عام 2019 .. رؤية إستشرافية للمنطقة العربية

العراق أنموذجاً

عام 2019 .. رؤية إستشرافية للمنطقة العربية

ياس خضير البياتي

منذ زمن طويل، ونحن نؤكد لأصحاب القرار العربي، ضرورة ان يكون لدينا مراكز للبحوث المستقبلية تصنع لنا استراتيجية لفهم المستقبل ومتغيراته واستشراف المستقبل، وتحليل مؤشراته التي تؤدي دوراً محورياً في صياغة السياسات والاستراتيجيات على المستويين الإقليمي والدولي، واضعة أمام معدّي السياسات معطيات دقيقة يمكن الاعتماد عليها لصياغة أطر عمل ناجعة تتفهم المعطيات السياسية والاقتصادية الراهنة، وتنطلق منها لبناء استراتيجيات مستقبلية تحقق الأهداف المطلوبة منها.بل اننا اليوم احوج الى الأجيال الجديدة من المستشرفين القادرين على قراءة التحولات في المنطقة، والمساهمة في رسم سياسات واستراتيجيات لمواجهة التحديات المستقبلية، و تسهيل عملية استشراف التحديات والفرص الإقليمية المستقبلية .

فهل بالإمكان اليوم ان نتنبأ بمستقبل المنطقة العربية عام 2019 في ضوء علم المستقبليات؟ ام ان الامر لا يعدوا تنجيما في الغيب، لأن المتغيرات الدولية أصبحت سريعة و(مزاجية) في ضوء سياقات ما يحدث من غرائب سياسية تبدو وكأنها طلاسم صعبة الفهم والتحليل؟

خمسة أحداث مهمة ربما تؤدي إلى إعادة تشكيل مستقبل العالم العربي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً في العقود المقبلة، وهي أزمة الإسلام السياسي، وصعود وانهيار (داعش)، وظاهرة الفساد، وصفقة القرن، والصراعات الدولية، والصراع الأمريكي الإيراني.

فترة انتقالية متقلبة

بدءاً يمكن وصف المرحلة الحالية التي تمرّ بها المنطقة العربية بأنها (فترة انتقالية متقلبَّة)، والعديد من العوامل الداخلية والخارجية تعمل على إعادة تشكيل العالم العربي، وقد لا يتم استيعاب بعضها بشكل كامل حتى الآن. ومع ذلك، فقد احتلت خمسة أحداث مركز الصدارة في السنوات الخمس الماضية، وهي تؤثر الآن بقوة في السياسة والمجتمعات العربية، ومن المرجح أن تستمر في هذا التأثير. لأن هذه الأحداث الرئيسة تصدّرت تفاعلاتها وتأثيراتها المشهد العربي، على مدى السنوات الخمس الماضية، وانعكست تداعياتها على الساحة العالمية، مما يترتب عليها عوامل عدة تعمل بوضوح، وعلى نحو رئيس، على صياغة المشهد السياسي والاستراتيجي للعالم العربي.

ومن الواضح أن الأوضاع الداخلية لكل قُطر عربي تختلف في ظروفها وتحدياتها عن القطر الآخر، ومن الواضح، كذلك، أننا، في ظل المتغيرات الراهنة والمحتملة، لا نتوقع سياسةً إقليمية موحدة، أو فاعلة. ويتوقف التنبؤ، أو التوجيه، للمتغيرات الإقليمية الاقتصادية والأمنية، ومستقبل الصراعات الإقليمية والدولية على الحالة السياسية التي ستسفر عنها المتغيرات الراهنة، داخل كل قطر، ثم على المستوى العربي العام والإقليمي.

ولنعترف بأن الحالة العربية حالة متحركة مفتوحة على احتمالات عديدة، وهي فتحت الجُرحَ على تناقضاتٍ اجتماعيةً عميقة تغلَّبتْ عليها في البداية المطالبُ المعيشية، والقواسمُ المشتركة من المطالبة بالكرامة والحرية في الممارسة السياسية والثقافية، وإذا لم تنجح تلك المجتمعات الداخلة في التغيير، في الاهتداء إلى القواسم المشتركة، والتوصل إلى آليات للتعايش مع الفروقات الفكرية والطائفية والدينية والقومية فإن تلك الفروق ستتنبه، وقد تفضي، مع الصراع على المصالح، إلى الانقسام إلى كيانات فدرالية كما يحدث في بعض الأقطار العربية ومنها العراق .

