

حاورتها : ضحى عبدالرؤوف المل
هي كاتبة وباحثة لبنانيّة، حاملة دكتوراه في اللغة الفرنسيّة وآدابها، وعالمها المهني هو عالم اللغة الفرنسيّة وثقافتها، غير أنّ كتاباتها وأبحاثها وانشغالاتها الفكريّة، تمحورت حول الثقافة العربيّة، لغةً ومجالًا للبحث، واتخذت من بعض الإشكاليّات الثقافيّة المطروحة على الساحة الثقافيّة العربيّة موضوعًا لها. وتصنّف مؤلفاتها من خانة النّقد السوسيولوجي، غير أنّه لا يوجد تباعد حقيقي بين حقل اختصاصها وبين الحقول المعرفيّة التي اشتغلت عليها كما تقول، كونها وظّفت مناهج تحليل النصوص السيميائيّة الألسنيّة، في تفكيك النصوص والظواهر التي عالجتها. فالمنهج السيميائي، يتناول لغة النّص كنظام إشاري دال من خلال الظواهر الإجتماعيّة والثقافيّة الملابسة له، ويعدّ هذا المنهج من أبرز معالم التجديد النقدي في تحليل النصوص والكشف عن المعنى، فهو يعين الناقد على فك رموز النص وشفراته، انطلاقًا من العلاقة الجدليّة بين الدّال والمدلول، بين المضمر والظاهر والمكشوف، بين الحضور والغياب، بين المُقال واللامُقال.
فالسيمائيّة، أو علم العلامات، يدرس الإشارات أو العلامات وفق نظام منهجي، يبرز ويحدّد العلامة اللّغويّة، في النص وفي الحياة الإجتماعيّة، ويرتكز إلى دراسة حياة المدلولات، داخل الحياة الإجتماعيّة، وعلتها وكينونتها، ومجمل القوانين التي تحكمها.
وتقول عن هذا ” أنا استثمرت في هذه المنهجيّة في كتب ثلاث صدرت لي، ففي كتابي الأول “رمزيّة الحجاب، مفاهيم ودلالات” تعاملت مع الحجاب كعلامة تدل على ظواهر عديدة أخرى تتخطاها، وتتخطى علاقتها بالمقدس، وفي كتابي “اليسار الماهيّة والدور” الصادر عن دار الفارابي، استبرت دلالات مصطلحي “اليسار” و “اليمين” من خلال استعمالاتهما ومدلولاتهما المغيبّة. وفي كتابي الأخير “دروس شهرزاد” الصادر هو الآخر عن “مركز دراسات الوحدة العربية” أنا استنطقت العلامات الظاهرة والفراغات والغيابات لإعادة بناء شخصيّة شهرزاد على أسس جديدة، وبناءً على فرضيات جديدة.
وفعلت، إلى حد ما الشيء ذاته مع كتابي “القاضي والنّقاب”، الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، فأنا في هذا الكتاب، ومن خلال النصوص المتوفرة، أعدت بناء شخصيّة والد الرائدة النسويّة “نظيرة زين الدين”، من خلال الملابسات الإجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة التي احتدمت في عصره. أما كتابي الحواري مع “نوال السعداوي،” وعنوانه “نوال السعداوي وعايدة الجوهري، في حوار حول الذكورة والأنوثة والدين والإبداع” الصادر هو الآخر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، فهو حوار فكري تناول طروحات نوال السعداوي الفكريّة والإجتماعيّة بروح نقديةّ جدليّة، واستدعى بذلك منهجيّة مختلفة. إنّ الأسئلة والفرضيات والموضوعات هي التي تستدعي هذه المنهجية أو تلك، وعلى العموم إفادتي المنهج السيميائي الألسني في سيرتي التأليفي.” ومع الباحثة والكاتبة عايدة الجوهري أجريت هذا اللقاء
– ما هو مصدر الإلهام الرئيس في حياتك؟
أنا أقرُّ أنّ نشأتي في محيط يساري ساهم في إيقاظ وعي الإجتماعي والسياسي والنسوي، وهذا الأخير تبلور مع اطلاعي على الفلسفة النسويّة، ورائداتها، بدءًا من سيمون دوبوفوار، وغيرها من رائدات غربيّات وصولًا إلى نوال السعداوي.
