عامر عبدالله كان مرشحاً ليكون أبرز مفكري الحركة الشيوعية العربية

338

عامر عبدالله كان مرشحاً ليكون أبرز مفكري الحركة الشيوعية العربية
شعبان فهد لم يخرج عن النمط الداعي إلى المركزية الملتصقة ضمنياً بالديمقراطية
حوار يوسف محسن مع الدكتور عبدالحسين شعبان
إجابات فهد على الرفيق مقدام قد اعتمدت على لينين لاسيما أطروحاته حول الحركة العمالية العالمية وإحدى المسائل الأساسية في الثورة، وبأي شيء نبدأ؟ وكتابات ستالين مسائل اللينينية وفي سبيل تكوين حزب بولشفي، وبعض الكراسات الخاصة بالمدرسة الحزبية كادحي الشرق كما يذكر د. كاظم حبيب ود. زهدي الداووي في مؤلفيهما المشترك فهد والحركة الوطنية في العراق ويمكن إضافة خبرته وتجربته العملية في ذلك.
الديمقراطية هاجس برجوازي
عد فهد الديمقراطية و القومية هاجساً برجوازياً؟
ولا يخرج فهد عن النمط السائد الداعي إلى المركزية الملتصقة صمغياً بها اسم الديمقراطية وخضوع الهيئات الدنيا للهيئات العليا والأقلية للأكثرية والتنفيذ اللاشرطي للقرارات نفّذ ثم ناقش وهي قواعد عمومية تصلح لحالات الطوارئ وليس لحالات حزب في ظروف اعتيادية، حتى وإن كانت ظروف العمل السري.
وكان فهد يطلب من رفاقه إطاعته من خلال ما ينقله عن ستالين الزعيم المحبوب و المطاع و المحنك و المحترم وذلك حين يقول وأصبح ما يقوله قائدهم الأكبر ستالين، وما يأمر به، واجباً مقدساً وأمراً مطاعاً ليس فقط من قبل أعضاء الحزب والطبقة البروليتارية السوفييتية والشعوب السوفييتية، بل من البروليتاريا العالمية والشعوب، كما جاء في كراسه حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية .
لقد أراد فهد أن ينشأ حزباً شيوعياً بمواصفات الكومنترن بغض النظر عن الظروف والواقع، ولعل ذلك طلباً أممياً، بالرغم من محاولاته تعريق الطبعة الدولية والعربية، لكن إيمانه بقيادة ستالين وبالتطبيق الاشتراكي السوفييتي، جعلته يغضّ النظر عن سلبياتهما، بل ينفذ تعليماتهما باعتبارها واجباً مقدساً مع سعيه لإيجاد بعض الأجوبة عن طبيعة المجتمع العراقي وتشكيلاته، لاسيما عدم وجود طبقة عاملة بالمعنى العلمي للكلمة وكذلك اختلاط المهمات الاجتماعية بالمهمات الوطنية في مقاومة الاستعمار، لكنه تراه يتحدث عن دكتاتورية البروليتاريا وجوهر البلشــــــــــفية والانحرافات اليسارية واليمينية في الحركة العمالية والاتجاهات الاقتصادية للحركة العمالية والأمميات الثلاث والأممية الشيوعية في جوانب لا تشغل كثيراً المجتمع العراقي، وقد حاول تبيان صواب الماركسية وتطبيقاتها في البلدان المتقدمة والرأسمالية المتطورة وكذلك في البلدان المتخلّفة أيضاً.
كان فهد يتبرّم من الدعوة لتوسيع الديمقراطية ويتطيّر كثيراً من النقد ويتعامل تحت زعم ظروف العمل السري بأوامرية وفردية شديدة، فيقيل ويقدّم أعضاء إلى اللجنة المركزية دون استشارة أحياناً أو بزعم وحدة الإرادة والعمل، فمثلاً تعامل مع يعقوب كوهين أحد الكوادر الطلابية في الحزب الشيوعي حين طالب عام 1942 منح المثقفين دوراً متميّزاً وقيادياً واشباعهم من جهة ثانية بالثقافة الماركسية، ولم يكن فهد مقتنعاً بذلك، لاسيما دعوة كوهين إلى اعتبار الاشتراكية هدفاً مباشراً وراهناً لتوجهات الحزب الشيوعي، وبدلاً من مناقشته وإقناعه تم طرده، وحصل الأمر مع الروائي ذو النون أيوب الذي كان عضواً في قيادة الحزب مع فهد والشبيبي وزكي بسيم وأمينة الرحال ووديع طِلبه ونعيم طويّق وداود الصائغ وصفاء الدين مصطفى وعبدالله مسعود القرني وذلك في تشرين الثاني نوفمبر العام 1941، وهو ما يذكره حنا بطاطو.
