عالِم يمضي فترة الحجر داخل جنّة نباتية وحديقة فراشات

378

كالاركا‭ (‬كولومبيا‭)-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬مع‭ ‬بدء‭ ‬تفشي‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬اختار‭ ‬عالم‭ ‬النباتات‭ ‬ألبرتو‭ ‬غوميس‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬فترة‭ ‬الحجر‭ ‬داخل‭ ‬الحديقة‭ ‬الغنّاء‭ ‬التي‭ ‬أقامها‭ ‬في‭ ‬كولومبيا،‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬ينعم‭ ‬بتنوع‭ ‬حيوي‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأغنى‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

من‭ ‬دون‭ ‬الموظفين‭ ‬الثلاثين‭ ‬الذين‭ ‬يرافقونه‭ ‬عادة‭ ‬وبعيدا‭ ‬من‭ ‬عائلته‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬بوغوتا،‭ ‬يكافح‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬البالغ‭ ‬72‭ ‬عاما‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الحديقة‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬النور‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬عقود‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬المستجد‭ ‬أرغمه‭ ‬على‭ ‬إغلاقها‭. ‬ويوضح‭ ‬غوميس‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬بين‭ ‬الأجناس‭ ‬ال600‭ ‬من‭ ‬النباتات‭ ‬المستوطنة‭ ‬المزروعة‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬هكتارا‭ “‬أعيش‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحديقة‭ ‬النباتية‭ ‬في‭ ‬كينديو‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬لأن‭ ‬الوباء‭ ‬أرغمني‭ ‬على‭ ‬ملازمة‭ ‬المكان‭”.‬

وعند‭ ‬بدء‭ ‬تدابير‭ ‬الحجر‭ ‬في‭ ‬كولومبيا‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬آذار‭/‬مارس‭ ‬لاحتواء‭ ‬تفشي‭ ‬الوباء،‭ ‬تبدد‭ ‬المورد‭ ‬الأساسي‭ ‬للإيرادات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المتنزه‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬كالاركا‭ ‬بمقاطعة‭ ‬كينديو‭ ‬الغنية‭ ‬بأشجار‭ ‬البن‭ ‬في‭ ‬غرب‭ ‬كولومبيا،‭ ‬أي‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬600‭ ‬ألف‭ ‬زائر‭ ‬سنويا‭.‬

ومذاك،‭ ‬يؤدي‭ ‬ألبرتو‭ ‬دور‭ ‬البستاني‭ ‬والحارس‭ ‬والمساعد‭ ‬المنزلي‭ ‬و‭”‬الديكتاتور‭”‬،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬ضاحكا‭ ‬إذ‭ “‬لا‭ ‬ورقة‭ ‬تتحرك‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إذني‭”.‬

وللاستمرار‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬رواتب‭ ‬الموظفين،‭ ‬طرق‭ ‬الرجل‭ ‬السبعيني‭ ‬باب‭ ‬المصارف‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭. ‬ثم‭ ‬لجأ‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬على‭ ‬أساس‭ “‬معدلات‭ ‬فائدة‭ ‬فاحشة‭” ‬وأطلق‭ ‬نداء‭ ‬استغاثة‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ويذكّر‭ ‬هذا‭ ‬الرجل‭ “‬لقد‭ ‬أوجدت‭ ‬هذه‭ ‬الحديقة‭”‬،‭ ‬مشددا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬الصحية‭ ‬أرغمته‭ ‬على‭ ‬إيجاد‭ ‬حلول‭ ‬للإستمرار‭. ‬ويضيف‭ “‬نحن‭ ‬نعيد‭ ‬تكوين‭ ‬أنفسنا‭ ‬كما‭ ‬يقولون‭”.‬