– – كيف تسردين حكايتك مع الكتابة؟
بشكل مفارق تعود حكايتي مع الكتابة إلىى فترة إقامتي في باريس للدراسة، حينها تفجرت لديّ الرغبة في التعرف عن كثب إلى ثقافتي العربيّة، كوني خريجة مدارس فرنسيّة، والرغبة في الكتابة في العربيّة في آن كوجهان لعملة واحدة، هو رد فعل هوياتي، فخلافًا للشائع، يحضك الإحتكاك بثقافةٍ أخرى مغايرة لثقافتك، على العودة إلى ثقافتك، دون الإنغلاق عليها والإختباء ورائها، بل للنظر إليها، بعيون ناقدة، وإعادة إكتشافها.
أعتقد أنّ رجوعي إلى ثقافتي، ووجودي بين ثقافتين، هو من حفّزني على الكتابة، وباللغة العربيّة. ربما كل التناقضات، الفكريّة والإجتماعيّة، التي كنت أحياها، خلال إقامتي في باريس، هي التي حفّزتني، فرحت أكتب وأراسل الصحف العربيّة، الصادرة في لندن وباريس، وكرت السبحة إلى أن تفرّغت لتأليف الكتب، فكانت باكورة أعمالي “رمزيّة الحجاب مفاهيم ودلالات” تلته الكتب الأربعة التي ذكرتها سابقًا، وحاليًا تجري طباعة كتابي السادس وعنوانه “في كراهيّة النساء”.
– حدثينا عن الديمقراطيّة والتعدديّة وتقبّل الآخر والمواطنة وقضيّة حقوق المرأة في العالم العربي.
أعتقد أنّ بوسعنا الرّد على هذه الإشكاليّات الحاضرة بقوة في مجتمعاتنا العربيّة، بمطلب واحد أحد هو مبدأ المواطنة، فالمواطنة التي لم تتشكل بعد كهدف رئيسي ونهائي للنخب التغييريّة، تكاد تختصر بالنسبة لي كل التطلعات التغييريّة، فالتأسيس لدولة المواطنة، القائمة في الغرب منذ قرون، يستدعي الإنقلاب على الكثير من المفاهيم المشوهة والمضللة السائدة والتي تكرس الواقع الإستبدادي، كما أنه يستدعي ويساهم في خلق ثقافة سياسيّة واجتماعيّة جديدة، بديلة.
على العموم واكب مفهوم المواطنة نظرة جديدة إلى كينونة الإنسان، وعلاقته بالكون والموجودات والكائنات، فهو لم يعد ممثلًا لعصبيّة دينيّة أو قوميّة، أو إثنيّة، أو قبليّة، بل كائنًا حرًا قائمًا بذاته، يأنف استعماله كوسيلة لغاية تتخطاه، والمعتقدات والطقوس والعادات لم تعد المحدّد الأول للشخصيّة البشريّة المركبة، لتطرح الذات الحرّة مركزًا للحياة العامة.
كما واكب انبعاث مفهوم “المواطنة” شيوع مقولة تنويريّة جوهريّة تقول بوحدة الطبيعة البشريّة، ووحدة خواصها الأساسيّة، وباشتراك البشر في التفكير العقلاني والحس السليم والموهبة، وبالتالي بالحق الفطري في الحريّة والكرامة، ولكن هذه الفكرة التي تبدو بديهيّة للعارفين والمدركين، لم تعرفها البشريّة دفعة واحدة، ويعود ميلادها الأول إلى بلاد الإغريق، إلى ما قبل الميلاد، إلى نظريّات الرواقيين، والوحدانيين، وإلى أفكار سقراط وأرسطو وغيرهم، وميلادها الثاني إلى عصر التنوير، ابتداءً من رينيه ديكارت.