وعلى الرغم من ادراكنا لما تتعرض له الأنظمة العربية من ضغوط خارجية ، وعلى الرغم أيضا مما وصلت اليه تلك الأنظمة من دور متناقض مع ما تدعو اليه ،وما كانت تعتبر نفسها انها تمثله من أدوار في مواجهة تلك الضغوط ، الا انه لا بد من التأكيد أيضا بان الأوضاع الداخلية للأنظمة العربية هي من تقرر اتجاهاتها، فإما الاتجاه نحو الصدام مع الضغوط الخارجية على قاعدة التحالف ما بين النظام وما بين القوى السياسية والاجتماعية داخل الدولة ،واما الاندفاع نحو اطار التبعية والوصاية عليها على قاعدة حماية النظام من تلك التحالفات الداخلية ،وما قد يطرأ عليها أيضا من مهددات خارجية ،وهذا ما أصبحت تعيشه وللأسف معظم الدول العربية في ظل ما يستجد من تناقضات كتلك التي طرأت مع بداية ما اصطلح على تعريفه ب(ثورات الربيع العربي) .

هناك أسئلة كثيرة تتبادر الى الذهن عند تقديم دراسة استشرافية حول مستقبل العرب ليس فقط نتيجة انعكاسات الواقع العربي وما تعيشه دول الجوار من احداث وازمات، وانما نتيجة معالم التوجهات الامريكية في المنطقة على ضوء ما جاء في خطاب ترامب حول الاستراتيجيات الامنية والسياسية للولايات المتحدة الامريكية أيضا.

ان فكرة التقسيم والتجزئة للمنطقة العربية بشكل عام ،والشرق اوسطية بشكل خاص ،هي فكرة أمريكية بامتياز من اجل إدخال العرب  في فوضى دموية تستطيع  هي واسرائيل من خلالها تحقيق ما تصبو اليه من مخططات وهيمنة على العالم العربي ، فكانت الشراكة على قاعدة الإصلاح  السياسي بما يضمن حقوق الانسان، ومن ثم مشروع  الشرق الأوسط الكبير هي القواعد التي انطلقت من خلالها قصد اثارة المشاكل الطائفية والمذهبية  والسياسية لانتهاز حالة الضعف العربي والعمل على تكريس خارطة جديدة لمنطقة الشرق الأوسط ،وبما تتوافق مع اهداف الاستعمار على غرار اتفاقية سايكس بيكو.

التحدي الأول: الإسلام السياسي

أن أزمة الإسلام السياسي، وطبيعة الجماعات الإسلامية ودورها، ستكون ركيزة أساسية في تشكيل معالم الثقافة السياسية العربية السائدة في العقود المقبلة، وسيبقى الدين المُسيَّس والسياسات المنحرفة دينيّاً قوة أيديولوجية قوية ومتنقلة بين المجتمعات العربية، مقابل تصاعد مقبول للوطنية والوعي الاجتماعي الشامل كقيم مهيمنة على المجتمعات العربية. وعلى الرغم من أن تنظيم (داعش) قد هُزم بساحة المعركة في العراق وسوريا، فإن النضال ضد حركات التطرف والعنف قد تحوّل الآن إلى مستوى أعمق، ويجب التعامل الآن مع التحدي المتمثل في القضاء على الإرهاب بوصفه تهديداً كبيراً على مستوى أكثر جوهريةً، وذلك بمعالجة الأسباب الجذرية للتعصب وهزيمة التطرف العنيف، والقضاء على قدرته على استدراج الشباب المحرومين أو الحاقدين أو المستضعفين. وعلينا ان نتوقع ان الذي أنشأ (داعش) كتنظيم منظم، وزرع فكره في عقل الشباب، لن يتخلى عن مخططاته في المنطقة، بأعاده (داعش) بلون آخر، وصورة رقمية جديدة، مادامت التربة العربية رخوة بسبب القمع والبطالة والطائفية، ومصالح الدول الاقليمية.

بالمقابل هناك تنامي كبير وصعود للأحزاب الدينية الطائفية التي تمتلك أذرع قوية من المليشيات، في الكثير من المجتمعات العربية، وهي قوى فاعلة وصاعدة من غير الدول نفسها أحيانا، وكثير منها تعمل على تقويض سيادة الدولة، وتعطيل أو اغتصاب السلطة الوطنية التابعة حقاً للحكومات المركزية، وهذا من شأنه العمل على تآكل الدولة في العالم العربي ويعزز فشلها، كما يعمل على تأجيج الطائفية بين الطوائف العربية المختلفة.