‭ ‬إنقاذ‭ ‬جنة‭ ‬النباتات

وبعدما‭ ‬نال‭ ‬شهادة‭ ‬في‭ ‬المحاماة،‭ ‬تحوّل‭ ‬ألبرتو‭ ‬غوميس‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬النباتات‭ ‬بفعل‭ ‬شغفه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتخطى‭ ‬العشرين‭ ‬من‭ ‬العمر‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬يجني‭ ‬قوته‭ ‬من‭ ‬تخصصه‭ ‬الحقوقي‭ ‬بموازاة‭ ‬تطوير‭ ‬مهاراته‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬البيئي‭.‬

وهو‭ ‬يوضح‭ “‬لقد‭ ‬غصت‭ ‬تدريجا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مذهل‭”. ‬وتتألف‭ ‬حديقته‭ ‬من‭ ‬أجناس‭ ‬نباتية‭ ‬شتى‭ ‬بينها‭ ‬أزهار‭ ‬الأوركيد‭ ‬ونباتات‭ ‬مائية‭ ‬أو‭ ‬علاجية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬متحف‭ ‬لأشجار‭ ‬النخيل‭ ‬وحديقة‭ ‬للحشرات‭ ‬وموقع‭ ‬مخصص‭ ‬لتربية‭ ‬الفراشات،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬مكتبة‭ ‬وقاعة‭ ‬سينما‭.‬

وبعد‭ ‬اتفاق‭ ‬السلام‭ ‬الموقع‭ ‬سنة‭ ‬2016‭ ‬بين‭ ‬بوغوتا‭ ‬ومقاتلي‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الثورية‭ ‬الكولومبية‭ (‬فارك‭)‬،‭ “‬ازدادت‭ ‬نسبة‭ ‬الزوار‭ ‬الأجانب‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬5‭% ‬إلى‭ ‬20‭ %‬،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تدابير‭ ‬الحجر‭ ‬أتت‭ ‬على‭ ‬السياحة‭ ‬الدولية‭ ‬والوطنية‭ ‬والمحلية‭”‬،‭ ‬وفق‭ ‬غوميس‭.‬

وأطلق‭ ‬ألبرتو‭ ‬حملة‭ ‬بعنوان‭ “‬أنقذوا‭ ‬حديقة‭ ‬كونيدو‭ ‬النباتية‭”‬،‭ ‬وذلك‭ ‬عبر‭ ‬تسجيل‭ ‬مصور‭ ‬يدعو‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬أشجار‭ ‬وتبني‭ ‬نباتات‭ ‬أو‭ ‬مناطق‭ ‬في‭ ‬جنة‭ ‬التنوع‭ ‬الحيوي‭ ‬هذه،‭ ‬وتمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الهبات‭.‬

وفي‭ ‬أرض‭ ‬مجاورة،‭ ‬زرع‭ ‬الموظفون‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬ألف‭ ‬نبتة‭ ‬من‭ ‬37‭ ‬جنسا‭ ‬مستوطنا‭. ‬وقد‭ ‬مكّنت‭ ‬مبيعات‭ ‬هذه‭ ‬النباتات‭ ‬غوميس‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬رواتب‭ ‬العاملين‭ ‬لشهري‭ ‬أيار‭/‬مايو‭ ‬وحزيران‭/‬يونيو‭.‬

وهو‭ ‬يوضح‭ ‬أن‭ ‬هدفه‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬إبعاد‭ ‬شبح‭ ‬الإغلاق‭ ‬النهائي‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموقع‭ ‬الذي‭ ‬يصمد‭ “‬في‭ ‬قلب‭ ‬فوضى‭ ‬إزالة‭ ‬الغابات‭ ‬وتدهور‭ ‬الأنظمة‭ ‬البيئية‭ ‬والاحترار‭ ‬المناخي‭ ‬العالمي‭ ‬واندثار‭ ‬الأجناس‭”.‬