كان لهذه النظرة إلى الإنسان فضل التأسيس للديمقراطية، فكل البشر متساوون بالفطرة، وفي الأصل، وذوي كرامة غير قابلة للإنتهاك، وبصفتهم كذلك يحق لهم المشاركة في إدارة حياتهم العامة والشخصيّة،كما كان لهذه الرؤية فضل التأسيس للتعدديّة الحزبيّة السياسيّة لا التعدديّة العرقيّة أو الطائفيّة، أو القوميّة.كما أنّ هذه النظرة إلى الإنسان هي التي كانت وراء فلسفة حقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة، بعد أن كان الرجل هو المرجعيّة الأولى، والمثال الأول لكل الإجتهادات الفكريّة والسياسيّة والإنجازات الإجتماعيّة.
وبالتالي، نستنتج أنّ التأسيس لمبدأ المواطنة، الآيل، حتمًا وجبرًا، إلى الديمقراطيّة، وإلى التعدديّة السياسيّة، وقبول الآخر، وإلى الأخذ بشرعة حقوق الإنسان وبكل الإتفاقات الدوليّة التي تضمن حقوق الأنسان المدنيّة والسياسيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة، يستلزم التأسيس لفكر جديد، ولثقافة عامة بديلة، غير أننا كشعوب غارقة في وحول الإستبداد والتمييز والقهر، لا نستطيع انتظار شيوع هذا الفكر كي نطالب بدولة المواطنة، بل نحن مجبرون على انتهاج الطريق السريع المعاكس، لنشر مفهوم المواطنية والترويج له، وإشاعة الفكر التنويري في آن.
هي مهمة مزدوجة، تبدو مضنية، ولكنها لا تبدو لي على هذه الصورة، لأنّ منطق المواطنة مقنع للناس الذين يملكون الحد الأدنى من المععرفة والحس السليم.
وما نسميه “حقوق المرأة” لا يخرج عن هذا الجدل، فجل ما تبتغيه المرأة المعاصرة هو أن تعامل كمواطنة، تتمتع بذات الحقوق والواجبات مثلها مثل سائر المواطنين الذكور، ما يجعلنا نرى من قضية المرأة قضية سياسيّة بالدرجة الأولى.
– وهل رجال الدين سبب تخلفنا؟
أوافقك جزئيًا على هذا الإفتراض، لأني أربط بين الأنظمة السياسيّة الإستبداديّة والفاشلة والفاسدة، وبين ازدهار دور رجال الدين، فالأنظمة الإستبداديّة والفاشلة والفاسدة، في حاجة، رغم غطرستها، إلى اكتساب مشروعيّة ما، وهذه المشروعيّة توفرها بيسر المؤسسة الدينيّة ورجالها، فهي تتلاعب بعقول ووجدان الناس وتبتكر لهم حقوقًا غيبيّة افتراضية بديلة عن الحقوق المتوجبة لهم، وواجبات علوية بديلة عن الواجبات الأرضيّة، ويتحول المواطن الإفتراضي إلى كائن غيبي، منفصل عن الواقع التاريخي الموضوعي، فلا تعدو الحياة الدنيويّة أن تكون بالنسبة له سوى جسر عبور، آني. هنا تكمن خطورة الدور السياسي الذي يلعبه رجال الدين. إلى جانب تأثيرهم الجوهري على نظرة المتدينين إلى أنفسهم وإلى الوجود والمجتمع، حيث يواظب هؤلاء في فتاويهم وتصريحاتهم، وعظاتهم، في إثارة قضايا ثانويّة، هامشيّة، أحيانًا مضحكة، تكون الغاية منها اثبات الحضور والتمادي في التسلط وفي التدخل في حيوات الناس الشخصيّة.
