أجراس الذاكرة
عامر عبدالله.. وجريدة الثورة 42 – عكاب سالم الطاهر
في تموز/ 1973، ابرمت (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية)، بين: حزب البعث والحزب الشيوعي. وكان ابرامها خاتمة جهود حثيثة ونقاشات ومفاوضات بين الحزبين. ومنذ عام 1971، طرح البعثيون ما اسموه (ميثاق العمل الوطني) كبرنامج مقترح للجبهة المزمع اقامتها. وحوله دارت مناقشات وحوارات علنية في اجهزة الاعلام المختلفة.
أمر بالغ الصعوبة
كان هدف اقامة الجبهة الوطنية، أمراً بالغ الصعوبة، نظراً للشكوك المتبادلة، وحالة الاحتراب في الماضي. وربما اعتقد الكثيرون من داخل الحزبين ومن خارجهما، ان هذا الهدف بعيد المنال ان لم يكن مستحيلا. لكن الاوضاع الداخلية (الساحة الوطنية) اولاً، والساحة الاقليمية والقومية ثانياً، والدولية ثالثاً تضغط باتجاه ابرام ميثاق جبهوي، نواته: البعث والشيوعيين. وهكذا اعلن عن قيام (الجبهة الوطنية والقومية التقدمية) في (17/ تموز/ 1973).
لكن هذه النتيجة، لم تكن لتحصل، بدون جهود مضنية، بعضها علني، والاخر لم يعلن عنه (بقي تحت الطاولة كما يقول الاخوة اللبنانيون). فقد سمى البعثيون مفاوضاً عنهم، هو: طارق عزيز رئيس تحرير جريدة الثورة، فيما تولى التفاوض عن الشيوعيين عامر عبد الله.
البراغماتية
الشخصيتان تتصفان بالمرونة، ويجيدان فن التفاوض. وعن طارق عزيز كتب الباحث حميد المطبعي في الجزء الثالث من موسوعة (اعلام العراق في القرن العشرين) مايلي: (مفاوض من طراز عال، مجادل، متحدث. يمتاز باسلوب سهل وقوي الحجة، وبارع في التحليل. وهو متألق على رواية كتاب الصحافة، مقنع حليم على رواية القوى السياسية).
وعن عامر عبدالله، كتب الدكتور عبد الحسين شعبان، في كتابه الذي صدر مؤخراً تحت عنوان (المثقف وفقه الازمة) يقول: (استعانت به ادارة الحزب بعد مجيئ حزب البعث الى السلطة، خصوصاً بعد المؤتمر الثاني عام 1970، والحاجة اليه ليكون احد وجوه الحزب الشيوعي في المفاوضات. وخلال فترة الجبهة ارتفع رصيد عامر عبد الله واختفت كل عيوبه. ولكن منذ ان انفض التحالف اواخر عام 1978، بدأت عملية تقليم اظافره واطيح به). هذان المصدران يوضحان السمة (التوفيقية- البراغماتية) لكل من عامر عبد الله وطارق عزيز.
عامر عبدالله وجريدة الثورة
وبحكم اللقاءات العديدة بينهما (بين عزيز وعبدالله)، ولأن مبنى جريدة الثورة يضم مكتب عمل طارق عزيز، فان عامر عبدالله كان يتردد على هذا المبنى بشكل متكرر، خاصة مساءً، اذ ان عامر عبدالله يعمل صباحاً وزيراً للدولة. كنا نشاهده في الدخول للمبنى وفي مغادرته له.
العامل الطباعي
ويبدو ان دائرة الثقة بين طارق عزيز وعامر عبدالله، قد اتسعت. ولكن لابد من التفريق بين (الاوهام) والوقائع. وفي الحديث عن (الاوهام والوقائع)، اروي المعلومة التالية: منذ تأسيسها في آب/ 1968، ضمت جريدة الثورة عدداً كبيراً من المستقلين والشيوعيين والقوميين.، وكان التغلغل الشيوعي واسعاً بين عمال مطبعة الجريدة لكن الادارة (البعثية) للجريدة عامة ولمطبعتها خاصة، تعاملت مع هذا الوضع بمنطق الاضطرار، والحاجة من جهة، على ان تهيئ كادرها باسلوب (الاستقدام والاحلال) من جهة اخرى. تقبل الادارة العناصر العمالية اليسارية كأفراد، لكنها ترفض بشكل قاطع وجود تنظيم حزبي اخر في الجريدة، وخاصة في المطبعة.
ورصد أمن الجريدة نشاطاً تنظيمياً يسارياً لعامل في المطبعة. تم استدعاء العامل. وطرحت أمامه ثلاثة حلول: ان يتوقف عن النشاط الحزبي داخل الجريدة، او يحدد جهة خارج الجريدة لينقل اليها او ان تقوم ادارة الجريدة بنقله الى خارج الجريدة حسبما تراه.
انكر العامل معلومات أمن الجريدة، ورفض اجراءات النقل. هنا رفعت ادارة مطبعة الجريدة الموضوع الى رئيس التحرير، طارق عزيز. بداية تريث رئيس تحرير جريدة الثورة باتخاذ اجراء بحق العامل اليساري، ولكن الى حين.
هنا دخل عامر عبدالله على الخط. ولانه خلط بين (الوهم) والوقائع العيانية، فقد اتصل هاتفياً برئيس تحرير جريدة الثورة، وتدخل لصالح العامل اليساري. وهكذا تراجع الشك في تصرفات هذا العامل، وحل محله (اليقين). اذ لا يعقل ان يتدخل سياسي يساري كبير في امر قد يبدو صغيراً، لو لم يكن هذا العامل على صلة تنظيمية متقدمة بحزب اخر.
وعلى اثر ذلك تسلم العامل امر النقل الى دار طباعية حكومية غير مطبعة جريدة الثورة. وطوي الملف..



