‭- ‬تفادي‭ “‬تدمير‭ ‬البيئة‭” -‬

يستيقظ‭ ‬ألبرتو‭ ‬يوميا‭ ‬على‭ ‬زقزقة‭ ‬العصافير‭ ‬بعيد‭ ‬بزوغ‭ ‬الفجر‭ ‬قرابة‭ ‬الساعة‭ ‬الخامسة‭ ‬والنصف‭ ‬صباحا‭. ‬وهو‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ “‬السمفونية‭ ‬تبدأ‭” ‬مع‭ ‬الفجر‭ ‬‭”‬ومعها‭ ‬ينطلق‭ ‬نهاري‭”.‬

وتكتنز‭ ‬كولومبيا‭ ‬ثروة‭ ‬بيئية‭ ‬كبيرة‭ ‬تجعلها‭ ‬ثاني‭ ‬أبرز‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬لناحية‭ ‬درجة‭ ‬التنوع‭ ‬الحيوي‭ ‬بعد‭ ‬البرازيل،‭ ‬وأهمها‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬تنوع‭ ‬الطيور‭ ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬حديقة‭ ‬غوميس‭ ‬176‭ ‬من‭ ‬أجناسها‭.‬

وبعد‭ ‬محطة‭ ‬سريعة‭ ‬مع‭ ‬الفطور‭ ‬الصباحي،‭ ‬يعتني‭ ‬غوميس‭ ‬بالأحواض‭ ‬التي‭ ‬تنبت‭ ‬فيها‭ ‬النباتات‭ ‬المائية‭. ‬وهو‭ ‬يقول‭ “‬هذه‭ ‬الوصفة‭ ‬الأفضل‭ ‬لتوفير‭ ‬السكينة‭”.‬

وفي‭ ‬باقي‭ ‬فترات‭ ‬النهار،‭ ‬يهتم‭ ‬الرجل‭ ‬السبعيني‭ ‬بمشاريعه‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬طرق‭ ‬لتمويل‭ ‬الحديقة‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ “‬على‭ ‬الطبيعة‭” ‬بسبب‭ ‬نقص‭ ‬الموارد‭ ‬الكافية‭ ‬للصيانة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئة‭ ‬يوم‭.‬

ويترأس‭ ‬ألبرتو‭ ‬غوميس‭ “‬الشبكة‭ ‬الوطنية‭ ‬للحدائق‭ ‬النباتية‭ ‬في‭ ‬كولومبيا‭”‬،‭ ‬ما‭ ‬يشعره‭ ‬بمسؤولية‭ ‬كبيرة‭.‬

وهو‭ ‬يقول‭ “‬يجب‭ ‬بصورة‭ ‬طارئة‭ ‬للغاية‭ ‬إنقاذ‭ ‬كولومبيا‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬بيئتها‭ (…) ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ننتظر‭ ‬تولي‭ ‬أبنائنا‭ ‬هذه‭ ‬المهمة،‭ ‬علينا‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬بأنفسنا‭ ‬حالا‭”.‬

وينهي‭ ‬غوميس‭ ‬يوم‭ ‬العمل‭ ‬بشرب‭ ‬القهوة‭ ‬قرابة‭ ‬التاسعة‭ ‬والنصف‭ ‬مساء‭. ‬ويوضح‭ “‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬الوباء‭ ‬هذه،‭ ‬الأيام‭ ‬كلها‭ ‬متشابهة‭ ‬بنظري‭. ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬الأحد‭ ‬والاثنين‭”.‬

ولدى‭ ‬غوميس‭ ‬طموحات‭ ‬كثيرة‭ ‬بينها‭ ‬مشاريع‭ ‬تربوية‭ ‬ومسعى‭ ‬لتأليف‭ ‬كتاب‭ ‬ثان‭ ‬ورغبة‭ ‬بتعلم‭ ‬الفرنسية‭. “‬أما‭ ‬الأمر‭ ‬الوحيد‭ ‬الممنوع‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحديقة‭ ‬فهو‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬الحلم‭”‬،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭.‬

مشاركة