علينا الاعتراف انه لا يوجد، قطعياً أي مثال لأي حزب إسلامي لم يسعَ -عند اعتلائه السلطة-إلى إقامة دكتاتورية دينية أو حكومة أو مجتمع بقيادة متطرفة، دون عواقب وخيمة كما حدث في تجربة الاخوان في مصر. لذلك، هناك كل الأسباب للاستمرار في الرفض القاطع لتسييس الإسلام ولأسلمة السياسة في العالم العربي.                         التحدي الثاني: ظاهرة الفساد

الفساد في الدول العربية لم يعد ظاهرة عابرة وإنما أصبح مرضاً مزمناً وآفة مستحكمة تعمقت في معظم مفاصل الدولة والمجتمع، وأحياناً ما يكون برعاية متنفذين في بعض الأجهزة الحكومية وخارجها، وذلك لعدة أسباب أهمها تزايد الثروة بشكل مفاجئ بعد اكتشاف النفط وغياب الرقابة على آلية الصرف المالي.

ما يشغل بال المواطن العربي كل يوم، ليس وجود قدر ما من الفساد في المعاملات اليومية، بل حجم الفساد واتساع دائرته وتشابك حلقاته وترابط آلياته بدرجة لم يسبق لها مثيل من قبل، مما يهدد مسيرة التنمية ومستقبل المجتمعات العربية في الصميم. وترتبط ظاهرة الفساد بشكل مباشر بنظام الحكم، فالبيئة المثلى للفساد هي الأنظمة غير الديمقراطية التي تفتقر إلى مقومات الحكم الرشيد من شفافية ومشاركة فعلية ومساءلة وسيادة الحكم القانون. ومن أبرز سمات أنظمة الحكم في معظم الدول العربية غياب المشاركة الشعبية في الحكم والهوة السحيقة بين الحاكم والمحكوم.

 وللفساد أنواع عديدة منها الاداري والمالي والاقتصادي والاخلاقي وحتى القضائي، وله أيضا العديد من الأثار منها الاقتصادية والاجتماعية والسياسـية والامنيـة وغيرها، وهـو غالبا ما ينتج بسبب استغـلال المنصب أو الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب شخصية على حساب المصالـح العامـة.

أن جوهر القضية إننا إذا تأملنا في ظاهرة الفساد في العالم العربي فإننا نجد شواهد عديدة ومتلاحقة تجسد أزمة في الشفافية والنزاهة ومنها على سبيل المثال: تزايد حالات الفساد المالي التي يتم الكشف عنها من حين لآخر في البنوك وقطاع الشركات وتزايد حالات وحجم غسيل الأموال داخل حدود الدولة وخارجها والغش في مواصفات الجودة للعديد من السلع المطروحة في الأسواق وما تتناقله الصحف والدوريات العربية والأجنبية من شبهات الفساد في خصخصة بعض المشروعات العامة ذات الإنتاجية والربحية العالية وغيرها. يضاف إلى ذلك أن مؤشرات الفساد الاقتصادي والاجتماعي المدرك في دول الوطن العربي تعتبر الأعلى في العالم وفقاً لتقارير منظمة الشفافية العالمية كما تعتبر من جانب آخر معدلات النمو فيها من أدنى معدلات النمو في الدول النامية.

 لقد أدّى الفساد في كثير من مواقع النشاط الاقتصادي وفي العديد من الدول إلى تشويه التنمية الاقتصادية، عبر التخصيص غير الأمثل للموارد وكذا الإنفاق العام، حيث أصبح يمثل المعوق الرئيسي لأي محاولة تدفع باتجاه إرساء أسس الدولة، فهو بهذا الفعل التخريبي العام يجعل الدولة مقيدة بالشكل الذي يمكن أصحاب النفوذ الوصول إلى جميع أجهزة الدولة باستعمال كافة الطرق، فهو بهذا  الفعل أيضا يؤسس جمهوريته النافذة إلى مختلف مؤسسات الدولة، بدءا من الحكومة إلى المؤسسة التشريعية والعدالة، عن طريق إرساء أسس العمل الموازي للأنشطة الاقتصادية، والعمل غير الشرعي في كافة النواحي من أجل تقويض المستهدفات الأساسية للدولة، وهو ما يجري اليوم في العديد من البلدان (ومنها العراق).