وعندما تململ ذو النون أيوب مطالباً بزيادة الديمقراطية الداخلية، قام فهد بطرده أيضاً، لاسيما بعد انحيازه لصوب يعقوب كوهين، الأمر الذي دفعه إلى قيادة تكتل انشقاقي عُرف باسم إلى الأمام وصدرت جريدة بالإسم نفسه، وشدّد هذا الاتجاه على ضرورة احترام الديمقراطية الداخلية وسنّ نظام داخلي كان الحزب يفتقر إليه وعقد مؤتمر عام لم يكن قد انعقد حتى العام 1945 ووضع برنامج وإجراء انتخابات لقيادة الحزب والتوجه لتعزيز دور المثقفين وإعلان الدعوة لقيام نظام اشتراكي كمهمة مرحلية.
ولم تمضي مدة طويلة حتى طرد عبدالله مسعود القرني الذي كان منفياً في البصرة وكان بمثابة الرجل الثاني، ومنافساً قوياً لفهد لمنصب الأمين العام، حيث تم انتخاب فهد في وقت كان هو غائباً كمسؤول أول سكرتير عام واعتبر مساعداً لفهد.
ولكن القرني استغلّ غياب فهد الذي سافر لحضور اجتماعات الكومنترن، وعقد مؤتمراً حضره 26 مندوباً وكان بعنوان وعي البروليتاريا العراقية وسمّيت جماعته بالشرارة الجديدة وأبعد عدداً من قيادة الحزب وانتخب القرني أميناً عاماً، ولعل مثل هذه الإجراءات غير الديمقراطية والتهميشية وسواها من إقصاء وعزل كانت سائدة داخل الحركة الشيوعية، وانتقلت عدواها الى الأحزاب القومية والإسلامية لاحقاً، لاسيما في ظروف العمل السري وفرض شرعيات خارج نطاق الاختيار الحر حتى وإن سمّيت بالشرعية الثورية والمركزية الديمقراطية، التي لم تكن سوى مبررات ومزاعم بغياب الديمقراطية الداخلية.
ولم تسلم قيادة فهد مرّة أخرى من انشقاقات جديدة حين قاد داوود الصائغ الذي كان عضواً في المكتب السياسي الذي شكل رابطة الشيوعيين العراقيين وأصدر جريدة باسم العمل في العام 1944 ثم شكل يوسف زلخا جماعة شيوعية من أوساط المثقفين والشباب عُرفت باسم وحدة النضال وذلك للأسباب ذاتها، وخصوصاً النزعة الفردية وغياب الديمقراطية الداخلية.
التنويرية الأوربية
لم نجد في إعمال يوسف سلمان يوسف السياسية إي أثر للحركة التنويرية الأوربية التي تعد الحاضن الأساسي للماركسية او الحركة التنويرية العراقية أو العربية؟ ما هو التفسير لذلك؟
كان فهد سياسياً بامتياز وامتلك ثقافة حزبية واسعة، لاسيما في ظروف العمل السري وكتب وأنتج خلال اختفائه في بغداد أهم المعالجات الحزبية، لاسيما بين العام 1941 و1946، ولكن انشغالاته وهمومه والتحدّيات التي واجهته لم تكن خارجية حسب، بل بعضها كان داخلياً، ولم تكن تلك التحديات بمعزل عن الظروف السائدة ونمط التفكير آنذاك، وقد صبّ جلّ اهتمامه على الأوضاع الداخلية من جهة، وعلى كيفية التقريب بين الفكرة الاشتراكية والواقع العراقي، وبتقديري كانت اطلاعاته محدودة على حركة التنوير الأوروبية، فضلاً على ظروف العمل السري، خصوصاً وكان تحصيله العلمي بسيطاً بسبب ظروفه المعاشية، حيث كان قد انقطع عن الدراسة لغاية المرحلة المتوسطة.