– حدثينا عن علاقتك بالراحلة نوال السعداوي
إنّ كتابي ” نوال السعداوي وعايدة الجوهري في حوار حول الذكورة والأنوثة والدين والإبداع” كان محطة مثيرة في حياتي ككاتبة، إذ جاء مشروع الكتاب المشترك تلبيةً لرغبتي الجامحة في محاورة نوال السعداوي ومجادلتها ومعرفتها عن كثب.
بدايةً، أنا من اللواتي لا يتنكرن للأثر العميق الذي تركته نوال السعداوي في عقولهنّ ووجدانهنّ، للصدمة الإيجابية التي تحدثها خلافًا للواتي يخفن لسع جرأتها، وجسارتها في التوغل في المناطق العصيّة على التفكير والعلانيّة والمجاهرة، فما بالك بالمناقشة والتحليل والنقد، وخلافًا كذلك للواتي يحرصن على صورتهن التسوويّة، المهادنة.
قرأتها في عمر مبكر، اختلست كتبها من مكتبة العائلة، عززت فيّ روح التمرد، بلورتها وسوغتها. ثمّة حبل سريّ، غير مرئي، يشدك مدى العمر، إلى الذي يدربك على التمرد على أسس معرفيّة عقليّة، فمن حريّة العقل تتناسل سائر الحريات، علّ هذا الحبل السري، هو فرح التمرد الذي يزرعه فينا، المتمردون في التاريخ البشري.
في المحصلة، توغلت نوال السعداوي في أدغال اللّامباح والمحطور، والمسكوت عنه، وفكرت في ما لا يفكر فيه، واضعةً نصوصها الجريئة، ومواقفها على تماس مع ثالوث المحرمات العربيّ: الدين والسياسة والجنسانيّة، أفضل استعمال مصطلح “جنسانيّة” لأنّ دلالته أشد تركيبًا وشموليّة من الأول المعهود. توغلت في هذه المناطق المحرمة دون تردد أو وجل، لأنها تفترض ضمنًا، كما نفترض نحن أيضّا، إنّ من يملك أفكارًا تغيريّة لا يجرؤ على الإفصاح عنها، خوفًا من ردود الأفعال السلبيّة، يسهم في ديمومة الأمر الواقع، ولا يتميّز بشيء عن أولئك الممتثلين لهذا المواقع، أو المتواطئين معه.
حان الوقت، كي أنتقل إلى كتابنا المشترك، ” نوال السعداوي وعايدة الجوهري في حوار حول الذكورة والأنوثة والدين والإبداع”، سواء كانت فكرة الكتاب مختلفة أم لا، جديدة أم لا، هي ولدت ذات ليلة صيف لبنانيّة، من رحم أحاديث ثنائيّة، وجدناها جديرة بالتوثيق، فاتخذنا قرار استئنافها، بين بيروت والقاهرة، وتحويلها إلى كتاب حواري.
كانت الغاية الأولى من حواراتنا هي التفكير معًا والتساؤل معًا، في قضايا وإشكاليات لا تزال على قيد النقاش والأخذ والرّد، والحيرة، فوظائف الحوار لا تقتصر على حل النزاعات، فكنا نتفق في أغلب الأحيان، على توصيف المشاكل والإشكاليات التي …. مسيرة المرأة العربيّة، كما كنا نختلف في أحيان أخرى على نوعيّة المقاربات والحلول.
وشئنا أن تكون حواراتنا منظمة، ممنهجة، غير مبعثرة، دون المسّ، بطلاقتها، وتلقائيتها، وشفافيتها، فأدرجناها تحت عناوين شكلت مفاصل أساسيّة في مشروع نوال السعداوي التغييري النهوضي، وأعني مفاعيم الذكورة والأنوثة، وما تمليه من أدوار وخصال جنسانيّة جندريّة مخصوصة، وعلاقة هذه المفاهيم والأدوار بالإيديولوجيّة والدين والإبداع.
هكذا تشكل كتابنا المشترك، الذي أنجز بشغف كبير، هو شغف الأسئلة، التي يفترض ألاّ تستكين.



