ويؤدي الفساد على الصعيد الاقتصادي إلى: – إعاقة النمو الاقتصادي، مما يقوض كل مستهدفات التنمية طويلة او قصيرة الأجل، واهدار موارد الدولة أو على الأقل تقدير سوء استغلالها بما يعدم الفائدة المرجوة من الاستغلال الأمثل، وهروب الاستثمارات الوطنية والأجنبية لغياب حوافزها، و الإخلال بالعدالة التوزيعية للدخول والموارد واضعاف الفعالية الاقتصادية وازدياد الهوة بين الفئات الغنية والفقيرة،  وتفاقم عجز الموازنة، من خلال إضعاف الإيرادات العامة للدولة نتيجة التهرب من دفع الرسوم والجمركة والضرائب، باستخدام وسائل الحيلة والالتفاف على القوانين النافذة، والتأثير السلبي لسوء الإنفاق العام لموارد الدولة عن طريق اهدارها في المشاريع الكبرى بما يحرم قطاعات هامة مثل الصحة والتعليم والخدمات من الاستفادة من هذه الموارد، و تدني كفاءة الاستثمارات العامة واضعاف مستوى الجودة في البنى التحتية العامة بفعل الرشاوى التي تدفع للتغاضي عن المواصفات القياسية المطلوبة، وتشويه الأسواق وسوء التخصيص في الموارد، من خلال تخفيض قدرة الحكومة على فرض الرقابة ونظم التفتيش لتصحيح فشل الأسواق، مما يفقد الحكومة سيطرتها الرقابية على البنوك والتجارة اما  الفساد على الصعيد الاجتماعي فأنه يؤدي إلى: انهيار النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الكراهية بين طبقات وفئات المجتمع نتيجة عدم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، و التأثير المباشر وغير المباشر لتداعيات الفساد الاقتصادية والسياسية على استقرار الأوضاع الأمنية والسلم الاجتماعي.

التحدي الثالث: الصراعات الدولية في المنطقة

بدءاً لابد من الاعتراف بأن تنافس القوى العالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، على مناطق النفوذ الحيوي في العالم، وعوامل وفرص تقدُّم وصعود دول جديدة في موازين القوة الناعمة والاقتصادية والسياسية، تؤثر بشكل عام على المنطقة العربية واتجاهاتها السياسية والاقتصادية، وكذلك على المتغيرات الدولية الأخرى كصفقة القرن رسمياً في 2019 والتهديدات الامريكية للانسحاب من حلف الناتو، وأجواء العلاقات الثنائية الأميركية ـ الروسية، وصعود القومية في أوروبا، ومــناطق الصراع المحتملة في 2019 وتوجهات اليمين الأوروبي، والأهم الصراع الأمريكي الإيراني.

أن العوامل الجيوسياسية لا تزال الاعتبار الأقوى في تحديد مسارات الأحداث العالمية؛ بمعنى أن العوامل المجردة، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو حتى التطورات التقنية وما تفرضه من معطيات وبيئة جديدة مختلفة، لا تزال بعيدة عن توجيه مسار الأحداث العالمية وحدها. من هنا، فإن استشرافات المستقبل هي بالقدر نفسه استشراف لعقل القوة الأميركية، واستطلاع لأولوياتها، وجسّ لتوجهاتها، وتوقع لخياراتها ومواقفها، وخاصة على المنطقة العربية.

وبطبيعة الحال، فإن هذه المتغيرات الاستراتيجية، الكبرى والحرجة، لا ترسم فقط ملامح العام الجديد وأبرز مساراته، والتوجهات التي سيشهدها، ولكنها أيضاً ستحدد هوية اللاعبين الكبار، الذين لن يكونوا فقط عناوين لأحداث منتهية في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية التلفزيونية، ولكن كذلك أطرافاً في النزاعات ومختلف الصراعات، وعمليات التفاوض والمباحثات، التي ستحدد نوع التسويات التي تعدل على الخطط والطموحات، وبالتالي، شكل التعديلات المرتقبة على النظام الدولي.

ومن جهة أخرى، لم تعد الدول العظمى لوحدها اللاعب الرئيس في العلاقات الدولية، بل هناك لاعبون آخرون، وأهمها، الكتل والأقاليم التي باتت ضرورة من أجل أن تتمكن الدول المنضوية تحتها من مواصلة التنمية، في ظل أواصر قوية، تدعم خططها، وتسهل عليها تنمية تجارتها وصناعتها وقطاعاتها الأخرى، كما تلعب الأقاليم والكتل، دوراً هاماً في بناء علاقات الثقة مع الكتل والأقاليم الأخرى.