إنتاج مفكر
هناك ظاهرة غربية في النسخة الماركسية العراقية انها لم تستطع نتاج مفكر اسوه بالنسخة السورية او اللبنانية الياس مرقص، مهدي عامل ؟ العوامل التاريخ والمعرفية لعدم اسهامها في انتاج مفكر؟
اما بخصوص النسخة الماركسية العراقية التي وردت في سؤالك، فأظن أن القمع والارهاب ساهما في منع تكوين مفكرين ماركسيين في العراق، على خلاف مصر ولبنان وسوريا مثل محمود أمين العالم، فؤاد مرسي، الياس مرقص، ياسين الحافظ ومهدي عامل وكريم مروّة وفوّاز طرابلسي وآخرين، لكن ذلك لا يعني أن الماركسية العراقية لم تنجب مفكرين أو أنها لم تكن ولوداً . وكان واحداً من النماذج التي يمكن إطلاق صفة مفكر عليها هو عامر عبدالله وهو شخصية اشكالية في الحركة الشيوعية، امتاز بقلم رشيق ولغة جميلة، أقرب إلى الأدب وفكر عميق وإطلاع واسع، لكن انصرافه للعمل الحزبي وانخراطه في التكتلات والصراعات استهلكت الكثير من طاقاته وفيما بعد تفرّغه إلى العمل الوظيفي والوزاري، وبتقديري أن الشيء الأهم هو ما تعرّض له في حياته الحزبية من ضغوط ومحاولات إبعاد لم تكن بعيدة عنها بعض طموحاته الشخصية، وهكذا خسرنا مفكراً كبيراً وواعداً بسبب الصراعات والخصومات والأحقاد التي نالت منه كثيراً، حيث قضى آخر أيام حياته لاجئاً وحيداً ومنكسراً في لندن التي توفيّ فيها العام 2000.
وإذا أردنا استعراض بعض المفكرين الماركسيين، فيمكن ذكر عبد الفتاح ابراهيم أحد أبرز مؤسسي جماعة الأهالي العام 1932 وكاتب منهجها الشعبية وصاحب كتاب على طريق الهند الصادر العام 1935 والعديد من المؤلفات وكذلك د. ابراهيم كبه ود. محمد سلمان الحسن المفكران الماركسيان الرياديان والأكاديميان من الطراز الأول، ولهما عشرات الكتب والمؤلفات والترجمات وقد حافظا على استقلاليتهما، وقدّما أطروحات في غاية الأهمية وفي ظروف لم تسمح بالنشر أو الكتابة أو حرية التعبير، لكنهما تركا تأثيراتهما الكبيرة على الفكر الماركسي العراقي وإلى حدود معينة العربي، وعلى الوسط الجامعي والأكاديمي، وإن كان هناك جحوداً عاماً إزاء التعامل مع المفكرين والمثقفين، لاسيما إذا كانوا من مواقع مستقلة أو انتقدوا التيار الحزبي السائد وقياداته. وهو الأمر الذي ظل مشتركاً لجميع القيادات في الأحزاب الشمولية، مهما كانت تسميتها.
تنصيصات
كان فهد واعياً لدور قوى التحالف المعادي للفاشية، لاسيما بانضمام الاتحاد السوفييتي، ولذلك ركّز جهــــــــــود الحزب خلال تلك الفترة في فضــــح النازية والفاشية فكرياً وسياسياً مبيّناً خطرها على الشعوب، بما فيها العربية. وبحكم إلتقاطه للحلقة المركزية في النضال فقد خفّض من نبرة العداء لبريطانيا، كان فهد يتبرّم من الدعوة لتوسيع الديمقراطية ويتطيّر كثيراً من النقد ويتعامل تحت زعم ظروف العمل السري بأوامرية وفردية شديدة، فيقيل ويقدّم أعضاء إلى اللجنة المركزية دون استشارة أحياناً أو بزعم وحدة الإرادة والعمل، وكانت الاشتراكية أقرب إلى حزمة من المبادئ السياسية والجذابة التي تمنح الانسان الوعد با لسعادة والرفاه وإلغاء الاستغلال وتحرره من الظلم، وقد أشرتُ إلى طغيان الأسلوب المدرسي في عرضها، لاسيما عبر عمليات تأويل شعبوية أحياناً، خصوصاً لواقع عراقي معقد ويعجّ بالكثير من المتناقضات، الدينية والطائفية والقومية واللغوية والتشكيلات الاجتماعية الاقطاعية والعشائرية والتدخلات الخارجية والمعاهدات والاتفاقيات المجحفة والمذلة.
/6/2012 Issue 4232 – Date 23 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4232 التاريخ 23»6»2012
AZP07