياته المدهشة غير ان الانقسام في الفرد هو صدى الانقسام في المدينة فثمة بناء تخييلي ورؤية مزدوجة للاشياء فبعض القصص تتكشف بنهاية السطر فيها :

اجراس ساعات

(أجراس ساعات هذه البوابة لم تدق بعد دقاتها المعتادة فقد استبدلتها بابواق البواخر التي صمتت هي الأخرى

لذا حملت أوراقي وسافرت ، فهي لم تنطق بكلمة واحدة حتى الآن ، لكنني أحس صمتها) (قصة عشرة أبواب ) إن

ذلك يمنح الكثير من الرضا للقارئ وهو ينهي قراءة القصص المفرطة في السحر والخيال فيغور السارد في الفجوات الزمنية حتى يصل إلى الأشياء التي باتت مختلفة بشكل غير طبيعي ومنطوقة بلغة تتسم بالثراء. يستخدم القاص عبدالحليم مهودر لغة مختصرة ومنضبطة يتخللها ضرب من اللازمات الشعبية ومشاهد قد لايفهمها سوى (سائق باص خشب على طريق بصرة أبي الخصيب ) وبهذا يذهب إلى أبعد مدى في اعترافاته الشخصية التي تشوبها احاسيس بالخوف والارتياب لكنها أكثر تماسا مع المشاهد القصصية التي تعرض عنها اعين الناس فهو لا يرى المدينة بصورة مثالية فأغلب قصصه تتحدث عن مفهوم المدينة الزائلة وبضمير الغائب ويرى صورته قد تداخلت تداخلا شديدا مع صورة مدينته التي يموت أكثر سكانها من العار ويطرح النص تعبيرا مثيرا للحيرة يشكل انعكاسا حادا في المسار السردي للقصص حيث تبدو المرئيات تعلوها مسحة من الشفقة والحزن ومن ثم تتغير الشخصيات من تلقاء نفسها ولكن ما من علاقة بين شخصيات القصة التي تكشف عن نفسها بسهولة فأنها تكتسب القسوة والحنان في الآن ذاته مستثمرة القرائن النوعية للمكان فالاشياء لا تصنع الشخصيات على غرار واحد إنها تخرج عن هيمنة الفكرة الواحدة لذا تبوح الشخصيات عن المعاني المرتبطة بالاستعمال معولة على نواعت وصفات الملموس وتنوع المعنى للكلمة الواحدة وهذا دليل بلا شك على قدرة اختراق ثوابت القص لذا نرى إن الجملة السردية تمتلك عدد من الافتراضات والتضمينات الدلالية :

تذكر المستقبل

(سينعكس الزمن ويسير بعكس الآن نستطيع تذكر المستقبل بدلا من تذكر الماضي الزمن الوصفي انتهى والرقم واحد زاد حالة الفوضى في الكون )(قصة الاكتفاء )

وتتخذ تعبيرية الأمكنة في السرد وهوية المكان فارقا لها يسمح لها التحديق بمسيرة التاريخ وتسعى لتكون لصيقة بالحياة التي تجعلها تظهر بصيغة أسطورة نتطلع لها لتؤمن رؤية مالانراه منتجة اثر مكاني غرائبي :

(بين يدي سر لا احتمل كلماته هذا السر يسير أمامي مغلقا ولا اجد الطريق السري الذي يؤدي إلى كشفه بعيدا عن اللغط والجدل العقيم منذ زمن طويل صخور منتمية الى عالم النور الضبابي إلى عالم الظلمة المبهم،من المتن الى الهامش) قصة البرزخ. هكذا تبدو قصص القاص عبدالحليم مهودر متسمة بالواقعية العجائبية السحرية وتتميز بخصائص الإمتاع ولذته.

مشاركة