ويحتل الملف الإيراني أولوية خاصة في أحداث المنطقة، سواء تلك التي وقعت في العام المنصرم، أم تلك المنتظرة في العام الجديد، باعتبار أن هذا الملف يتشابك مع مجموعة ليست قليلة من الملفات في المنطقة. منها ما هو موضع اهتمام أميركي، ومنها ما هو موضع اهتمام القوى الإقليمية في المنطقة نفسها.

كان الحدث الأساسي في العام المنصرم هو انسحاب الولايات المتحدة، القوة العالمية الفاعلة الأولى من الاتفاق النووي الإيراني، الموقع بين مجموعة (الخمس زائد واحد) في عام 2015 وحيث إن إيران لن تلجأ للعودة إلى المفاوضات مجدداً، إلا في حالة وجود ضغوط داخلية، ولا سيما الضغوط الاقتصادية، وفي هذه الحالة، فإنها ستعود من خلال وسيط، يرجح أن تؤدي روسيا دوره.

وهناك عاملان أساسيان سيكونان الأساس في تشكيل السياسة الخارجية الأميركية وهما العلاقة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة والتوقعات المرتبطة بالقمة المرتقبة العام المقبل بين الرئيسين، والأمر الثاني هو تصاعد الأزمة بين أميركا وإيران في ظل الانسحاب من الاتفاق النووي، حيث إن إيران لن تلجأ للعودة إلى المفاوضات مجدداً إلا في حالة وجود ضغوط داخلية ولا سيما الضغوط الاقتصادية، وفي هذه الحالة فإنها ستعود من خلال وسيط والذي يرجح أن تلعب روسيا دور هذا الوسيط في العودة إلى المفاوضات.

أن فعالية العقوبات الأميركية ستعتمد في نهاية المطاف على استجابة الأطراف الدولية لها، سواء الحكومات أو الشركات، ومن المتوقع أن تستجيب الشركات الأوروبية للعقوبات تجنباً للخسائر المحتملة حال عدم استجابتها، في حين قد تستمر بعض الشركات الآسيوية في أعمالها مع إيران أو حتى تتوسع فيها، إلا إذا قررت الإدارة الأميركية الضغط على الحكومات الآسيوية باستخدام ملفات ثنائية أخرى.

إن التدخلات الإيرانية تفاقمت، لا سيما في السنوات الخمس الماضية، وليس هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنه سيتم التخلي عن هذه الاستراتيجية أو ستصبح أقل تأثيراً، ما لم تعانِ إيران من بعض النكسات الاستراتيجية الخطرة، وبينما يبدو أن العديد من الصراعات التي تزعزع الاستقرار في العالم العربي قد بدأت تهدأ، إلا أن بعضها -مثل الحرب في سوريا-يبدو كأنه يجري وفقاً لشروط إيرانية إلى حد بعيد، وقد أظهرت طهران أن لديها القدرة والاستعداد لصنع الأزمات عند الضرورة.لكننا علينا ان نفهم أيضا ان إن الخطوة الأميركية في الانسحاب من سوريا، على الأقل قياساً على ما ظهر منها، هي انسحاب عسكري أميركي من الميدان السوري، ولا يعني ذلك انسحاباً من الموضوع السوري، فنفوذ الولايات المتحدة الدولي، وعضويتها القيادية في مجلس الأمن تبقيها ممسكة بذراع تأثير هامة.

وينبغي الاعتراف بأن تردي الأوضاع الاقتصادية في إيران ، وما يسببه من اندلاع الاحتجاجات الشعبية في المدن الإيرانية تنديداً بالارتفاع الحاد في التضخم وزيادة البطالة والفقر والفساد،و تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية، وإلغاء الشركات الأجنبية عقود استثمار جديدة بعشرات المليارات من الدولارات خاصة في قطاع الطاقة، والذي يحتاج إلى ما بين 130 إلى 300 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة للحفاظ على إنتاجيته حتى عام 2020.وكذلك تراجع الاستثمار وتراجع النمو، وارتفاع معدلات البطالة في إيران خاصة بين الشباب الذين لا يجد ثلثهم تقريباً فرص عمل، سوف يؤدي الى الضغط ،ليس على ايران فقط ،وانما على المنطقة العربية ، حيث ستحاول ايران نقل ازماتها الى المنطقة ،وبالذات الى العراق ،بهدف التقليل من ازماتها السياسية والاقتصادية ،من خلال المزيد من التحكم على الدول التي تساند سياستها ،وامتصاص قدراتها المالية بطرق عديدة ،وتحت واجهات وممارسات مختلفة ،للالتفاف على العقوبات.

كما تواجه المنطقة العربية أيضا، خطراً حقيقياً من تأزم الوضع وتصاعد التوتر بين لبنان وإسرائيل في الوقت الحالي الذي يمكن أن يخلق أزمة جديدة في المنطقة تعمق من المشكلات الحالية. وكذلك الصراعات الدولية والاقليمية في سوريا التي قد قد تصل الى حرب جديدة في المنطقة.

اما المفاوضات الأميركية لإيجاد ما يسمى بـ(صفقة القرن) بين إسرائيل وفلسطين ، فأنها ازمة جديدة قد تضاف الى الازمات الجديدة في المنطقة .لذلك لا يمكن للدول العربية وقادتها إقناع الفلسطينيين بقبول الصفقة إلا أن تشتمل على وجود دولة فلسطينية وأن تكون القدس العاصمة، وما يقوم به الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو الضغط على الجانب الفلسطيني، من خلال وقف الدعم المالي وإغلاق مقرات السلطة الفلسطينية في الولايات المتحدة وإجراءات أخرى، معتقداً أنه سيضغط من خلال ذلك على الفلسطينيين للعودة إلى طاولة المفاوضات.

أن تواصل العديد من الأصوات البارزة في العالم العربي لتأكيد الحاجة إلى توجهات سياسية تؤكد الوعي الاجتماعي والوطني، بحيث يتم تغليبه على تجييش المشاعر الدينية والطائفية. وتُظهر بعض دول الخليج، بما فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، إمكانية وجود مجتمع عربي متعدد الأديان ومتنوع ثقافياً وعرقياً ومتسامح دينياً واجتماعياً، فضلاً عن كونه فاعلاً ومزدهراً إلى أبعد الحدود.

استشراف العراق لعام 2019

ستستمر الأحزاب الدينية في لعب أدوار مؤثرة على المدى المتوسط والتي شكلت تكتلا قويا بسبب قوتها المادية وتحالفاتها مع دول الإقليم، رغم ما اعترضها من تفتيت محدود شكلا، لكن وجودها مرتبط بمصالح الدول الكبرى والإقليمية التي لا تريد ان ينتهي دورها الا بعد مخطط التقسيم بالرؤية الامريكية، والسيطرة الكاملة للحفاظ على الامن الايراني بالرؤية الإيرانية. ومن يتحدث خارج هذه الرؤية فأنه متأثر (بحدوتات) الاعلام الأمريكي والغربي، واساليبه في خلط الأوراق والخداع. وكما قلت في أكثر من مرة علينا ان نقرأ الاعلام بالمقلوب لمعرفة الحقيقة.

  إلا أن ثمة خطر أيضاً من هذه الأحزاب، حيث للكثير منها تاريخ طويل من العنف الطائفي والهجمات الإرهابية، قد تصبح حرَّةً في ممارسة صلاحيات الدولة وسلطتها إما إلى جانب الحكومة الفعلية أو بدلاً منها.

وما يقال عن انتهاء (داعش)، فهي نظرية سياسية واهمة وجاهلة في معرفة ما يخطط للعراق، وسيكون عام 2019 عاما المفاجآت لنشاطاته، وسيبقى ورقة لكل القوى بدون استثناء للتحكم بمسارات العملية السياسية، للضغط والابتزاز والقتل على الهوية والفساد وتمرير المخططات الشيطانية. صحيح ان الجميع يرحب تقريباً بسقوط تنظيم (داعش)، لكن ثمة سبب وجيه للتخوف من أنه على الرغم من أن هذه المعركة قد حسمت، فإن الحرب الأوسع ضدّ التطرف لا تزال مستمرة، وهي صراع شاق.

أن داعش خسرت دولتها المزعومة، لكن لم يتم إقصاؤها أو حتى إلحاق الهزيمة بها كتنظيم، وخاصة كفكرة. ولا تزال تعمل ليس فقط في سوريا والعراق، بل في ليبيا واليمن وسيناء وأنحاء أخرى كثيرة في العالم العربي، حيث تحتدم الصراعات ولا تسري الأوامر الحكومية.لذلك يتعين تعزيز المعركة على الأرض من خلال حشد جهود كبيرة لمواجهة المنظومات العقائدية التي تغذي الإرهاب، فالأيديولوجية (الجهادية) لا تزال قوية بمختلف أشكالها المتكررة.

اما التحدي الأكبر للعراق، فهي ظاهرة الفساد، التي اصبحت ثقافة سياسية ومجتمعية، فهي أخطر من الارهاب، رسخه الاحتلال لأهداف استراتيجية بهدف تدمير العراق اقتصاديا، وتفكيك الحياة المجتمعية وافسادها. فضلا ً عن إن كبار المسؤولين يهربون من العقاب بسبب قوانين تسهل لهم الهروب خارج البلاد أو الاحتماء بالحصانة البرلمانية. وبسبب ثقافة الاحتلال وافرازاته، لدرجة بات تجاوز الموظف المختص في الدولة حدود وظيفته ومخالفته للقوانين والأنظمة المعمول بها أمرا ً مألوفا ً. ووصل الأمر بالتجاوز على القيم والأخلاق السائدة في المجتمع من أجل الحصول على مكاسب مادية غير مشروعة امراً عادياً.

وحسب الأرقام الدولية، فأن العراق يصنف على مؤشر الفساد الصادر عن مؤسسة الشفافية العالمية، ضمن الدول الخمس الأكثر فسادا في الشرق الأوسط إلى جانب ليبيا والسودان واليمن وسورية.

وحسب رأي رحيم العكيلي رئيس هيئة النزاهة الأسبق فأن أن العراق لم يطور إيه آليات او معايير لقياس تكلفة الفساد في العراق، مع الحديث عن 1000 مليار دخلت الدولة العراقية منذ عام 2003 ولحد الآن، ولم يستفد منها المواطن بأبسط الخدمات من كهرباء وصحة  .كما ان  الفساد يلحق خسائر بالدولة العراقية اكبر من الخسائر الناجمة عن سرقة الموازنة لان هناك فساد يتعلق بسرقة الثروات دون دخولها الموازنة، وهناك سرقات تتعلق بأصول الدولة من مشاريع الدولة الزراعية والصناعية والتلاعب بها جميعاً، و من الصعب ان يتم تحديد رقم محدد لحجم الفساد في العراق، لكني استطيع ان اقول انه رقم فلكي.

ويبدو أن أكبر ملفات الفساد في العراق لازالت خافية عن الحقيقة لان الدولة العراقية تعمل بسرية تامة، وإذا انقلب النظام السياسي واستطاع النظام القادم كشف ملفات الفساد سنجد ان الملفات التي كشفت لحد الآن هي صغيرة جداً.

وتشير المعلومات الرسمية بأن الحديث عن اختفاء 1000 مليار في الدولة العراقية، يعني ذلك رشاوى وعمولات وعقود كبرى، وحوالي 6000 عقد وهمي في العراق بقيمة 227 مليار، وهذا الرقم فلكي وصالح لموازنات دول.

يشار هنا إلى أن مؤشر الفساد يعتمد في قياسيه على بعض السلوكيات المرتبطة بالفساد كالرشوة واختلاس المال العام، واستغلال السلطة لمصالح شخصية، والمحسوبية في الخدمة المدنية.كما تقيس بعض البيانات الآليات الموضوعة لمكافحة الفساد مثل آليات محاسبة المسؤولين الفاسدين وقدرة الحكومة على تطبيق آليات تعزز النزاهة، ووجود قوانين كافية حول الإفصاح المالي ومنع تضارب المصالح.

وينبغي الاعتراف بأن الأحزاب العراقية ساهمت في فشل العملية السياسية، وتصعيد الأزمات لأهداف مصلحيّة وانتهازية دون أن تقرأ خصوصيات الحاضر وآفاق المستقبل ومخاطره على الوطن. فهذه الأحزاب التي جاءت بمشروع (الطائفية) و(القومية) قبل الوطن، استثمرت النوازع القومية والدينية البدائية لدى الشعب، لتؤسس خنادق حصينة للمواطن تبشر بثقافة جديدة هي ثقافة الولاء الطائفي والقومي والعرقي، وهذا ما تجسد في ممارسة عدد كبير من السياسيين الذين أوجدوا أحزابا شيعية وسنية وكردية ومسيحية وتركمانية، فاتجه المواطن إلى التخندق إلى طائفته أو دينه أو قوميته، مؤدياً إلى تعميق فكرة التعصب، وإشعال فتيل الحرب السياسية الطائفية.

وبدون شك فإن هذه الأحزاب تفتقر إلى الرؤية السياسية المستقبلية، ومشروعها كما يبدو هو امتلاك الحاضر بأي ثمن على حساب مستقبل العراق ووحدته، وتقديم مصالحها الذاتية وأجنداتها السياسية على مصالح العراق الوطنية، بدليل استثمارها لنوازع الشعب الدينية والطائفية، وعدم التركيز على برامجها السياسية التي تتجه إلى العموميات، ولا تقدم حلولاً علمية واقعية للمشكلات العراقية، فلا تزال برامج الأحزاب الدينية تتأطر بالنمط التقليدي، وتدغدغ غرائز الناس طائفياً لإنماء روح التعصب لتعميق النزاعات الطائفية والقومية، وجعلها في أعلى مستوياتها، وإحداث شرخ كبير في النسيج الاجتماعي والسياسي.

ومن الغرابة أن تدعو هذه الأحزاب إلى الديمقراطية وتداول السلطة، وهي نفسها تمارس الديكتاتورية بين أعضائها، ومازال الكثير من رؤساء الأحزاب العراقية يحكمون أحزابهم منذ نصف قرن. فإذا كانت هذه الأحزاب تكرس مفهوم الفرد الواحد والقائد الواحد وتشيع ثقافة الولاء الطائفي أو القومي أو الديني بين أعضائها، فإنه لا يمكن للعراق أن يكون جديداً كما نريده، إلا إذا أشاعت هذه الأحزاب الديمقراطية داخل كياناتها، بعدها يحق لها أن تمارس سلطتها في الدولة العراقيّة أو في البرلمان العراقي.

باختصار شديد، وبلغة الاستشراف والوقائع على الأرض، فأن عام 2019 سيكون عام الازمات القوية بين الأحزاب، والمزيد من التشطير السياسي الذي سينعكس على حكومة عادل عبد المهدي الذي لن يكتب لها النجاح، ولن تحقق أهدافها المعلنة لتوفير الازدهار للمواطن العراقي، بل ان المؤشرات السياسية والمالية والاقتصادية تؤكد بأن الحالة العراقية، بوضعها الحالي، كنظام وعملية سياسية مشلولة ،ستخلق المزيد من الازمات الاقتصادية والخدمية ،مع بقاء الفساد كثقافة في المنظومة السياسية .بل سيتأثر العراق بقوة بالصراع الأمريكي الإيراني ،وبمجمل العقوبات التي وضعتها الولايات المتحدة الامريكية على ايران .

ومن المؤكد ان الحكومة العراقية الجديدة ستكافح لتحقيق التوازن بين التأثيرات الخارجية المتنافسة، بما في ذلك إيران. غير أن الضغوط الداخلية تفاقمت خلال العام المنصرم إلى درجة كبيرة، وباتت في بعض المراحل تشكل عاملاً محلياً فاعلاً، يضاهي في تأثيره النفوذ الخارجي.

بل إن الضغط الشعبي الداخلي في العراق تجاوز الخطوط الحمر المحلية في الأشهر الماضية، وسجل احتجاجات صاخبة ضد النفوذ الإيراني المتغلغل في البلاد. ويتوقع أن تتصاعد مفاعيل العامل الداخلي في العراق خلال العام الجديد.

إن أسعار النفط ما زالت هي المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي والإصلاحات الاقتصادية في العراق، ولذلك فإن من الصعوبة التوقع تقدير محدد لأسعار النفط في السنوات المقبلة، مما تعني زيادة حالة عدم اليقين، وتأثر الاقتصاد العراقي بتقلبات أسعار النفط. والأخطر ان تتعرض المنطقة الى أزمات اقتصادية، وحروب متوقعة، مما يعني موت (الدولة العراقية).

على الصعيد العالمي فأنني أتوقع حدوث ركود اقتصادي خلال عامي 2019 و 2020 نتيجة ثلاثة عوامل، هي وضع سوق النفط العالمي، وإمكانية حدوث أزمة مالية عالمية شبيهة بما حدث في 2008 وكذا الحرب الاقتصادية الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وهذا سيؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد العالمي في عام 2019. مما سينعكس على العراق بشكل قوي ومؤثر. كما اشم رائحة حرب قادمة تأخذ مدياتها في المنطقة بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا، وقضية إنفاق حزب الله في لبنان، وعودة نشاط (داعش) الإرهابي من جديد، وكلها مؤشرات تعمق فكرة الصراع وليس تهدئة المنطقة.

وأخيرا علينا ان نقول الحقيقة المرة بأن الجمهور العراقي، وضمن هذه اللعبة السياسية، لا يمكنه التغيير الا بشكل محدود مادامت مداركه الفكرية والباطنية تحن الى الماضي بكل دمويته وتعصبه وتخلفه. ومادامت ثوراته وانتفاضاته رد فعل للجوع والبطالة والخدمات دون ان يكون عامل الوعي السياسي حاضرا وعميقا في تفكيره وممارساته.

  { أكاديمي واعلامي

مشاركة